كيف يحوّل التأمل العقل الاستبدادي إلى عقل سعيد؟

ممارسة التأمل
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

يتابع آلاف الأشخاص حسابه الشخصي على موقع يوتيوب، الذي يبث من خلاله تأملاته الموجهة وكذلك قواعده الخاصة للسعادة. هكذا، كان جوناثان ليمان، لمدة ثلاث سنوات، يعرض للملأ اكتشافاته حول “علم السعادة”، كما كان يشارك جمهوره طاقته الروحية والتغييرات الصغيرة التي يقوم بها وتساعد الجميع على الوصول إلى معالم السعادة. في الحقيقة، إن كل من ينتهج سبيل البحث عن السعادة ويتعرف إليها، يؤكد أن “ممارسة التأمل”؛ هي أساس الطريق إليها.
على الرغم من أن صوته هادئ للغاية وشكله يؤكد أنه يُقضي ساعات في التأمل واليوغا، فإن جوناثان ليمان يصف نفسه بأنه طالب مازال يبحث عن أسرار السعادة. كما يتابع تأملاته الموجهة حوالي 22,000 شخص على يوتيوب و148,000 آخرين على فيسبوك، علماً وأنه كان محامي شركات في السابق وينوب عن كبار العملاء ورجال الأعمال. في سن الخامسة والعشرين، حقق جوناثان حلمه بأن يكون جزءاً من شركة كبيرة في بورصة وول ستريت. لكن سرعان ما فهم الشاب أن النجاح المهني وكسب المال؛ لا يكفيان لعيش حياة سعيدة. يقول جوناثان: “كنت في أغلب الأوقات، أشعر بأنني غاضب ومكتئب وقلق، ومحاصر بالأفكار السلبية وغير سعيد بوضعي، بالإضافة إلى أنني غير قادر على عيش الحاضر ولحظاته”.

وهكذا، في أحد الأيام، قرر أن يترك كل شيء وراءه ليبحث عن السعادة. لقد قضى ثلاث سنوات في لقاء المفكرين والمعلّمين الروحانيين حول العالم. وهكذا تعلم التأمل واليوغا واكتشف خلال رحلته ظاهرة الشامانية. علاوة على ذلك، بحث عن إجابات من خلال حكمة الأجداد والديانة البوذية والفلسفات القديمة، بالإضافة إلى علم الأعصاب وعلم النفس الإيجابي والمعرفي.

فما الذي جناه جوناثان، اليوم بعد مرور 10 سنوات قضّاها في دراسة معالم السعادة؟ من بين إحدى القواعد التي يجب اتباعها؛ أن تكون قادراً على عيش اللحظة بكل تفاصيلها وأن تكون متواجداً شكلاً ومضموناً، لكن لا شك في أن هذه القاعدة شاقة.  في الحقيقة، لا يوجد زر لإيقاف سير الأفكار في أذهاننا؛ لأننا نفكّر جميعاً وباستمرار في الماضي والمستقبل. فالإنسان يفكّر في 60,000 فكرة يومياً، ناهيك بأن الأفكار السلبية أكثر من الأفكار الإيجابية. هذه المشقّة، تمنعنا من التواجد في الحاضر وعيش الحياة بسعادة. بيد أنه من وجهة نظر جوناثان، العلاج الوحيد لهذه المشكلة؛ هو التأمل.

فالتأمل لمدة 10 دقائق في اليوم يمكن أن يوقف تعنّت العقل ويوجّهه نحو السعادة.

الهروب من استبداد العقل

يوضح جوناثان ليمان: “في الواقع نحن لا نستطيع التفريق بين ما نفكر فيه والشخص الذي نحن عليه حقاً. فإذا كانت لدينا أفكار حزينة، على سبيل المثال، فسنستسلم لها ثم سرعان ما ستغمرنا موجة حزن عميقة. لكن على العكس من ذلك، يمكننا تغيير هذه العلاقة التي تربط أذهاننا بما نفكّر فيه”.

لكي تتمكن من ذلك، ينبغي أن تعتبر الحزن شعوراً زائلاً وليس كائناً سيتواجد معك إلى الأبد. يقدم جوناثان درساً توضيحياً في التأمل الموجه لمدة 7 دقائق، حيث حل جوناثان ليمان ضيفاً في مركز “نفسيتي”. وقدم لمستخدمي الإنترنت تأملاً موجهاً.

وكان الهدف من ذلك، “شد انتباهنا إلى اللحظة الحالية”. يجعلنا هذا التأمل الموجه، ندرك أن عقولنا غالباً ما تخلق أفكاراً غير مجدية وسامة وعبثية أيضاً، ويقتصر الأمر بالتراجع عنها لوضع طاقتنا في مكان آخر. لكن من الجدير القول أنه في البداية، يزيد التأمل من حجمها. في الحقيقة، تتزايد هذه الأفكار، لكننا ننتبه إليه أخيراً. يعدّ التأمل الموجه تمريناً مفيداً أيضاً عندما نواجه عاطفة سلبية على غرار الغضب والتوتر والحزن والنظر إليها بطريقة موضوعية يسمح لنا بإدارتها بشكل أفضل.

تأمل لتعيش الحياة بشكل أفضل

يساعد التأمل على تعلّم كيفية العيش بسعادة بشكل تدريجي. يكفي أن تتأمل 7 دقائق في اليوم  لمدة 10 أيام حتى تشعر بالفوائد و3 أسابيع لتجعلها عادة تغير الحياة للأبد. يؤكّد جوناثان: “غداً، سيتأمل الجميع. إنها ممارسة أساسية للحفاظ على سلامة أدمغتنا، ما يجعلنا أكثر ذكاءً. فهي تقوي فينا ملكة الإبداع والذاكرة والتركيز، ما يجعلنا أكثر سعادة، فضلاً عن ذلك، تحفز إنتاج السيروتونين والدوبامين والإندورفين الذي يطيل حياتنا. وفقاً لأحدث الاكتشافات العلمية، فإن التأمل يحمي القسم الطرفي أو التيلومير، الذي يقع في نهاية الكروموسومات، ما يؤدي إلى إبطاء شيخوخة الخلايا.

ولكن إذا اتفق الجميع، بما في ذلك الدراسات العلمية، على الفوائد العديدة لممارسة التأمل، فليس من السهل دائماً تطبيقها. بالإضافة إلى ذلك، يدعم جوناثان، أفكاره ببعض الطقوس البوذية، التي تؤيد ممارسة التأمل؛ فهي تدعو الأشخاص إلى ممارسة التأمل لمدة 20 دقيقة في اليوم، إذا استطاعوا ذلك ولمدة 40 دقيقة إذا كان لديهم متسع من الوقت. عليك أن تجعلها عادة وأولوية في حياتك، إذا مارستها لوحدك أو من خلال متخصص. في هذا السياق بالتحديد، يقول جوناثان: “مارست التأمل بمفردي، لكنني لم أنجح ولم يعجبني ذلك”. ثم تابع التأملات الموجهة لمعلمة التأمل الأميركية الشهيرة ماري مادوكس، قبل أن يطلق قناته الخاصة على يوتيوب، كما أن لديه الآن تطبيق على الهواتف الذكية، تحت عنوان (7Mind). ومنذ ذلك الحين، واصل جوناثان الترويج لفوائد التأمل، وكان هدفه من ذلك، أن يكون التأمل أداة في متناول الجميع. رفقة طاقم صحي تم تشكيله مع إحدى صديقاته التي كانت مصابة بالسرطان وطبيب التخدير، أصبح جوناثان يقدم 5 دروس للتأمل كمرافقة لعملية الشفاء. فمن خلال هذه العملية، يمكن للمريض أن يستمع إلى جسمه ويحبّه، فضلاً عن أنها تساعده على إدارة الألم والاستعداد للجراحة. ومع مجموعة من المعلّمين، يقدم جوناثان مقاطع فيديو مخصصة للأطفال، ليعلّمهم ممارسة التأمل. ويقول في هذا الصدد: “أنا أؤمن بشدة بما قاله المفكر دالاي لاما: “إذا تم تعليم التأمل لجميع الأطفال البالغين من العمر 8 سنوات على الأرض، فسنقضي على العنف من العالم”. ومثال على ذلك؛ غيّرت مدرسة في بالتيمور، ساعات القيام بأنشطة الغراء بممارسة التأمل. ومنذ ذلك الحين، لم تضطر المدرسة إلى طرد أي طالب.

قواعد لتعيش سعيداً

على صفحته الخاصة على فيسبوك بعنوان السعادة (les Antisèches du bonheur)، يشارك جوناثان مع 148,000 متابع كل ما تعلمه عن السعادة بعد بحث مطوّل. ثم أثمرت مسيرته مشروعاً حديث الولادة بعد قراءة كتاب أرض جديدة للكاتب إيكار تول. في هذا الشأن، يوضح جوناثان: “أردت نشر أفكار هذا الكتاب، ومشاركتها لتحويل هذا العقل المستبد إلى عقل سعيد. شغفه بعلم السعادة، جعله يسعى إلى اكتشاف هذه التغييرات الصغيرة وهذه الروحانيات التي تساعد على عيش اللحظة والاستمتاع بها. ومن بين اكتشافاته هذه الأفكار السبعة الرئيسة، وهي مجموعة عبارات يكررها بنفسه بانتظام ويفكك شفراتها على النحو التالي:

1) لا يمكنني تغيير الماضي ولكن يمكنني دائماً بذل قصارى جهدي في هذه اللحظة.

يتعلق الأمر بتجنب اجترار الأفكار والندم والشعور بالذنب.

2) السعادة دائماً في اللحظة الحالية.

غالباً ما نعتقد أنه إذا تمكنا من القيام بأمر ما أو الحصول عليه، فسوف نحقق السعادة. ولكن في الحقيقة، إذا لم نكن سعداء في هذه اللحظة بالتحديد، فسنكافح لنكون سعداء في المستقبل. هذا هو الفرق بين الاستمتاع والفرح. فعلى سبيل المثال، تعتمد متعة الحواس على الظروف الخارجية، أما الفرح نشعر به دون سبب. إنها قدرة يجب أن نعززها لكي نشعر بها.

3) أمارس التحدث بطريقة لا تشوبها شائبة.

هذا ما تقوم عليه اتفاقية تولتاك الأولى. وهذا يعني استخدام الفعل بشكل صحيح وبطريقة إيجابية دون شتم أو تذمر أو نقد. ويعني أيضاً عدم قول كل ما نفكر فيه، بل ينبغي تصفية أفكارنا ومعرفة أي الأفكار أهمية وأكثر فائدة، لحل مشكلة ما.

4) أقدم لنفسي كل معاني الحب.

هناك فرق بين النرجسية واحترام الذات. ينظر الشخص النرجسي إلى انعكاس صورته في الماء؛ حيث يبحث الكثيرون عن إثباتات خارجية تدل على جمالهم أو حسن خصالهم، مثل الإعجابات على تطبيق فيسبوك. وهذا ليس دليلاً على حب الذات.

5) أستمع لأستقبل بدلاً عن أن أرد.

تتكون مناقشاتنا من الكثير من أحاديث النفس. فعلى سبيل المثال: عندما يخبرنا أحد الأصدقاء عن إجازته في الهند، دائما ما نجيبه بهذه الطريقة: “ذهبت أنا أيضاً إلى هذا البلد” أو “أعرف شخصاً يعيش هناك”. إن الاستماع الحقيقي يتجلى عندما توقف هذا العقل المستبد الذي يريد باستمرار أن يروي قصة حياته.

6) أتوقف عن الانتظار.

الانتظار من عدمه، قرار يتّخذه العقل. لكن عندما ينفذ صبرنا ونحن عالقون في طابور انتظار في المركز التجاري ولا نريد الانتظار أكثر، فسينتبه عقلنا لذلك. لهذا، بجب ألا نغذي عقلنا بهذا التفكير السلبي.

7) أفعل شيئاً واحداً في كل مرة.

عندما نقوم بمهام متعددة وننشغل بالقيام بآلاف الأشياء في وقت واحد، فستكون النتيجة سيئة لامحالة. على سبيل المثال، من الأفضل العمل في 3 فترات زمنية مدتها ساعة واحدة بدلاً عن قضاء 9 ساعات في المكتب، بهذه الطريقة سنكون أكثر إنتاجية.