هل العلاج بالغناء مفيد؟

الغناء
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

هل تكمن الطاقة الحقيقية في الصوت و”الغناء”؟ ربما إذا تم استخدامه جيداً، فهكذا يمكن أن يساعدنا على إدارة عواطفنا والتغلب على مخاوفنا والتحكم في بعض الأمراض! إنها تقنية موروثة ومُستعملة منذ القدم أراد علم النفس إعادة استحضارها.
مخارج الحروف وطريقة نطقها مهمتان للغاية، فبينما أنا جالس في دائرة رفقة 30 شخصاً يرددون في انسجام بعض الحروف، كانت قائدة المجموعة ترشدهم قائلة: “بوضوح أكثر وانطقوا كل حرف بشكل جيد؛ ولكن من دون إرغام” وفي ذات الوقت كانت تصفق بيديها لتمييز الإيقاع.

كانت هذه الجلسة أحد التمارين التي طورتها كاثرين غايت كجزء من دورات التطوير الشخصي الخاصة بها بناءً على خاصية الصوت في أثناء الغناء. الهدف منها هو الشعور بتأثير الاهتزازات الدقيقة لكل حرف في الحلق والحنك وعظم القص والبطن وأعلى الجمجمة. بالإضافة إلى ذلك فإن هذه الاهتزازات ليست محسوسة جسدياً فحسب؛ بل لها أيضاً تأثير عاطفي وروحي.

للصّوت طاقة جسدية وعقلية وروحية حقيقية؛ هذه هي الفكرة الأساسية لتقنيات الغناء التي تم تطويرها مؤخراً. من خلال استخدامه والعمل على تطويره جيداً، فهو قادر على إعادة تجديد طاقتنا وبالتالي يمكنه مساعدتنا على إدارة عواطفنا وإيجاد هويتنا ومواجهة مخاوفنا وحتى التحكم في بعض الأمراض! هذا ما فسرته جميع التقاليد الروحية ومارسته منذ فجر التاريخ، ويبدو أن علم النفس أعاد اكتشافه خلال السنوات العشر الماضية.

طوّر صوتك

في الحقيقة فالعلاج من خلال الصوت مذهب لا يستخدمه المعالجون الفرنسيون كثيراً، لأنه ينبغي أن تكون مطرباً وتتمتع بمستوىً معيّن من التدريب الموسيقي وتستفيد من تجربة نفسية قوية. لذلك طور أغلب المعالجين المغنين أسلوبهم الخاص، وهذا هو السبب في أننا اليوم لدينا عددٌ لا بأس به من الأساليب والممارسين في ذات الوقت!

البسيكوفونية

في أوائل الستينيات بعد بحث مكثف حول تأثير الأصوات في جسم الإنسان، ابتكرت ماري لويز أوشر منهج البسيكوفونية. إنها الشخص الأول والوحيد الذي استخدم الصوت كتقنية لمعرفة الذات والشعور بالرفاهية، فضلاً عن أنها عملية علاجية.

تجعل اهتزازات الصوت التي تنتشر في الجسم من خلال الهيكل العظمي، للعظام دوراً مهما كرابط يوصل الصوت إلى كامل طبقات الجسم. إنه لاكتشاف عظيم! ومن ثم فهي تضع خريطة للتوافق بين الأصوات وأجزاء الجسم المختلفة مع آثارها الجسدية والنفسية. إنها تعتمد هذا المنهج كثيراً مع النساء الحوامل. واليوم يستمر عملها من خلال مختصين معتمَدين في معهد البسيكوفونية لماري لوير أوشر (Collège de Psychophonie Marie-Louise Aucher).

تناسق الأغنية

في بداية السبعينيات أتقن الموسيقي الأميركي الشاب ديفيد هايكس، أسلوباً خاصاً للغاية مستوحىً من “الغناء الحلقي” الذي يعود تاريخه للثقافة المنغولية والتبتية؛ وهو نوع من الغناء أو النداءات الصوتية التي يستطيع من خلالها المؤدي أو المغني أن ينتج أكثر من نوتة موسيقية في الوقت ذاته.

والنتيجة تكون دائماً مذهلة؛ يفتح المغني فمه ويصدر سلسلة من النغمات الجهيرة ويكون ذلك على نفس الوتيرة، ثم تحتد النغمة أكثر في استعراض تام لسلسلة من النغمات العالية التي ترتفع وتنخفض وترتد على فترات.

بعد تأسيس الجوقة التوافقية الأميركية والجوقة التوافقية الفرنسية، طور ديفيد هايكس فنه كأسلوب مُنتهج. ويقول في هذا الصدد: “الاستماع الجيد هو من يحدد الصوت أولاً”. إن السعي للتعرف إلى نغمتين تهتزان بداخلنا وتحديدهما في نفس الوقت هو بوابة لعالم واسع من التجارب الداخلية. كما أن الاستماع الجيد للنفس هو قبول ما نحن عليه. وهكذا انتهج بعض المعالجين، ولا سيما فيليب باراكيه، طريقة ديفيد هاكس.

طريقة الغناء الآن

في عام 1975، أنشأت مغنية الأوبرا إيفا بارتيليمي مدرستها الخاصة. بعد مسيرة فنية مهمة التزمت من خلالها بتقديم موسيقى الأوبرا الرائعة، تعرضت المغنية لمشكلة في حبالها الصوتية؛ ما جعلها عاجزة تماماً عن الكلام. بحثت لسنوات عن أسباب مرضها وعملت وطوّرت عدة تمارين لاستعادة قدراتها. ثم اكتشفت أن إنتاج الصوت يتطلب تدخّل ما يقرب من 300 عضلة وأنشأت بعد ذلك طريقتها التي أصبحت الآن أساساً للعديد من الممارسين؛ والتي يمكن أن تكمّل من وجهة نظر فنية، طريقة ماري لويز أوشر.

إذا كانت فصولها الدراسية مخصصة بشكل أكبر للمهنيين، فإن “العمل مع إيفا بارتيليمي يعني أيضاً الانخراط في عملية اكتشاف جسدك وصورتك الذاتية. إنها تدرب طلابها على استكشاف إمكاناتهم الخاصة لتجاوزها”، بحسب ما كتبه جويل دو غرافلين في كتابه “الصوت المحرر” (La Voix Libée).

نحن نغني

في منتصف الثمانينيات؛ تم تشخيص مغنية الأوبرا كاثرين غايت بمرض السرطان. وأوضحت أنه بينما كان يُحكم عليها بالفشل، فإن العمل الصوتي لأغراض علاجية ينقذها. اشتهرت في الأوساط الموسيقية برغبتها في مشاركة تجربتها واكتشافاتها. ابتكرت طريقتها ودوراتها التدريبية تحت عنوان “نحن نغني” بالتعاون مع عازف البيانو جيروم ماديسكلاير. وعلى الرغم من أنها تعطي دروساً خاصة أيضاً فإنها تركز عملها بشكل أساسي على المجموعة. بواسطة هذه الطريقة؛ نتعلم التنفس والارتجال واستخدام الأحبال الصوتية ومشاركة المشاعر الحميمة واستخدام الجسد كآلة موسيقية، والغناء أمام الجمهور.

صوت الطاقة

في ذات السياق ابتكر عازف الأرغن ورئيس الجوقة والمعالج النفسي جاك بونهوم طريقته في عام 1993، بناءً على أحد عشر “مفتاحاً” موزعاً في جميع أنحاء الجسم (مفتاح الصدر ومفتاح عنق الرحم ومفتاح الوجه، وغيرها من المصادر الأخرى). ويوضح: “لاستكشاف هذه الطريقة ومعرفتها؛ ينبغي أن تكون قادراً على تقييم مدى مقاومتنا وفهم هذه المقاومة”. ويضيف: “في المقابل يستخدم الصوت أداة الجسم بأكملها. إنه صدى العواطف”.

كيف يكون التدريب؟

بسبب هذا التنوع في الأساليب؛ لا يوجد تدريبان متشابهان. فهناك مئات التدريبات المتاحة للمغنين لتعلم كيفية التنفس وتنقية الحنجرة  واهتزاز اللسان، وإصدار الأصوات  وتوضيح الصوت؛ وهذا يمكن أن يقوم به غير المختصين. لا داعي لأن تكون مغنياً أو موسيقياً للعمل على صوتك وجني الفوائد من ذلك، وفقاً لما يقوله المعالجون. بشكل عام يتم تقسيم التدريبات إلى فئتين:

  • فردية: تتكون هذه الطريقة أساساً من زيادة الوعي بالأحاسيس التي يسببها صدى الأصوات في جميع أنحاء نظامنا العظمي. على سبيل المثال: نطق حرف “إي” يجعل نبرتك عالية ويضغط على الأسنان؛ ما يساهم في اهتزاز الجزء العلوي من الجمجمة، وهذا شعور ليس لطيفاً حقاً وفقاً لما أوضحه آلان. لكن فتح الفم له تأثير مثير للفضول بحسب آلان؛ حيث يقول: “كان لديّ انطباع بأنني أتلقى “تدليكاً” للدماغ. بالكاد كنت أشعر باللحظة لكن بدأت أستشعر الراحة تدريجياً. أما عندما يكون الفم مستديراً من خلال نطق حرف “أو” يرن صدى عظم القص والضفيرة الشمسية. وفي الحقيقة لقد فضلت هذه الطريقة الأخيرة لأنني شعرت بالأمان كما لو كنت قد لامست الأرض بعمق”.
  • جماعية: تتكون التمارين الجماعية على سبيل المثال من خلال الجلوس في شكل القرفصاء. تتم هذه الطريقة بوجود شخصين متقابلين وجهاً لوجه مع النظر في عيون بعضهما بعضاً والاستماع بعناية إلى الموسيقى. بعد ذلك يجب أن يغني كل واحد منهما اللحن جملة بجملة كما لو كان حواراً يدور بينهما. يشرح آلان: “من خلال متابعة الموسيقى أترك الأصوات تخرج دون إجبارها. وعلى الرغم من أنني أشعر بالخجل الشديد فهمت فجأة أن العلاقات الإنسانية يمكن أن تكون أقل تعقيداً مما نعتقد، بشرط أن نتخلى عن الأفكار المسبقة. لم أتخيل أبداً أن أكون قادراً على الغناء لشخص ما بالنظر إلى عينيه مباشرة”.

التحرر

انخرط في وِرش التدريب على الغناء محامون وإداريون وأمهات وممثلون وممرضات وأطباء وطلاب، فالأمر لا يتطلب البراعة أو صوتاً جميلاً ودراية بعالم الموسيقى. وبحسب ما شرحته كاثرين غايت وجيروم ماديسكلاير: “فإن الغناء هو لغة بسيطة وحقيقية وعالمية أساسها التواصل الأساسي. علاوة على ذلك فهو علاج له تأثيرات غير متوقعة لأنه يحررنا من الحواجز التي نصنعها داخل أنفسنا”.

لكن كيف يتم هذا التحرر؟

  • الخطوة الأولى: الاستماع. إن إنتاج الأصوات والتركيز على تأثيرات الاهتزازات في الجسم يدعوك إلى الشعور بصداها في نفسك وهذا يعني أن تكون حاضراً تماماً مع ذاتك.
  • الخطوة الثانية: المقاومات. مع تقدم التمارين يُكتشف أن الأصوات لا تخرج أو تهتز أو تسبب أحاسيس غير سارّة في هذا الجزء أو ذاك من الجسم. يوضح جاك بونهوم: “هذه مقاومة غير واعية حيث توجد أصوات للجسد والعقل؛ ما يقوض شعور الأمان عند المرء. يتألف العمل بعد ذلك من إدراك المشكلة واكتشاف مصدرها”.
  • الخطوة الثالثة: التجربة الجماعية. بعد الاكتشاف الفردي تأتي التدريبات الجماعية. تقول ألين: “هذا هو المكان الذي تشعر فيه وكأنك تتعرى”.

نظرة الآخرين والخوف من أن يتم الحكم عليهم هما اختبار حقيقي؛ لكننا سرعان ما ندرك أننا جميعاً في نفس القارب وأن احترام الآخرين هو وحده الذي يسمح لنا بالاحترام، ثم شيئاً فشيئاً نستعيد الثقة بالنفس.  قال أفلاطون بالفعل منذ ألفين وأربعمائة عام: “الغناء هو الهواء الموجود بالداخل الذي يكون في انسجام مع الهواء الموجود بالخارج”.

شهادة

فاتن؛ ممرضة، 38 سنة:

“الغناء بمفردي ودون موسيقى سمح لي باكتساب الثقة”

تقول فاتن: “بصفتي مسؤولة عن فريق من الممرضات؛ واجهت صعوبة كبيرة في التحدث في مجموعة والعثور على مكاني. ذات يوم رأيت إعلاناً لدروس الغناء، وعلى الرغم من أنني لم أغنِّ مطلقاً فقد اشتركت في ورشة عمل مع كاثرين غايت وجيروم ماديسكلاير. كان أصعب شيء بالنسبة لي هو تمارين الارتجال؛ الغناء بمفردي دون وجود إيقاع موسيقي وأمام مجموعة؛ إنها تجربة عاطفية شديدة تطلّبت مني التخلي بجدية عن مخاوفي”.

وتضيف: “من ناحية أخرى فإن الارتجال الجماعي استدعى انقسامنا إلى مجموعتين، وكان على المجموعة الثانية أن “تتجاوب” مع المجموعة الأولى، وأعطاني هذا الشعور بأن هناك قَبولاً لصوتي. من خلال السماح لنفسي باكتساب هذه الطاقة؛ اكتشفت إمكانيات صوتي وتمكنت من اكتساب المزيد  من الثقة. التناغم الذي نشأ في المجموعة والاحترام المتبادل والرفاهية الجسدية الحقيقية التي يوفرها هذا العمل شجعوني حقاً على قبول نفسي بشكل أفضل”.