هل يمكن أن تكون الأنانية مقبولةً في بعض الحالات؟

الأنانية
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

على الرغم من الأزمة الاجتماعية التي نعاني منها اليوم؛ تبقى القيم المجتمعية على غرار؛ الإيثار والتضامن والمساعدة المتبادلة والرحمة، قواعد ثابتةٍ لا غنى عنها، حتى لو لم ننجح دائماً في تطبيقها. ولا شك في أن الأنانية تبدو اليوم أكثر من أي وقت مضى؛ صفةً سلبيةً مستبعَدةً للغاية. لكن في بعض الأحيان وبجرعاتٍ صغيرةٍ؛ يكون التحلي بها أمراً ضرورياً.
هل يمكنك مساعدتي؟ لا تستطيع كريمة سماع هذه الجملة القصيرة دون الشعور بالهجوم عليها. فسرعان ما توحي ملامحها بالتوتر، وتتجمد نظرتها. ماذا سنسألها أيضاً؟ ماذا نريد أن نسرق منها؟ مالها ووقتها؟ مثل غالبية الناس الأنانيين؛ ترفض كريمة الاعتراف بأنها أنانيةً، فالآخرون بمطالبهم يمنعونها من الاهتمام بنفسها ورفاهيتها مثلما تريد. وعلى عكس ما قيلَ سابقاً، فإن الأناني العظيم اليوم ليس سعيداً، لأنه يهتم كثيراً بنفسه ولا يبذل الكثير من الجهد لتكون لديه علاقاتٌ مع الآخرين، ونادراً أيضاً ما يقع في الحب. لديه شعورٌ مؤلمٌ بأن مشاكله خطيرةٌ لأبعد الحدود، ناهيك بأنه يحبس نفسه في حالةٍ من العزلة تجعله عرضةً للاكتئاب.

مسألة ثقافة

يُعد كل من الأنانية والإيثار -المعنى المعاكس للأنانية إلى حد ما- مسألة ثقافةٍ. وفي الواقع؛ تدفعنا النزعة الفردية في مجتمعاتنا إلى تدليل الـ “أنا” الصغيرة لدينا لترسيخ خصوصيتنا وتفردنا. إنها توفر لنا أقصى قدرٍ من الحرية؛ ولكن في حالة الأزمة الشديدة (البطالة، والانفصال، والمرض)، فهي تجعلنا أكثر ضعفاً من أفراد المجتمعات الجماعية؛ حيث سنعتمد حينئذٍ على أنفسنا فحسب. من ناحية أخرى؛ تمكن البعض خلال العطلات في المغرب العربي، من اكتشاف كرم القرويين البربر الذين لطالما كانوا على استعدادٍ لتقديم الشاي والكعك وطبق الكسكس، دون طلب أي شيء في المقابل. في الجماعات المماثلة؛ يكون “الوجود الجماعي” هو المهم، فضلاً عن أن الأنانية تكون أقل شيوعاً. فمن يستطيع ومن لديه الإمكانيات؛ يعطي دون طرح أسئلةٍ.

لا أحد يولد يفضل الآخر عن ذاته

خلال سنواتنا الأولى؛ سواء وُلدنا في مجتمعٍ جماعيّ أو فرديّ، فنحن جميعاً لم نفكر إلا في سعادتنا المباشرة. كما أننا لا نحمل الشعور بالامتنان لمن قدموا لنا الخير؛ بل على النقيض من ذلك تماماً؛ نراهم مدينين لنا بذلك، كما أنهم كانوا يهتمون بنا لفائدتهم التي تتحقق من خلالنا. هذا التركيز على الذات هو جزء من التطور الطبيعي. علاوة على ذلك، فلهذه المشاعر عند الأطفال الصغار معانيها الخاصة، فهي تسمح له بالوصول إلى الوعي الذاتي؛ وهو شرطٌ مسبقٌ أساسي لتقدير الذات. يخرج الطفل من عالمه العقلي المتمركز حول الذات بين سنّيّ السابعة والثامنة، مع إمكانية التعرف على الآخر، والقدرة التقدمية على الشعور بالتعاطف، وأن يكون فضولياً تجاه الآخرين.

ومع ذلك؛ سيتمسك البعض طوال حياتهم، بمبدأ الاهتمام فقط بأنفسهم والتمركز حول الذات. عادةً ما يكون الأناني العظيم في المستقبل هو ذلك الطفل الوحيد أو المدلل، ونادراً ما يكون من عائلةٍ تتكون من أفرادٍ كُثُر. إنه محبوبٌ من قبل المحيطين به، سعداءَ بأدنى أفعاله وإيماءاته، وعلى استعدادٍ للتضحية برفاهيتهم وحريتهم من أجله. وهكذا؛ يستنتج منطقياً أنه الأكثر إثارةً للاهتمام. ولكن؛ إذا كانت هناك خطوة حاسمة في علاقة العطاء والمشاركة مع الآخرين، فهي تتلخص في عملية التدريب على استخدام الحمام. حتى ذلك الحين؛ يكون الطفل دائماً هو من يطلب (المساعدة، الاهتمام، الطعام). وفي هذه المرحلة ينقلب الوضع؛ بحيث يطلب منه الكبار أن “يفعل” كذا وكذا. ومع ذلك، فإن الآباء الذين يطالبون طفلهم بشكل رسمي للغاية بقضاء حاجته -كما لو كانت مسألةً واجبةً وحقاً مكتسباً- بأسلوب هجومي نوعاً ما “ستبقى هنا حتى تفعل ذلك”، يشجعونه دون إدراكٍ منهم على الشعور بأنه مُهَاجَمٌ عندما يُطلَب منه أي طلبٍ. سوف يحثونه بطريقة غير مباشرةٍ على أن ينتهج أسلوب الأنانية الدفاعية المرضية؛ والتي من خلالها سيحمي نفسه من إغراءات الآخرين، وهي دائماً ما تكون طريقةً مزعجةً.

مفاوضات دائمة

تقول لطيفة؛ وهي في سن الثانية والثلاثين، وتعد نموذجاً للتفاني: “أنا البنت الأكبر في عائلةٍ مكونةٍ من سبعة أطفالٍ، لقد اعتدت دائماً على الاستماع، وليس الاهتمام بنفسي فقط. ومن ثم فإن والديّ منفتحان وديناميكيان، وقد نقلا إلينا حب المشاركة ومتعة السعادة. لكن كن حذراً، فأنا أعرف أيضاً كيف أقول “توقف” وألا أترك نفسي عرضةً للهجوم، وأعرف كيف أكون شخصاً محترماً. هذه الجرعة الصغيرة من الأنانية ضروريةٌ بالفعل لراحتنا النفسية، وحتى في بعض الأحيان؛ لبقائنا على قيد الحياة. تكمن المشكلة بالنسبة لنا جميعاً في عدم وجود نمطٍ سلوكي محدّدٍ يمكن أن يساعدنا في وضع الحدود.

هل يجب أن أزور عمتي العجوز -التي تحبني- يوم السبت؛ بعد أسبوع من العمل؟ هل أقضي عطلتي في الجبال رغم أنني أكرهها لأن زوجي من محبي التزلج؟ هل أبقى مع أولادي لكن مع زوجٍ لا يكترث لي ويخونني؟ هل من الضروري حقاً، على الرغم من راتبي المنخفض، أن أساعد صديقتي العاطلة عن العمل التي وعدت بإرجاع الأموال المقترَضة، علماً بأن هناك احتمالاً كبيراً بأني لن أرى أموالي مرة أخرى؟ علينا في كل مرة أن نتفاوض مع إحساسنا بالواجب نحو الآخر، ومصالحنا الشخصية، وغريزتنا للبقاء النفسي، ورغبتنا في المتعة، دون أن ننسى أن دوافعنا نحو الأنانية والإيثار تعتمد أيضاً على مزاجنا في الوقت الحالي.

من أجل أنانية معتدلة

وفقاً للفيلسوف جيريمي بينثام: خلال حياتنا؛ نظل مسترشدين بالسعي وراء المتعة ومصلحتنا الخاصة. ومع ذلك، فإن هذا الدافع للتفكير في الذات يكون أحياناً مفيداً للآخر. أظهرت العديد من الدراسات (في الإيثار أو الأنانية؟ الفرق بين الجنسين من قبل إيمانويل أغاتاز ومغري دي جاردان وماري جيرار)، أن الناس المدفوعين بهذه الدوافع الأنانية (لتبرئة ضميرهم؛ وجدوا أن سوء حظ الآخرين لا يطاق) يثابرون في الأعمال الخيرية أكثر من أولئك الذين لديهم دوافع إيثارية. وعلى العكس من ذلك؛ يعتمد الأفراد الأكثر توجهاً نحو الآخرين كثيراً على المجموعة؛ لدرجة أنهم إذا لم يحصلوا على الموافقة الكافية منهم، فإنهم يشعرون بخيبة أملٍ ويستسلمون بسهولةٍ أكبر من الأنانيين.

وعليه؛ يُعتبر الاهتمام بنفسك أمراً صحياً نفسياً.  لكن يكمن الخطأ في الاهتمام بالنفس فقط، أو عدم الاهتمام بها بما يكفي؛ ما يجعلك تضحي بالنفس بشكلٍ دائمٍ. وفي نهاية المطاف، فإن ما يضر بنا ليس العيش وفقاً لرغباتنا؛ بل كيفية فرضها على من حولنا.

الأنانية وحب الذات

بعض الفروق الدقيقة

تحدد الأنانية موقف أولئك الذين لديهم اهتمامٌ كبيرٌ بأنفسهم؛ ما يؤدي غالباً إلى عدم وجود مبدأ الكرم ومراعاة الآخرين. كما يمكن أن يؤدي هذا إلى الانسحاب وعدم الانتماء الاجتماعي. إنها عكس الإيثار.

يتمثل حب الذات في الاعتقاد بأن المرء هو مركز العالم -اعتقاد المصاب بجنون العظمة- والتمركز حول الذات.

النرجسية، حسب فرويد: مكملٌ للأنانية. إنها عبارة على شغف وهوس المرء بصورته؛ وهو ما يؤدي إلى عبادة المظهر.

تحرض النزعة الفردية على تفضيل القيم الفردية (الاستقلالية، حرية الاختيار) ورفض الخضوع للجماعة (الأسرة، العشيرة، الحزب). إنها تعزز السلوك الأناني؛ لكن ليس كل الأفراد مهووسين بأنفسهم.