كيف نفسر متلازمة “لا أحد يحبني”؟

لا أحد يحبني
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

لا أحد يرغب في الإصغاء إليهم، لا أحد يكترث لأمرهم، لا أحد يحبهم… وجودهم مُرهق لكل من حولهم، حاجتهم المُلحة للحصول على الانتباه تحكم عليهم بالوحدة. لماذا يحبسون أنفسهم في دور الضحية هذا؟ وكيف نفسر متلازمة “لا أحد يحبني” هذه؟

لماذا؟

قد يكون الأمر زميلاً لا يلقي عليهم التحية في الجامعة، أو صديقاً ينسى عيد ميلادهم… هناك العديد من المواقف الأخرى التي يقدمون لها تفسيراً وحيداً: “لا أحد يحبني”. يعلق صامويل ليباستييه، المحلل النفسي والطبيب النفسي قائلاً: “هذا أمر صحيح!… هذه الملاحظة تتوافق مع واقع حياة البالغين”. هناك بالفعل فجوة كبيرة بين تطلعات كلٍّ منا إلى أن يُحَب وبين ما يتلقاه كحب. “لأن هذا الحب الذي نرغب فيه هو الحب الذي يمكن لطفل فقط أن يتطلع إليه: حب أمه الكامل غير المنقوص”.

ومع ذلك، في مرحلة البلوغ، حتى أعظم أشكال الحب والشغف يكون علاقة يعطي فيها كل فرد ويتلقّى شيئاً بالمقابل، في حين أن حب الأم غالباً ما يكون عطاء نقياً.

هل يُعانون من الحرمان العاطفي…

لذلك يجب أن يكون كل فرد قادراً على التعايش مع هذا الإحباط الذي يسود في العلاقات الناضجة. لكن لماذا لا يكون البعض قادراً على ذلك؟ تقول مود ليهان، وهي معالجة نفسية تدير مقهى نفسياً في باريس، إن عبارة “لا أحد يحبني!” فكرة مُهيمنة.

ووفقاً لها، فإن هذه الشكوى دائماً ما تأتي “من أشخاص كانوا يفتقرون إلى الحب كأطفال، أو، على الأقل، من أولئك الذين يشعرون بأنهم لم يحظوا بالحب الكافي”. وتضيف: “على الرغم من أن جميع الآباء تقريباً يحبون أطفالهم، فإن الكثيرين لا يعرفون كيف يظهرون لهم هذا الحب أو كيف يخبرونهم بذلك”.

… أم أنهم مغمورون بالحب؟

“لكن الحب الزائد تجاه الطفل يسبب نفس التأثيرات”، تستأنف المعالجة النفسية قولها، “وهذا الطفل كشخص بالغ، سوف يطالب الآخرين بأضعاف مضاعفة مما تلقاه، متوهماً أن الجميع مدينون له”.

وبسبب خوفه من هذه المطالبة بالحب ومُجبراً على إدراك أن أياً من جهوده لإشباعها لا يكفي، ينتهي الأمر بفرار الآخر، في أغلب الأحيان. وبطبيعة الحال، فإن رد الفعل هذا يغذي الشعور بالضيق من “سوء الفهم” الأبدي. مرة أخرى، يحصل المرء على دليل قاطع على أن “لا أحد يحبه”!

فشل نرجسي

إنها حلقة مفرغة طالما أن هؤلاء الناس ليسوا قادرين على مساءلة أنفسهم: إنه خطأ الآخرين، الذين لا يبذلون جهداً للاهتمام بهم، والذين لا يعرفون كيف يمنحونهم الحب على قدر ما يستحقون. يوضح صامويل ليباستييه: “إنهم يفكرون وفقاً لنظام أفكار يقوم على تفسير كل شيء بطريقة تتعلق بهم”.

هذه الطريقة الأنانية في التفكير تخفي دائماً ضعفاً نرجسياً عميقاً وحساسية مفرطة. أن تكون محبوباً يعني في ظل كافة الظروف: “أن تكون أكثر شخص محبوب”. في هذه الحالة، كما كتب المحلل النفسي إيلي هامبرت (في كتابه “أبعاد الحب، ملاحظات التحليل النفسي وفق كارل يونغ” La Dimension d’aimer, Cahiers jungiens de psychanalyse)، “ليس صحيحاً أن المرء يسعى إلى أن يكون محبوباً. بل نحاول أن نكون المفضلين”.

لحماية أنفسهم، يختار هؤلاء الأشخاص، دون وعي في أغلب الأحيان، إلقاء اللوم على الآخرين لما يحدث لهم. كما يشير صامويل ليباستييه إلى أنه “من الأسهل دائماً أن يقول المرء لنفسه: ‘إن الآخرين ليسوا مُحبين’، بدلاً من إدراك أنه قد لا يكون محبوباً دائماً”.

قلة الثقة بالنفس

“لا أحد يحبني!” تبدو الجملة وكأنها طلب غير مُشبع للحصول على مجاملات، هدفه هو الحصول على الطمأنينة باستمرار. هذه الحالة من الاعتماد على الآخرين هي من أعراض نقص الثقة بالنفس: “إن من حظي بالدعم والتقدير الكافيين من والديه لن يحتاج إلى الآخرين لبناء نفسه وشخصيته”، كما تقول مود ليهان، وتضيف: “إن الدعم الذي كان قد حصل عليه سيكون كافياً له للمضي قدماً بثقة، دون الحاجة إلى الحصول على توكيدات بأنه يستحق أن يُحب”.

ما الذي ينبغي فعله؟

العودة إلى الطفولة

نظراً لأن هذا الشعور بأننا غير محبوبين يعود إلى الطفولة، فيجب أن نحاول الانغماس فيه بمفردنا أو مع معالج نفسي: “هل شعرت بأنني مُحاط؟ هل وُضّح لي أنني محبوب؟”. لا ينبغي استخدام هذه الأفكار لتصفية الحسابات مع الوالدين، ولكن لإدراك أن المشكلة تتعلق بتاريخ المرء وأنه من غير المُجدي إلقاء اللوم على الآخرين، كما أن الأمر ليس عدلاً بالنسبة لهم.

تذكر أولئك الذين يحبوننا

إن عبارة “لا أحد يحبني” دائماً ما تكون مبالغة. لتفنيد هذه الفكرة، اكتب أسماء خمسة من أحبائك واكتب لفتة الاهتمام الأخيرة التي أظهرها كل منهم تجاهك: مكالمة هاتفية، دعوة، إطراء… هذه الإيماءات، دون أن تكون علامة على الحب الهائل، هي دليل على أن قيمتنا مُقدّرة.

كن على علم بما تقدمه

“ماذا فعلت لأستحق اهتمامهم؟” لاحظ آخر تعبيرات العاطفة التي قدمتها لهؤلاء الأشخاص. إنها طريقة فعالة لإدراك أن الحب هو عملية تبادل، واكتشاف أن لذة العطاء تكافئ متعة التلقي.

فاقد الشيء يعطيه

الحب المثالي خيال. ولذلك فهي مسألة تعلم كيفية “التعامل مع الآخر”. كيف؟ من خلال عملية يسميها المحللون النفسيون “التسامي”: أي استخدام افتقارنا (للحب الأبوي مثلاً) كقوة ستُشبِع حاجاتنا بطريقة أخرى. سواء كان الإبداع الفني أو البحث العلمي أو العمل الخيري… على الجميع أن يجد ما يسمح له بتحويل إحباطه إلى مصدر للطاقة الإيجابية.

نصيحة للمحيط

إن الشخص الذي يشتكي من أنه غير محبوب يتوقع من محيطه طمأنته واحتوائه والتعبير له باستمرار عن ارتباطهم به. يجب على أي شخص يريد الاحتفاظ بمكانته لدى هؤلاء الأشخاص أن يأخذ طلب العاطفة هذا في الاعتبار، دون أن يضع نفسه في خدمة هذه العاطفة وحدها. لأننا مهما فعلنا، نحن نتعامل مع حفرة لا قرار لها ولن يكفي أي دليل حب على الإطلاق لعلاج مثل هذا الجرح العاطفي. لذلك فإننا نجازف بنفاد طاقتنا سدى.

ومن هنا تأتي الحاجة إلى تعلم إعطاء الآخرين نصيبهم من المودة، ولكن “بشكل معقول”، أي دون اليأس من عدم القدرة على إسكات شكاواهم وطلباتهم.

شهادات

سارة، 39 عاماً، رسامة.

“طوال حياتي، شعرت أنه لا يمكن لأي وجه من وجوه التعبير عن الحب أو الصداقة أن يرضيني. لطالما ظل النقص مكانه، يحفر عميقاً في داخلي، شعور بالفراغ. كما أنني أصبت بالدوار، بسبب “مشاكل في الأذن الداخلية”، ولم يصدقني الأطباء بما يكفي لاكتشاف الأمر! طوال حياتي، كنت أتمنى أن أسمع أمي تقول لي: “أنا أحبك”. وحتى وفاتها قبل بضع سنوات، لم تكن قادرة على ذلك. بعد 7 سنوات من التحليل النفسي، بدا لي واضحاً أنني لم أعد “مكتملة”، لكني أعرف كيف أعيش مع هذا النقص. ستغضب أمي إذا رأتني أبتعد عن دراسة الحقوق التي خططت لي الالتحاق بها. لم تكن لتتفهم أن كل الألوان التي نشرتها على لوحاتي هي العديد من عبارات “أنا أحبك” التي لم تستطع هي تقديمها لي أبداً”.

لا تخشَ أن تكون هشاً

ماذا لو توقفنا عن الرغبة في أن نكون أقوياء ومتماسكين ومثاليين بأي ثمن؟ إن إدراكنا أننا ضعفاء أو حزينون أو هشّون، وأن نتقبل الأمر دون أن نخفيه، للمفارقة، يعزز ثقتنا بأنفسنا. وهذا هو السبب.