كيف تعيد ضبط توقعاتك لتصبح ملائمة لواقعك؟

التوقعات غير الواقعية
(مصدر الصورة: نفسيتي، تصميم: إيناس غانم)
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

ملخص: هناك أفراد كُثُر يجدون أنفسهم عالقين في حلقة مفرغة من النقد الذاتي والتوقعات التي لا يمكن تحقيقها، وغالباً ما تنبع هذه التوقعات غير الواقعية من تجارب الطفولة المبكرة والضغوط المجتمعية؛ ومن أمثلة تلك التوقعات: السعي إلى تحقيق الكمال في المجال الأكاديمي والمهني، والبحث عن جسم خالٍ من العيوب أو الحفاظ على علاقات مثالية، وعادة ما تنشأ المشكلة عندما تكون ثمة فجوة كبيرة بين ما نتوقعه من أنفسنا وما يحدث في الواقع، فكيف يمكن أن تلائم توقعاتنا واقعنا؟ الإجابة تجدونها في هذا المقال.

"التوقع هو أصل وجع القلب كله"! الكاتب المسرحي الإنجليزي ويليام شكسبير

هل سبق لك أن شعرت بخيبة أمل لأن الأمور لم تسر بالطريقة التي توقعتها؟ ولماذا كان لديك مثل هذا الإيمان القوي بأن كل شيء سيحدث كما توقعت؟ الحقيقة أننا جميعاً لدينا توقعات معينة حول ما نريده من هذه الحياة أو حول الطريقة التي يجب أن يتعامل بها الآخرون معنا؛ ولكن في بعض الحالات، قد يصبح الناس متعلقين بتوقعاتهم إلى درجة أنهم غير قادرين على رؤية حقيقة الموقف، وهذا يمكن أن يمنعهم من التفكير في الإجراءات أو اتخاذ القرارات التي تصب في مصلحتهم، وعندما لا تُلبَّى تلك التوقعات، يمكن أن يؤدي ذلك إلى إثارة مشاعر خيبة الأمل والإحباط وحتى الغضب، فكيف يمكن أن نجعل توقعاتنا ملائمة لواقعنا؟ الإجابة من خلال هذا المقال.

ما هي التوقعات؟

تشير التوقعات إلى معتقداتنا بشأن نتائج الأحداث؛ في حين أن الواقع هو ما يحدث بالفعل. وبينما نأمل في كثير من الأوقات أن يتطابق هذان الأمران؛ إلا أن هذا لا يحدث في كثير من الأوقات. وفي الوقت الذي تلعب فيه التوقعات دوراً مهماً في حياتنا من خلال تحديد ما يمكن أن يحدث ومن ثَمّ اتخاذ خطوات نحو أهدافنا؛ إلا أنها يمكن أن تؤدي أيضاً إلى خيبة الأمل عندما لا يتطابق الواقع مع ما كنا نأمل حدوثه.

ما الفرق بين التوقعات الواقعية وغير الواقعية؟

توضح أستاذة علم النفس السريري، ميراندا موريس (Miranda Morris)، إن التوقعات جزء من تجربتنا الإنسانية. وفي الكثير من الأحيان، يمكن أن تزيد التوقعات الواقعية قدرتنا على تحقيق الأهداف. ومن أهم أمثلة التوقعات الواقعية: التفوق في العمل، والمشاركة في ماراثون رياضي، وقضاء سهرة جميلة بصحبة الأصدقاء، وتناول العشاء في الخارج، وفقدان الوزن.

أما التوقعات غير الواقعية، فهي تلك التوقعات التي تجعلك تشعر بالضغط النفسي الشديد ثم تؤدي في النهاية إلى خيبة الأمل لأنها لا تتحقق في الكثير من الأحيان. ومن أهم أمثلة التوقعات غير الواقعية:

  1. سوف أجعل حياتي مطابقة تماماً لكل ما أراه على مواقع التواصل الاجتماعي.
  2. شريك حياتي يجب أن يكون في المستوى نفسه الذي أراه في الأفلام الرومانسية.
  3. يجب أن يحبني الجميع.
  4. لا بد أن تكون الحياة عادلة.
  5. يجب أن تكون سنوات شبابي ذهبية.
  6. ليس من المقبول أن أكون مكتئباً أو قلقاً.
  7. لا يجب أن تكون لدي أفكار مؤلمة أو شعور سيئ.
  8. إذا كان شريكي يحبني، فسيعرف ما أشعر به.
  9. يجب على أطفالي أن يكونوا هادئين على الدوام.

ما العلامات التي تؤكد أن توقعاتك غير واقعية؟

يتحدث الكاتب الروائي تشارلز ديكنز (Charles Dickens) في روايته "آمال عظيمة" (Great Expectations) عن فكرة التوقعات غير الواقعية، وتدور أحداث الرواية حول البطل الفقير بيب الذي يقع في حب فتاة ثرية ويحاول بشتى الطرائق أن يصبح غنياً حتى يكسب حبها. وحين يرث المال من شخص مجهول، يقرر السفر إلى لندن ويضع توقعات مرتفعة لحياته؛ ولكنه يدرك في نهاية الأمر أن الحياة لا تدور حول المال وحده؛ لقد حرمته توقعاته من تقدير واقعه على نحو سليم! ولكن كيف يمكننا التعرف إلى أنماط التوقعات غير الواقعية؟ يمكن أن تساعدنا هذه العلامات الرئيسة:

  1. تشعر بالتوتر والانزعاج عندما لا تسير الأمور كما هو مخطط لها أو عندما ينحرف روتينك قليلاً.
  2. تجد الكثير لتنتقده في نفسك وفي الآخرين.
  3. تركز على التفاصيل الصغيرة وتجد أنه من المهم جداً القيام بكل شيء على نحو صحيح.
  4. تشعر بالحزن والإحباط عندما تسوء الأمور، حتى ولو بطريقة بسيطة.
  5. لديك رؤىً محددة للغاية وتجد صعوبة في قبول النتائج المحتملة الأخرى.
  6. عندما لا يتماشى الآخرون مع خططك، تشعر بالغضب والاستياء.

من الطبيعي أن تشعر بهذه الأشياء كلها من وقت إلى آخر؛ ولكن إذا لعبَت دوراً متكرراً في حياتك، فقد حان الوقت لإعادة التفكير في توقعاتك.

اقرأ أيضاً: كيف يمكن أن يدفعك القلق الشديد إلى السعي الدائم للإنجاز الفائق؟

كيف يمكن أن تؤثر التوقعات غير الواقعية في الأفراد سلباً؟

يؤكد استشاري علم النفس، سامي العرجان، إن التوقعات المرتفعة تجلب لنا الإحباط والتوقعات المنخفضة تدمر العلاقات. وعلى الرغم من أننا قد لا ندرك ذلك في بداية الأمر، فإن التوقعات غير الواقعية تؤثر في الأفراد سلباً. على سبيل المثال؛ إذا كانت لديك توقعات غير واقعية مفادها أنه ليس من المقبول ارتكاب الأخطاء، فقد لا تقوم بالمخاطرة التي يمكن أن تساعدك على النمو.

ومن ناحية أخرى، تؤكد الطبيبة النفسية بيج برادكو (Paige Pradko) إن ثمة مشكلات نفسية كثيرة مرتبطة بالتوقعات غير الواقعية؛ مثل: 

  1. السعي الحثيث إلى الكمال.
  2. تدني احترام الذات.
  3. الخوف من الفشل.
  4. الخوف من التغيير.
  5. يمكن أن يؤدي السعي وراء التوقعات غير الواقعية إلى الإصابة بالاكتئاب والاضطراب العاطفي.
  6. يسبب عدم التوافق بين التوقعات والواقع الانهيار النفسي؛ وذلك لأن الأشخاص يشعرون وكأنهم خذلوا أنفسهم بشدة.
  7. معاناة الإرهاق وزيادة التوتر والقلق.

لماذا يصعب على بعض الأفراد التخلي عن التوقعات غير الواقعية؟

تشير أستاذة علم النفس الإكلينيكي، سيلينا سي سنو (Selena C. Snow)، إلى أن بعض الأشخاص قد يجدون صعوبة بالغة في التخلي عن التوقعات غير الواقعية على الرغم من أنها تحبطهم؛ ويرجع ذلك إلى اعتقادهم الراسخ بأن تلك التوقعات تحفزهم وتلهمهم وأنهم دونها سوف يجلسون مثل الكسالى دون تحقيق أي أهداف!

يمكن أن تكون التوقعات غير الواقعية وقائية أيضاً؛ حيث تحمي أصحابها من الشعور بالقلق. ومن ناحية أخرى، قد يصعب على بعض الأشخاص التخلي عن التوقعات غير الواقعية بسبب تبني نمط المقارنة مع الآخرين؛ وقد يكون السبب هو توقعات الوالدين في مرحلة الطفولة وكذلك الضغوط المجتمعية.

اقرأ أيضاً: ما لا تعرفه عن القلق التوقعي

8 إرشادات فعالة لتجعل توقعاتك تلائم واقعك

إذا كنت تدرك أن ثمة توقعات تؤثر فيك سلباً ولا تساعدك على تحقيق أهدافك، فيمكن أن تساعدك هذه الإرشادات على إعادة صياغتها:

  • أعد اكتشاف ذاتك من جديد: غالباً ما تنبع التوقعات من رؤية الآخرين لك، وأحياناً تتبنى تلك التوقعات حتى لو كانت لا تتوافق حقاً مع أهدافك الشخصية. ولهذا؛ عليك إعادة النظر في تلك التوقعات: هل ترضيك حقاً وتجلب لك السعادة؟ إذا لم يكن الأمر كذلك، فقد حان وقت التخلي عن الأمر وإعادة تركيز انتباهك على إعادة صياغة الأهداف المهمة حقاً.
  • حدد أهدافاً واقعية: الأهداف والأحلام ضرورية؛ لكن يجب أن تكون واقعية وقابلة للتحقيق. اعتمد المرونة في تطلعاتك، فهذا يفسح المجال للتعديلات والتغييرات.
  • فكر في التأثيرات: خذ لحظة للتفكير في كيفية تأثير هذه التوقعات في حياتك: هل تحفزك على نحو إيجابي أم إنها تسبب لك القلق والأذى؟ يمكن أن يساعدك التفكير الذاتي الصادق على اتخاذ قرار بشأن الاحتفاظ بهذه التوقعات أو تجاهلها.
  • كن على دراية بأنماط التفكير السلبية: غالباً ما تكون التوقعات غير الواقعية مدفوعة بموقف سلبي تجاه الحياة أو تجاه نفسك. على سبيل المثال: "أحتاج إلى تحقيق النجاح حتى أكون محبوباً"، "أتوقع أن يجعلني هذا الشخص أشعر أنني بحالة جيدة"، "أحتاج إلى موافقة الآخرين حتى أشعر أنني بحالة جيدة". ولهذا؛ في كل مرة تلاحظ فيها توقعاً، تحقَّق مما إذا كانت ثمة فكرة سلبية تكمن خلفه.
  • طابِق توقعاتك مع قيمك: إن تحديد التوقعات التي لا تتوافق مع هويتك الحقيقية وقيمك الشخصية الحقيقية، يؤدي إلى التخريب اللاواعي وعدم الرضا لأنك في هذه الحالة سوف تعمل ضد نفسك.
  • لا ترسم توقعات تجاه الآخرين: لا يمكننا أبداً مهما فعلنا، التحكم في تصرفات الآخرين وردود أفعالهم، فلدينا جميعاً تجارب حياتية مختلفة. لذا؛ فإن استجاباتنا وتوقعاتنا حيال موقف ما لن تتطابق أبداً ومن ثَمّ فإن الشعور بالغضب والانزعاج عندما لا تلبي تصرفات شخص ما توقعاتي ليس له معنى.
  • عدّل طريقة تفكيرك: في حين أن ثمة عدة أمور تقع خارج نطاق سيطرتنا، فإن الشيء الوحيد الذي نسيطر عليه بالكامل هو الطريقة التي نفكر فيها؛ ولهذا فإن أحد التغييرات المهمة جداً الذي يمكننا القيام به هو التوقف عن وضع توقعات غير واقعية مخيبة للآمال، وحين يمر بعض الوقت، يمكن أن نشعر بالحرية دون الخوف من خذلان أنفسنا.
  • تقبَّل نفسك بالكامل: وهذا لا يعني أن تعيش بمعايير أقل أو تتوقف عن تحديد الأهداف؛ ولكنه يعني أنك ستظل تحب نفسك في الأحوال كافةً بغض النظر عن النتيجة، وسوف تتعلم تقبُّل ما تقدمه لك الحياة وتقديره.

في النهاية، يمكن أن يقودك السعي الحثيث نحو تحقيق التوقعات إلى بذل قصارى جهدك، وهو أمر جيد؛ ولكن في الوقت نفسه، يمكن أن يحرمك تجربة المتع الصغيرة والسعادات غير المتوقعة التي تتعثر بها وسط زحمة الحياة. ولهذا؛ عليك أن تعيد النظر في توقعاتك ولا تجعلها غير واقعية أو مرتفعة للغاية كي لا تُصاب بخيبة الأمل وينتابك التوتر والقلق طوال الوقت.