كيف يساعدنا وضع الأمور في منظورها الصحيح على استعادة يقيننا بالحياة؟

وضع الأمور في منظورها الصحيح
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

قد لا تبدو الأحداث التي تجري من حولنا سيئة إلى الدرجة التي نتخيلها عندما نأخذ في الحسبان نسبية الأمور ونضع هذه الأحداث في منظورها الصحيح. ولكن قد يتساءل سائل: “ألا تتابع الأخبار؟ هل تعيش على كوكب آخر أم ماذا؟ ليس ثمة ما يدعو إلى التفاؤل، وكل الدلائل تشير إلى تزايد أسباب القلق، فكيف تطلب مني وضع الأمور في منظورها الصحيح؟”. على الرغم من أن الأمر ليس سهلاً بالفعل فإن استيعاب المعنى الحقيقي لهذا المفهوم هو الخطوة الأولى نحو فهم مخاوفنا، ومن ثم السيطرة عليها وتجاوزها.

ما هي النظرة النسبية للأمور وما أهميتها؟

يَعتبر بعض الأشخاص أن النظرة النسبية للأمور تعني تشويه الحقائق الواضحة؛ متناسين الفكرة الرئيسية لهذا المفهوم بسبب إساءة استخدامه، فإضفاء الطابع النسبي على موقف ما لا يعني تشويه حقيقته أو التقليل من أهميته؛ إذ إن نسبية الأمر تعني لغوياً ارتباطه بغيره، وهي تشير إلى عدم تناول موقف ما كحالة مستقلة في حد ذاتها بل على العكس من ذلك اتباع مبدأ المقارنة.

تبرز أهمية هذه العقلنة بصورة رئيسية عندما تسيطر علينا المخاوف. وتوضح أستاذة الفلسفة والتحليل النفسي إلسا غودار ذلك قائلةً: “إن وضع مخاوفنا في منظورها الصحيح يعني السيطرة عليها ومحاولة النظر إلى الموقف الذي يثير قلقنا بطريقة موضوعية لا عاطفية”. وتوضح أن ذلك ممكن عبر التساؤل عن سبب الخوف الذي نشعر به والطريقة المحتملة للسيطرة عليه وتهدئة أنفسنا. وتؤكد أن أهمية اللجوء إلى المنظور النسبي هذا وإحياء “الحكمة الرواقية” تأتي في الوقت الذي تسيطر فيه عواطفنا على تعاطينا مع الأمور من حولنا.

وعلى الرغم من ذلك فإن المرء قد يتساءل عن كيفية التعامل بعقلانية مع القلق الذي تثيره القضايا الاقتصادية والسياسية والاجتماعية؛ والتي نواجه في كثير من الأحيان صعوبةً في التكهن بها كما هو الحال في الفترة التي تسبق الانتخابات الرئاسية أو الفترات التي تشهد أوضاعاً اقتصاديةً مضطربةً تفتح باب التكهنات المتناقضة على مصراعيه. تؤثر هذه الحالة من الغموض في ثقتنا بالمستقبل، ووفقاً لدراسة أجراها فريق من الباحثين في الطب النفسي السريري من جامعة زيورخ بسويسرا فإن العصبونات التي تُنشَّط في حالات عدم اليقين، هي ذاتها التي تُنشَّط عندما نتوقع رؤية صور مؤلمة.

إن وضع الأمور في منظورها الصحيح ينطبق أيضاً على أخبار الكوارث التي نسمعها كل يوم. ويوضح مختص التحليل النفسي بيير ماري قائلاً: “إن المنظور الذي نضع فيه موقفاً ما أهم بكثير من حقيقة هذا الموقف في حد ذاتها. وهكذا عندما يسمع أفراد المجتمع أن “فرنسا تعيش فترةً مروعةً” يشعر كل فرد أنه يعيش حياةً مروعةً بوصفه جزءاً من هذه البلاد. ودعونا نتذكر حالةً معاكسةً لذلك عندما كان لتتويج المنتخب الفرنسي لكرة القدم ببطولة كأس العالم 1998 تأثير إيجابي في عموم المجتمع آنذاك؛ إذ ارتفعت الروح المعنوية لدى أفراده وازداد معدل الاستهلاك”. ويتابع: “وهذا هو بالضبط ما نود الإشارة إليه؛ أي تذكر فترات ماضية من حياتنا ومقارنتها بالحاضر؛ الأمر الذي سيسمح لنا بوضع مخاوفنا ضمن منظور نسبي ومن ثم تهدئتها لكن للأسف نحن لا نتمتع “بالحس التاريخي”؛ إذ تحكمنا الآنية ونبقى بسبب ذلك عالقين في واقعنا ونرفض أن نأخذ الوقت لنسأل أنفسنا عن حياتنا الآن ونقارنها بما كانت عليه من قبل”.

هل شعورنا بالعجز هو خيار غير واعٍ؟

على الرغم من أن الأوقات العصيبة تلقي بظلالها على حياتنا، فإننا يجب أن ننظر إلى الجانب الإيجابي منها. ويوضح مختص التحليل النفسي قائلاً: “المشكلة الحقيقة هي أن معظم الناس يميلون إلى السلبية، فيخضعون لها بدلاً عن محاولة التعامل معها. وعلى ذلك فإن شعورنا بالعجز في مواجهة المستقبل يرجع في بعض الأحيان إلى اختيار هذا العجز ولو كان ذلك دون وعي منا، فليس ثمة ما هو أصعب على البشر من قبول السعادة خاصةً عندما يسلمون بأن الأزمات هي دليل على استحالة أن يكون المرء سعيداً”.

من الآثار الجانبية “المفيدة” للنكبات أنها تجبرنا على إعادة التفكير في حياتنا اليومية، وهذا ما أشار إليه جان بول سارتر عندما كتب في عام 1943: “لم ننعم يوماً بالحرية بقدر ما فعلنا في ظل الاحتلال الألماني”. والمقصود هنا أن الحياة المريحة قد تحول دون قدرة الإنسان على اكتشاف المعنى الحقيقي لها، بينما تفرض عليه أوقات الشدة؛ كحالة الحرب على سبيل المثال، التعامل مع الواقع بطريقة مختلفة. ويلخص بيير ماري ذلك قائلاً: “إن شعور المرء بأن طريقه نحو المستقبل مسدود يجبره على الاستثمار في الحاضر بطريقة مغايرة”.

على سبيل المثال قد نتساءل عن الجوانب الإيجابية للأزمات الاقتصادية. تجبرنا هذه الأزمات على مراجعة عادات الاستهلاك المفرط وتحثنا على النظر إلى أحوال الناس الأكثر فقراً وتتيح لنا فهم كيف يمكن لأوضاعهم الصعبة أن تؤثر فينا تأثيراً مباشراً وتذكّرنا بأهمية التكاتف الاجتماعي، ومن ثم فإن ذلك سيمثل نقطة تحول في حياة هؤلاء الناس. وتؤكد إلسا غودار ذلك قائلةً: “يتمثل الجانب الإيجابي للأزمات بتذكيرنا بأن الحياة ليست مريحةً على الدوام كما أن خوض التجارب المؤلمة وغير السارة وفهمها من الأمور التي ترسم معالم إنسانيتنا. في العصور القديمة كان على الإنسان أن يكافح للعثور على الطعام والأرض وما إلى ذلك، في حين أن حياتنا اليوم تُعتبر مريحةً وذلك على الرغم من كل الظروف، لذا فإن كفاحنا الحقيقي اليوم يجب أن يتمثل في مواجهة الروح الانهزامية التي قد نستسلم لها ومن ثم استعادة حياتنا وإضفاء المعنى عليها، فيجب النظر للأزمة التي نتعرض لها على أنها فرصة إما أن نغتمها وإما أن نضيعها”.

فرنسا تعاني من حزن جماعي

ما الذي تعاني منه فرنسا ولمَ تسودها الأجواء الأكثر تشاؤماً على الإطلاق؟ في كتابه “العصاب الفرنسي” (La Névrose française) يتناول مختص التحليل النفسي جان كلود ليود الحالة النفسية الجماعية في البلاد ويقدم تقييماً لها من وجهة نظر علم النفس بغية الوصول إلى تشخيص صحيح.

هل “فرنسا مريضة” إذن؟

يتطلب تشخيص المرض إجراء فحص إكلينيكي، أما إذا تناولنا الحالة الفرنسية من وجهة نظر التحليل النفسي فيمكنني القول إنها تتكون من ثلاثة أنظمة نفسية جماعية نشأت عبر تاريخنا. الأول هو النظام الأبوي البطريركي الذي نجد بعض آثاره حتى اليوم في مجال الأعمال أو العلاقات بين الرجال والنساء، والثاني هو النظام الجمهوري الغني بقيم المساواة والحريةالتي ما زالت محط اهتمامنا، أما النظام الثالث والأخير فهو النظام الليبرالي السائد اليوم؛ والذي يستند من وجهة نظر نفسية إلى مبدأ شاذ وهو اعتبار الآخر وسيلةً لخدمة الرفاهة الشخصية فقط.

وكيف يمكن لذلك أن يفسر التشاؤم الذي يسود فرنسا؟

يمكن تفسير حالة التشاؤم هذه بتلاعب بعض الأشخاص بآخرين بغية تسخيرهم لخدمتهم وذلك عبر عدة سلوكيات مثل إخضاعهم لأوامر متناقضة أو تشويش رؤيتهم للأمور؛ ما يخلق لديهم حالةً من الارتباك وعدم الثقة بأي شيء بما في ذلك السلطة والمستقبل و الناس من حولهم. أما مشاعر الإحباط فسببها الافتقار إلى مُثُل النظام الجمهوري وتحديداً حب الجماعة لكل فرد من أفرادها، ومن ثم الافتقار إلى الأهداف الاجتماعية التي يمكن تحقيقها تبعاً لذلك مثل تقديم الدعم للمتقاعدين وتعزيز الرعاية الصحية والتعليم وغيرها. في الحقيقة يمكننا القول إن العديد من الفرنسيين يعيشون حالةً من الحزن.

كيف يمكننا استعادة يقيننا بالمستقبل؟

يُظهر لنا التاريخ أنه دائماً ما يكون هنالك حدث لا يمكن التنبؤ به ويؤدي إلى تغيّر كل شيء، تماماً كما حصل مؤخراً في العالم العربي وكذلك الأمر عندما نذكر أحداث مايو/أيار 1968 في فرنسا التي لم يكن أحد يتوقعها. لذا فإن نقطة التحول مرهونة دائماً بالقرار الذي يتخذه الناس بالتخلص من العبودية الطوعية. وما الذي يجعلنا نخضع لنظام نعاني منه؟ لأن التخلص من حالة العبودية هذه يحتاج إلى استيقاظ الناس وتعبيرهم عن إرادتهم والإعلان بجرأة عن ما يقبلونه وما يرفضونه. لكن ما الذي يدفع الناس إلى الاستيقاظ في هذا الوقت بالتحديد؟ إن هذا الجزء من الموضوع يبقى لغزاً سواء على المستوى الفردي أو الجماعي.

كيف تضع الأمور في منظورها الصحيح؟

كيف يمكننا اتخاذ خطوة إلى الوراء واستيعاب الأمور من حولنا؟

في غمرة الأخبار السيئة التي تطالعنا بها وسائل الإعلام كل يوم؛ نقدم لك بعض النصائح بالتعاون مع إلسا غودار أستاذة الفلسفة والتحليل النفسي، وبيير ماري مختص التحليل النفسي لمساعدتك على وضع الأمور في منظورها الصحيح وإعطائها أهميتها المناسبة.

اطلع على المعلومات من مصادر مختلفة

تجعل وسائل الإعلام من عالمنا عالماً أحاديّ اللون كما في لوحات بيير سولاج سوداء اللون، عندما نتلقى المحتوى الذي تقدمه لنا دون محاولة التعامل معه بانتقائية أو التعمق فيه، وليس المطلوب هو أن تقطع الاتصال مع وسائل الإعلام؛ بل محاولة الاستفادة مما تقدمه بطريقة صحيحة. على سبيل المثال عبر تخصيص مدة زمنية محددة خلال اليوم تحصل فيها على المعلومات عوضاً عن متابعة الأخبار على مدار اليوم وبصورة مستمرة. وذلك مع تنويع المصادر التي تعتمد عليها والتعمق في القراءة عن السياسة والاقتصاد والتاريخ لتتمكن من وضع الأخبار التي تسمعها في منظورها الصحيح.

أَدركْ شعورك الحقيقي تجاه القضية التي تتابعها

حسناً سأتساءل الآن ما التأثير المباشر والآني لهذه الأزمة التي أتابع أخبارها في حياتي؟ في معظم الحالات سيتيح لنا هذا التساؤل فهم الفجوة بين الاتجاه العام للمسألة وتأثيرها فينا بصورة خاصة ويحول دون أن ننساق وراء فكرة واحدة فقط.

كتاب يُنصح بقراءته: “أفول الأصنام” (Twilight of the Idols: or How to Philosophize with a Hammer)، فريدريك نيتشه.

كن واقعياً

غالباً ما تخفي مخاوفنا من المستقبل مشاعر الحنين إلى الماضي لكن من الضروري أن ندرك أن الفكرة الشائعة التي تشير إلى أن حياة الناس “كانت أفضل فيما سبق” هي مجرد وهم. فما المعيار الذي استندنا إليه لنقول إن حياة آبائنا كانت أفضل من حياتنا اليوم؟ وبالمثل كيف نقلق بشأن مستقبل لا نعرف عنه شيئاً في الواقع؟ الماضي قد انتهى والمستقبل لم يأتِ بعد وكل ما لدينا لنعيشه هو الحاضر (هنا والآن) وهي الحكمة البوذية العظيمة التي “نتذوقها” خلال ممارسة التأمل.

كتاب يُنصح بقراءته: “كيف تطبق ممارسة الزن في حياتك؟” (Comment peut-on être zen) لـ “جاك كاسترمان”.

حدد الأمور التي لديك سيطرة عليها

يمكن أن يكشف خوف الإنسان من المستقبل عن الوضع الصعب الذي يجد نفسه فيه عالقاً بين رغبته في امتلاك القدرة المطلقة (أريد تغيير العالم) وشعوره بالعجز (ليست لدي سيطرة على أي شيء) لذلك فإن المفتاح هنا هو اتخاذ مكان وسط بين هاتين الحالتين من خلال تحديد ما يمكنه التحكم فيه وما يقع خارج سيطرته، فعلى سبيل المثال لا يمكنني فعل شيء حيال تراجع التصنيف الائتماني لفرنسا ولكن يعود إليّ جعل هذا الموضوع مصدر قلق لي من عدمه.

كتاب يُنصح بقراءته: “رسائل أخلاقية إلى لوسيلوس” (Lettres à Lucilius) لسينيكا .

تذكر التحديات التي واجهتها في الماضي

يشير قلقنا حيال عدم قدرتنا على تجاوز ما هو قادم إلى “ضعف ذاكرتنا” وتناسينا لكل المواقف الصعبة التي مررنا بها خلال حياتنا، وكيف تمكنا من تجاوزها. لنسأل أنفسنا: “ما الذي يمنعنا من أن نتجاوز غداً ما تمكنا من تجاوزه بالفعل في الأمس؟”. إن سرد هذه الصعاب والدروس المستفادة منها يسمح لنا باكتساب الثقة بأنفسنا وبالحياة.

كتاب يُنصح بقراءته: “غير كاملين ولكن أحرار وسعداء” (Imparfaits, Libres et Heureux) لـ كريستوف آندريه.