كيف تتغلب على الشعور بالخوف؟

مقاومة الخوف
shutterstock.com/Anton Vierietin
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

يقرع الخوف جرسَ الإنذار تلقائياً فور شعور المرء بالخطر المحدق ويعيقُ الحياة وسَيْرَها، فللخوف أوجه عديدة لا ينبغي لأي منها أن يُشعرنا بالخجل لأن تقبّل هذا الشعور هو مفتاح مقاومة الخوف.
 

عقب هجمات الـ 13 من نوفمبر/ تشرين الثاني الإرهابية التي شهدتها فرنسا، اتصلت سارة البالغة من العمر 42 سنة من قريتها الهادئة بأصدقائها الباريسيين، لتعرض عليهم القدوم عندها وإيواءهم في منزلها. شلَّها الخوف وقتها لدرجة العجز عن تخيُّل ما يحصل هناك! . بعد أيّام وسط مدينة آرل، أخذ مرتادو مقهى صغير يتناقشون حول الحادثة وتبعاتها. حينها لم يُخفِ جورج البالغ من العمر 37 سنة خوفه مما تخبئه الأيام لهم قائلاً: ” لسنا واهمين حين نقول إن الإرهابيين يتربصون بنا الآن. إن طالوا باريس سيطال تخريبهم أصغر مدينة في البلاد!”. وعلى الطرف الآخر من البلاد، تعتلي نظرات التوجس أوجه راكبي مترو باريس ويُفزعهم أي صوتٍ يقطع الصمت الذي يخيّم عليهم، فيقفزون من أماكنهم مذعورين. ثمة جو خانق من التوتر يُلقي بظلاله على الناس والمكان.

راقبت المعالجة النفسية فيرجيني سيبليه (Virginie Sublet) تفاقم أعراض مرضاها الذين يعانون من رهاب الأماكن المغلقة (Claustrophobia) ورهاب الخلاء (Agoraphobia) بالتزامن مع هذه الأحداث فخرجت بتحليلٍ مفاده: “ما حصل منطقي لأبعد حدّ، فالذعر من الهجوم الإرهابي الذي يمكن أن يصيب أياً كان، في أي مكان، لا يمكنه سوى أن يزيد من حدة أعراض الأشخاص المؤمنين غالباً بأن الخطر محدق بهم في كل لحظة وكل مكان. يأخذ القلق عند هؤلاء الأشخاص شكل تعب مهول لا يُفلح أي شيء في تبديده، إنه ترجمة نفس-جسدية لشعورهم بالعجز، وهو خوف يسعى الناس إلى فرضه على غيرهم”. وفي هذا الصدد يشرح عالم الأثروبولوجيا النفسية توبي ناتون (Tobie Nathan) قائلاً: “مقاومة الخوف أمر ممكن ومطلوب للحيلولة دون السماح له بأن يسلب منا القدرة على الاستمتاع بالحياة ورفقة الناس”. وأحد مفاتيح التغلب عليه يكمن في الإحاطة بأشكاله المتعددة والمختلفة.

تركيز الخوف على أمر واحد

الخوف عبارة عن آلية نفس-جسدية تستحوذ على الروح والجسد، فحين تهتاج اللوزة الدماغية الواقعة في الُص الصدغي فورَ استشعار الخطر، تُشلَّ حركة المرء على إثر ذلك لهنيهةٍ، قبل أن يتدفق الأدرينالين ويصير الشخص قادراً على الهروب أوالقتال أو المقاومة. بعد ذلك تشرع القشرة المخية المسؤولة عن التفكير وأخذ القرارات في تحليل الوضع وطرح السؤال: هل ثمة فعلاً ما يبرر هذا الخوف؟ لدى بعضنا لوزة مخية أكثر حساسية، وهذه الحساسية بمثابة خاصية بيولوجية؛ إذ غالباً ما نتوارثها عبر الأجيال كأن يمرّر جدّ يعاني من رهاب الأماكن المغلقة عبر الجينات هذا الخوف إلى حفيده ما يجعله أكثر حساسية وقلقاً.

وإذا كنا مثلاً نخاف من الغرباء، فلأننا تربينا منذ الصغر على أنهم مصدر محتمل للخطر. في المقابل يعتري أغلبنا خوف غريزي من مشهد الدّم، لمعرفتنا أن الجراح النازفة تقود إلى الموت. تدخل غريزة البقاء هذه والتي نتشاركها مع الحيوانات في تطورنا النفسي، فهي ما يردع الأطفال عن حشر أصابعهم في مقابس الكهرباء، وهي ما يمنعنا عن تعريض أنفسنا لأنشطة محفوفة بالخطر. ولكل سن في الطفولة مخاوفه الخاصة، ففي شهره الثامن يميل الرضيع إلى الخوف من وجوه الغرباء، وما إن يبلغ عامه الأول حتى يبدأ الخوف من الفراق، وعند وصوله الثالثة من عمره تُرعبه الأصوات الغريبة، أما عند سنّ الخامسة فإن خوفه الأكبر يكون من الأشرار، أما في السادسة فإن أكثر ما يشغل ذهن الطفل هو الوحوش والكائنات الخيالية الشريرة. كما يمكن أن تعاود المعلومات التحذيرية التي تبثها نشرات الأخبار الظهور على شكل كوابيس مخيفة يراها، ولا يعي الطفل ضعفه وهشاشته إلا في السن ما بين 8-12 عاماً، فقط حينها تتبلور لديه مخاوف قوية أو ما ندعوه بـ “العُقد”.

توضح فيرجيني سيبليه قائلةً: “ما يميز البشر عن الحيوانات هو قدرة الإنسان على الخوف من شعوره بالخوف، وكذا قدرته على تخيل الخطر في الوقت والمكان الذي لا يوجد فيه أي خطر. ولنأخذ على سبيل المثال فوبيا العناكب؛ إذ يفقد الأشخاص المصابون بها التحكم في أنفسهم ولا يعود باستطاعتهم التفكير بمنطقية حين تظهر أمامهم واحدة من هذه الحشرات الصغيرة. ودعني أسوق مثالاً عن واحدة من مرضاي المصابة برهاب الطائرات؛ إذ توقفت تماماً عن الخوف من السفر عبر الطائرة مباشرة بعد أحداث الـ 11 من سبتمبر/ أيلول فقد أدركت حينها أن طائرات البوينغ سهلة الاستعمال وتعمل بنجاعة كبيرة لدرجة أن بوسع طيارَين تحت التدريب قيادتها وتوجيه دفّتها حسب التعليمات”. لكن لِمَ نحنُ عرضة للرهاب (الفوبيا)؟ إن هذا العَرض ما هو في حقيقة الأمر سوى آلية لصبّ التركيز على الخوف من شيء واحد محدد كي لا نقع فريسة للقلق من مخاوف كثيرة؛ إذ إن تسليط خوفنا على جزء صغير من حياتنا كالخلاء والثعابين والطائرات يجعل باقي جوانب حياتنا تحت السيطرة. تُسهب فيرجيني سيبليه في تشريح هذه الآلية بقولها: “القلق عرَض نفس-جسدي يُقلق الراحة ويتفشّى في النفس البشرية وعلى إثره يتدهور نوم المصاب به وتضطرب روحه وتنقبضُ أنفاسه. تتصدَّر “الجسدنة” لائحة علامات القلق السريرية، وتتمظهر على هيئة أوجاع في البطن، ولا غرابة في ذلك إذ إن الأمعاء هي دماغنا الثاني”.

هل ينبغي لنا إرغام أنفسنا على تحاشي الخوف والهرب منه وتناسيه حين نجد أنفسنا في مواجهته؟ تجيب فيرجيني عن هذا السؤال قائلةً: “إن إحدى وسائل التغلب على الخوف هي أن تُحوّله من شعورٍ يُحكم قبضَته على روحك إلى ملهاةٍ تتسلى بها، فمناسبة الهالوين على سبيل المثال فرصة لتحويل الخوف من الموت إلى نكتة، والأمر نفسه عند مشاهد فيلم رعب وسط الأصدقاء وتحويل الخوف إلى وسيلة لقضاء وقت ممتع. وأنا هنا لا أطالب بفعل الشيء نفسه عندَ مواجهة القلق لكن في الوقت نفسه على الناس ألا يتعاملوا بصرامةٍ مع أنفسهم، فتدليل النفس والاعتناء بها ومنحها فسحة للاستمتاع والتسلية أمرٌ سيعودُ بمنافع شتّى عليهم وعلى طريقة إدارتهم لمشاعرهم، والخوف أهمّها.

توقَّعُ أسوأ الاحتمالات

يوصي الفيلسوف والمعالج بالتنويم الإيحائي فرونسوا روستانغ (François Roustang) بأن: “نفسح المجال لهذا النوع من المشاعر ونفرد لها أجسادنا، هي عملية ذهنية تتطلب منا أن نسمح لخوفنا أن يتجسّد فينا وتتشرّبه كل خلية فينا. وقياساً على ذلك أشير على أيّ شخصٍ يستحوذ عليه الخوف من فقدان عمله: “عظيم، الآن دع هذا الخوف يتملكك من رأسك إلى أخمص قدميك”، وكنتيجة لذلك سوف يستعرضُ أسوأ التوقعات التي يمكن أن تقع له”.

غير أن مرام البالغة من العمر 36 سنة، تعترض على هذه الفكرة بقولها: “إذا امتثلت لما يوصي به بعض المعالجين النفسيين وتخيلت الخطر الذي يقضّ مضجعي كي أعتاد عليه، فإن ما سأراه هو أطفالي وهم يُقتلون الواحد تلو الآخر”. يشرح المعالج النفسي ديديه بلوه (Didier Pleux) قائلاً: “حين تكون أباً أو أمّاً فإن الشعور بالخوف أمر طبيعي لكن إذا سمحنا لفكرة أن حياة أطفالنا وأمنهم متوقفان على شخصٍ واحد هو نحنُ، فإننا سننقل إليهم خوفنا هذا”.

يقترح المعالج في آخر مؤلفاته المعنون “ثورة الشيزلونغ” (Révolution du divan)، جان بول سارتر (Jean-Paul Sartre) تبنِّي فلسفة أنّ أفضل ما نهاجم به الخوف هو الفِكر. “ليس بالوسع إشاحة البصر عن الواقع المتمثّل أمامنا، ولا باليد وضع العالم بأكمله تحت السيطرة لكن بوسعنا تحويل الخوف والقلق اللذين يسيطران علينا ليأخذا أشكالاً أخرى كما بالإمكان التوقف عن تطويق النفس بسيناريوهات سوداوية بجعلها أقلّ كآبة. إذ أن أمراً كهذا يبقى ممكن التحقيق، غير أن البعض يحتاج إلى معالج أو اختصاصي نفسي ليأخذ بيده في هذه الرحلة.

ضع فلسفتك الخاصة في الحياة نُصب عينَيك

ولتحقيق ذلك ينبغي أن نضع نُصب العين أن لا وجود للخوف باعتباره شعوراً مطلقاً وعاماً، فهو شعور خاص يتعلق بنا نبنيه على أساس أفكار محددة تعبر أرواحنا حين يتملكنا، غير أن بحوزتنا فلسفات حول الحياة وأحكاماً واستنتاجات قمنا ببنائها تدريجياً حسب أحداث وسَمت حياتنا. يحكي المختص ديديه بلوه عن ما شهده رفقة أسرته في الملعب في تلك الجمعة الدامية يوم الـ 13 من نوفمبر/ تشرين الثاني قائلاً: “لقد وضعت لنفسي فلسفةً في الحياة زوّدتني بروح قتالية، وقلتُ لنفسي: “إذا لم تقاتل، سوف تصير ضحية للآخرين”. الأولوية كانت حماية من كانوا رفقتي قبل أن أحمي نفسي، والأمر خالٍ من البطولة إذ إني لحظَتها لم أكُن أبصِر الخطر. إن أولئك الذين يتصرفون كأبطال قادرون على ذلك لأن ما يحركهم هو مبدؤهم في الحياة؛ حيث إن دفقة الأدرينالين التي تسبب في الخوف بوسعها كذلك أن تدفع بي إلى الإقدام على تصرفات تشكل خطراً عليّ وعلى من حولي، أو تنمي داخلي الرغبة في الانتقام”.

غير أن ديديه بلوه المتأثر بفلسفة جان-بول سارتر يرى أننا لسنا محكومين بالشعور بالخوف إذ يقول: “لأننا كبرنا في بيئة غير آمنة، فمن الطبيعي أن يخرج شخص باستنتاج مفاده أن العالم مكان خِطر ينبغي الاحتماء منه. فيما شخص آخر يرى بأن علينا أن نتعلم كيف نقاتل، ويقرر غيرهما أن يقف في وجه العالم ويتحدى الخوف ويمارس إحدى الرياضات الخطرة”. وهذا ما عبر عنه جان- بول سارتر في كتاباته بحرية المرء في مواجهة قدره.

أهم الأفكار الواردة في المقال

التسلّح بالخيال: “يتميز البشر عن الحيوانات بقدرتهم على تخيل وجود خطر محدق حتى حين لا يكون ثمة خطر”.

المعالجة النفسية فيرجيني سيبليه.

إلى آخر رمق: “لندع الخوف يأخذ مجراه في أجسادنا ونستعرض أمامنا أسوأ الاحتمالات”.

الفيلسوف والمعالج بالتنويم الإيحائي فرونسوا روستونغ.

طلب المساعدة: “تحويل الخوف والقلق اللذين يسيطران علينا، والتوقف عن تطويق النفس بسيناريوهات سوداوية ومحاولة التقليل من كآبتها في المقابل. قد يستعصي على البعض تحقيق ذلك دون اللجوء إلى معالج أو اختصاصي نفسي ليأخذ بيده إلى أن يصل برّ الأمان”.

المعالج النفسي ديديه بلوه.