4 نصائح عملية لتهدئة مشاعرك المندفعة

العاطفة
(مصدر الصورة: نفسيتي، تصميم: إيناس غانم)
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

ملخص: إن حساسية الأشخاص العاطفيين في مجتمع يمنح الأفضلية لمن يضبط نفسه تفسد عليهم حياتهم. لكن قد تكون هذه الحساسية المفرطة نقطة قوة لهم، شرط أن يفهموا آليتها.

“مرحباً. أيها الملائكي، العاطفي”، تهمس إيزابيل كاريه بصوت خافت قبل أن يُغمى عليها أمام مجموعة العلاج المنضمَّة لها. هذا مشهد مقتطع من فيلم “المشاعر المجهولة” (Les Émotifs anonymes) للمخرج جان بيير أميريس (Jean-Pierre Améris). تحاول البطلة التي تؤدي إيزابيل دورها فيه التعايش بطريقة ما مع ما تعده عائقاً كبيراً.

لا تعد المعالجة النفسية كاثرين إيمليه بيريسو سمة الشخصية هذه دراما؛ بل هي مجرد “طريقة لتشعر بأحساسيها، للإشارة إلى العلاقة التي تربطنا بها. لكننا نعيش في عصر تُملى فيه الرفاهية علينا، وبما أن العواطف التي نشعر بها تسبب لنا من دون شك فترات ضيق وتزعزع استقرارنا فيزيولوجياً، يقل تقبلنا لها مع مرور الوقت”.

إن العاطفة أولاً وأخيراً هي حالة من حالات الجسد، حالة تخل توازنه خلال لحظات: تصيبه بالغثيان والتعرق والتغير المفاجئ والمذهل في لون البشرة، وغير ذلك. فقد جمّد الاحمرار المفاجئ لخدّيّ ماري التي تبلغ من العمر 37 سنة، حياتها المهنية لسنوات؛ إذ تعمل مديرة التواصل في مؤسسة نقابية كبرى؛ الأمر الذي أضعف ثقتها بنفسها.

إذ تقول: “في كل مرة يمدحني أحدهم فيها، يتلون وجهي باللون القرمزي، فيضحك عليّ مدرائي. وحتى في مرحلة ما؛ كان أحدهم يستمتع بجعلي أحمر خجلاً. لحسن الحظ أنه رحل؛ لكنني أشعر بأنني ضعيفة جداً وعزلاء بسبب نقطة ضعفي، و كلما حاولت ضبط نفسي، تسوء الأمور أكثر”.

1. لا تقاوم

إن مقاومة ما نشعر به يفاقم ظهوره؛ بل حتى يضاعفه عشرة أضعاف. وفقاً لأنتوان بيليسولو؛ الطبيب النفسي ومؤلف كتاب “لا مزيد من الاحمرار خجلاً وتقبل نظرة الآخرين” (Ne plus rougir et accepter le regard des autres) (دار “أوديل جاكوب”): “لا يجدي كبت المشاعر أبداً. فعندما نحاول ضبط أنفسنا يبدأ الاضطراب، لأننا نريد كبت شيء لا يمكن كبته، عندها تنبثق في ذهنك ذكريات في غير أوانها، والذكريات والمشاعر تتجاوز القشرة وهي الجزء العلوي من الدماغ ومركز التحكم لدينا الذي يفكر ويتخذ القرارات.

لذا تنشأ علاقات سيئة بين الجزء السفلي من الدماغ، وهو العقل البدائي، الذي يؤمن عمل وظائفنا الحيوية (التنفس، درجة حرارة الجسم، إلخ) والقشرة. أصبحنا نعلم الآن أن الروابط أقل كفاءة، وأن المعلومات لا تُنقَل بشكل صحيح في لحظات كهذه؛ ما قد يتسبب في ردود فعل غير لائقة أو غير متناسبة مثل الضحك بدلاً عن البكاء في جنازة.

في بعض الأحيان؛ تصبح هذه الاختلالات الوظيفية هي المُسيطرة، وتترسخ مع مرور الوقت، ويمكن رؤية ذلك بالعين المجرّدة أثناء إجراء فحوصات التصوير بالرنين المغناطيسي. تود مريم التي تبلغ من العمر 35 عاماً وتعمل قائدة فريق في قطاع المنسوجات، أن تكون قادرة على التحكم في نوبات غضبها التي ترى أنها تتكرر كثيراً، فقد قالت: “أغضب على أتفه الأمور، وهو أمر لا يُنصَح به عندما تكون مسؤولاً عن فريق؛ لكن ليس بيدي حيلة. في كل مرة أحاول فيها كبت عصبيتي تظهر في النهاية بأساليب غير لائقة أبداً في لحظة يتعذر فهم سبب غضبي فيها على الأشخاص المحيطين بي”.

يفجر بعض الناس غضبهم؛ لكن بعضهم يصبحون سجناءه؛ إذ يتمكنون من فصل أنفسهم عن أجسادهم، وتبنّي سلوك شخص متبلد المشاعر ومنفصل عن بيئته. وهذا ما حدث مع التاجر فراس البالغ من العمر 49 عاماً، فهو يحافظ على هدوء شديد في جميع الظروف. إذ يقول: “أرزح تحت ضغط كبير في عملي لدرجة أن الحل الوحيد الذي وجدته هو الانفصال عما يدور حولي عندما تضرب أعاصير الضغوط محيطي العام. منذ أن كنت صغيراً، كان لدي انطباع بأنني أملك هوائيات، وأن الأمواج المنبعثة من المحيطين بي ومن البيئة المغمور فيها تعبر من خلالي. لقد عانيت لأن والديّ كانا يتشاجران كثيراً في المنزل، لذا تدربت وإخوتي في عمر صغير جداً على أن نصمّ آذاننا عنهما، ولا ندع خلافاتهما التي لا تنتهي بأن تؤثر علينا. لتكون النتيجة أنني أستصعب التعبير عن مشاعري في حياتي الخاصة. هجرتني العديد من النساء اللواتي أحببتهن بشدة، لأنهن اتهمنني بأنني شخص متبلد المشاعر وغير حساس، في حين أن العكس هو الصحيح”.

2. تعرف إلى أهمية العواطف وكيفية عملها

كيف يمكننا وضع حد لهذين الوجهين العصبيين لعملة واحدة؟ من خلال تهدئة أنفسنا، وليس عن طريق كبت أنفسنا أو تحريرها من الحمل الفائض بطريقة غير متناسبة. هذا يستلزم الاعتراف بفضائل العواطف، وليس تشويه صورتها، فهي لا تنشأ أبداً عن طريق الصدفة، فكما يذكر المعالجون: “النظام البدائي هو من ينظم نظامنا العاطفي مباشرةً، فهو مسؤول عن إبقائنا على قيد الحياة من خلال تنبيهنا إلى حدث ما”، وهذا ما تؤكده المعالجة النفسية كاثرين إيمليه بيريسول.

ولأن العاطفة ظاهرة غير لفظية، تنبع من الأجزاء البدائية من الدماغ، ولا ندرك وجودها إلا بعد زمن طويل من إثارتها؛ ينبغي عليك أن تتقبل تغلغلها فيك، “فهي صمام صحي وضروري يحدث نتيجة التوتر المفرط. نسترخي بعد فترة تعرُّضنا لضغط شديد، أو بعد الكثير من تجريد الأفكار والخوض في عوالم افتراضية”.

يعرّف المحلل النفسي سافيريو توماسيلا العاطفة بأنها في الواقع تفريغ يتيح لنظام المعالجة العصبية إعادة شحن نفسه وتحقيق التوازن”. ويضيف الطبيب النفسي أنتوان بيليسولو: “ليست العاطفية كارثة، فهي لا تهدد حياة المرء، أو تعد شذوذاً خطيراً؛ بل هي نزعة يمتلكها بعض الناس. حتى تخفف منها؛ لا تحاول حماية نفسك منها”.

تبرز العاطفة عندما تجعلها المعلومات التي تصل إلى الدماغ في حالة تأهب؛ لكنها لا تستطيع إلا معالجة جزء ونصف من المعلومات في المرة الواحدة. لكن بعض الذين يتصفون بحساسية مفرطة، يستوعبون حجم بيانات أكثر من غيرهم، وهذه القابلية الكبيرة تعرضهم لظاهرة الحمل الفائض.

استطاع سافيريو توماسيلا ملاحظة هذا خلال عمله: “تنبع العاطفة عموماً من الحساسية. يتلقى الأشخاص الحساسون محفزات أكثر، ويرحبون بها ترحيباً حاراً. تكون درجة شعورهم أشد من المستوى العادي، وينفذ إليهم كم هائل من المعلومات والأحاسيس التي لا يستطيع دماغهم احتواءها بطريقة صحيحة، لأنها تتدفق بعدد ضخم جداً. أخيراً؛ إن العاطفة ليست ظاهرة عقلانيةً، فهي إسناد معقد مرتبط بالذاكرة؛ إذ يمكن أن توقظ ذاكرةً -أو ذكريات- أخرى، وتؤدي إلى حدوث تأثير الدومينو (تأثير تسلسلي) الذي يزعج الشخص بشدة”.

3. انعزل لبضع دقائق

يوصي المحلل النفسي سافيريو توماسيلا أولئك الذين تتسارع آلتهم الداخلية بالانعزال ومحاولة البقاء بمفردهم لبضع لحظات: “إن المخرَج الوحيد هو اللجوء إلى العزلة: برهة قد لا تدوم أكثر من خمس دقائق. وذلك لتجنب المحفزات الخارجية التي يولدها تفاعلنا مع الآخرين، حتى نتمكن من التعامل مع الموقف الذي أزعجنا، وإلا فقد نتعرض لتأثير تراكمي (تأثير كرة الثلج).

قد تكون لحظة الهدوء هذه مواتيةً للاستدراك، ومحاولة إيضاح الموقف. ويلخص المحلل النفسي السبب بقوله: “بما أن هذه الظاهرة فيزيولوجية في المقام الأول؛ يصعب تركيب الصور والكلمات على هذا الإحساس بالضيق الذي يسيطر على المرء، ويصعب عليه إدراكه والتعرف عليه وتحديد الأحاسيس التي يشعر بها”.

إن الاهتمام بالدورة التي تتخذها العواطف في الدماغ، والانتباه إليها يتيح لك ألا تشعر بالعجز وتقلل انفعالاتك. تلتمس المعالجة النفسية كاثرين إيمليه بيريسول علاجاً مستقَىً من المعرفة: “أول ما عليك فعله هو محاولة الاهتمام بالآليات الدماغية وسير عمله. وذلك أداة مذهلة لمعرفة الذات التي تجعلنا نتصالح مع عواطفنا. إن سبب ذلك في المقام الأول نظام المناعة لدينا. إن معرفتنا كيف نكتشف مشاعرنا ونحددها يساعدنا ويطمئننا عندما تجتاحنا، فكما هو الحال في نظام تحديد المواقع العالمي (GPS)؛ تمنحنا معالم محددة لنحسِن توجيه أنفسنا.

بعد رحلة الاستكشاف الداخلي، نصح الطبيب النفسي أنتوان بيليسولو، مريضه بأن يراقب نفسه عندما تجتاحه مشاعره: ما الذي يحدث داخلك بالضبط في تلك اللحظة؟ تحت أي ظروف يحدث ذلك؟ يرتبط الأمر بمحاولة الابتعاد قليلاً. “عندما نحدد الأسباب، ندرك أن ما يحدث ليس سحراً، وأن هذه الظاهرة لا تحدث من العدم؛ لكنها تتوافق مع أمور تحدث في داخل المرء. يكمن الهدف في إيجاد وسائل يهدئ بها المرء من نفسه، ويتلافى الحمل الفائض، ويتجنب صب الزيت على النار”.

4. تواصل مع جسدك

بناءً على ما سبق سيكون من الضروري التواصل مع جسدك ليتسنى لك التقبل والفهم والتحليل حتى لا تبقى ملازماً للعاطفة دوماً. يوصي جميع المعالجين بالعودة إلى الجسد؛ إنها مسألة إعادة التواصل معه والتعرف عليه. ويختلف تطبيق مقولة “وداوِها بالتي هي الداء” لعلاج هذه المسألة من شخص لآخر، وهذا ما يشرحه أنتوان بيليسولو: “قد يكون العلاج على هيئة ممارسة نشاط حيوي للذين يحتاجون إلى تفريغ اندفاعهم وحدة توترهم (مثل الجري، والرياضات العنيفة، وغيرها)، أو على هيئة استرخاء (مثل ممارسة يوغا هادئة أو المشي في الطبيعة)”.

إن ارتباط العاطفة بالتنفس أمر بديهي. يصبح كل شيء مبالغاً به عندما يتوقف التنفس، لذا عليك أن تحاول التمرن عليه إلى أن يصبح عميقاً وهادئاً. يوضح المحلل النفسي سافيريو توماسيلا: “إن التأمل أو حركات الجسم البسيطة، والاهتزاز والقفزات الصغيرة تهدئ التنفس وتطلقه. إضافةً إلى ذلك؛ أوصي بممارسة نشاط فني للأشخاص مفرطي الحساسية، لا فارق مهما كان نوعه طالما أنه يمارَس بالجسد؛ مثل الرقص والغناء والرسم والنحت.. إلخ” كما ذكر أنتوان بيليسولو أن المسرح والكوميديا ترياقان ممتازان: “يتيح لك تقمص دور عيش مشاعر معينة، لتحافظ على تحكمك بها من دون أن تحاول كبتها، وقمعها من دون أن تحاول وأدها”. هذه طريقة مرحة تحول دون شعورك بأن عواطفك تتحكم بك، فأنت أشبه بدمية مفككة مربوطة بأسلاك تحركها، فتكف أنت عن أن تكون دميتها بكل سرور.

ماذا تفعل إذا شعرت بأنك تتعرض “لهجوم”؟

مقترحات أنتوان بيليسولو؛ الطبيب النفسي:

عندما يبدو الحوار ممكناً: “عبّر عن نفسك بهدوء لكن بحزم قدر الإمكان، دون أن تكون عدوانياً. ذكر الآخرين بحقوقك وجادلهم وكرر ما يلي: “لن أقبل هذا”. هذا ما ندعوه تقنية الأسطوانة المعطوبة.

عندما يكون الحوار مستحيلاً: عند مواجهة شخص منفعل يتحدث بصوت عالٍ أوقف النقاش معه وقل: “سنتابع حديثنا هذا لاحقاً”. لتنجح في تطبيق ذلك بسهولة أكبر، ابنِ ثقتك بنفسك وقدرتك على فرضها، وإذا لزم الأمر؛ تدرب على الهدوء: تدرب على قول ما تريد قوله بمفردك أمام المرآة. قد يبدو هذا سخيفاً ولكنه ليس كذلك على الإطلاق؛ بل هو أسلوب فعال جداً.

المحتوى محمي !!