تحليل الخطوط: ماذا تقول خربشاتنا على الورق عنا؟

الخربشة
(مصدر الصورة: نفسيتي، تصميم: إيناس غانم)
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

يكفي لقطعة ورق أن تسقط تحت أيدينا كي يتحرك القلم من تلقاء نفسه ويشرع في رسم خطوط حلزونية ومتاهات ومكعبات وأسهم في حركاتٍ آلية شبه غريزية، ثم لا نلبث أن نهمل هذه الورقة دون أن نلقي بالاً إلى أن الخربشات التي تركناها مطبوعة عليها تحمل في طيّاتها معاني مخبأة تكشف الكثير عنا.
 

قطعة شطرنج هنا، أسهم هناك، خطوط هنا وتموّجات هناك، يكفي إلقاء نظرة على قطعة من الورق الملقاة على المكتب أو محاذاة الهاتف للوقوف على أبعاد أعمالنا الفنية العفوية. نخربشُ منذ نعومة أظفارنا بصرف النظر عن امتلاكنا الموهبة الفنية من عدمها؛ إذ كما تشرح خبيرة تحليل الخطوط (الغرافولوجست) سيلفي شيرمي-كاروي : “ما يميّز الشخبطة عن الرسم هو الشكل التجريدي الذي تأخذه الشخبطات؛ كما أنها تُرسم عفوياً كما لو أنها سلوك قهري دون أن يُبتغى من ورائها أي هدف جمالي، والأهم أنها لا تُُرسم بغرض إطلاع الآخرين عليها”. حيث إن الأوراق التي نخربش عليها غالباً ما ينتهي بها الأمر مرميةً في سلة المهملات.

ما الذي يدفع بنا إلى الخربشة ما إن نجد أنفسنا لوحدنا نُجري مكالمة على الهاتف أو في خضمّ اجتماع؟ يجيب الاختصاصي النفسي فرونسوا سيلجيه عن هذا السؤال بالقول: “هذه الخربشات بمثابة مُتنفَّس؛ إذ تُسهم في التنفيس عن التوتر والمشاعر التي تجثم على صدورنا”.

حصر فرونسوا سيلجيه 50 نمطاً متكرراً في هذا النوع من الرسوم توزّعت ما بين أشكال هندسية ودائرية ومدببة ومربعة ومتاهات دون احتساب أشكال الأوجه والتوليفات الممكنة بين كل ما سبق. إنها أشكال بسيطة إلا أنها ترمز إلى معانٍ شتى! أعملَ المحلل النفسي جون-تريستان بيرنار التفكير في الاستعمال المتكرر لهذه الأشكال في الشخبطة، وتساءل: لِمَ تتكرر هذه الخطوط والمنحنيات وغيرها من الأشكال؟ فخلص إلى فرضية مفادها أن هذه الرموز إنما تُكوّنُ شكلاً هندسياً يتأسّس مبكراً في المراحل المبكرة من تطور الرضيع، ويشرحُ قائلاً: “في تلك المرحلة المبكرة؛ نختبر أولى تجارب الشكل من خلال النظر واللمس والرضاعة والتغوط ونربطها بمشاعر كالقرف والمتعة وغيرها، ومنها تنبع هذه الرسومات المختارة بشكل طبيعي للتعبير عن مختلَف الحالات النفسية. يُكمل جون-تريستان بيرنار قائلاً: “كما لو أننا نعيد مد الجسور مع هذه الروابط المنسوجة في بداية الحياة بين الأشكال والغرائز الأساسية”، وهو ما يصفه بـ “إيجاد الذات من جديد من خلال إعادة رصف الطريق التي تقود إلى الهوية”.

ولهذا نجدُ للخربشة مفعول الطمأنةِ والتحفيز وأحياناً المساعدة على التركيز؛ فهي أشكال كما يختمُ المحل النفسي: “تؤدي عمل كرة الضغط” وتُقلل التوتر. لكن وفقاً للمُختصين فإن النزوع إلى الشخبطة في أثناء الاجتماعات يقل، إن لم يختفِ تماماً، مع التقدم في السن ما يُشير حسب جون-تريستان بيرنار إلى “تطوير قدرة المرء على التعامل مع الشعور بالملل مع الوقت”.

الرموز الأساسية

المتاهة أو الدوّامة:

تعبر عن الشعور بالضياع والتفتيش عن الذات مع إبداء الرغبة في إيجاد الاتجاه الصحيح، وفي حال أخذ الرسم الاتجاه من اليسار إلى اليمين فهو يعكس وضعية حذر شديد، فيما الحركة في الاتجاه المعاكس تكشف عن مجهود كبير يُبذل للانفتاح على الآخر.

الدائرة:

تدل على الانطواء على الذات والانفعال والحساسية والبحث عن الأمان.

رقعة الشطرنج:

مزجها بين الأسود والأبيض مرادف للقوى المتضادة؛ كما تدل على عدم الحسم والبحث عن الذات أو الاستعداد لقبول تحدٍ كبير.

المكعبات المتراصة:

يعكس جدار الطوب المتراص ذهناً ممنهجاً والاستعداد للتطور أو تبلور فكرة في طور الإنشاء.

السهم:

يدل على التوجه كما يشير كذلك إلى النوايا المبيّتة كالعداء أو الاستعداد، وذلك وفقاً لشكل السهم من جهة (إذا كان مُذيّلاً أو حاد الرأس)، والاتجاه الذي يصوَّب نحوه من جهة أخرى، فحين يوجَّه نحو الأعلى فالمقصود هنا هو الآخرون أما إذا كان متجهاً نحو الأسفل فالمقصود هو الذات، فيما الماضي في الجهة اليسرى والمستقبل يميناً.

أسنان المنشار:

رمز العدوانية بشِقّيها؛ الإيجابي حين تتجلى في الروح المحاربة والسلبي الكامن في الشعور بالعداء والغضب.

النجمة:

تخبر عن رغبة دفينة في أن يلمع نجمك ويُشار إليك بالبنان؛ كما تشير على النقيض من ذلك إلى التشتت إذا كانت الأطراف كثيرة ومنفصلة عن قلب النجمة.

تأطير الكلمات:

علامة على التوكيد والتمسك بقناعةٍ ما؛ لكنه قد يكون كذلك إشارة على الهوس بالكمال أو الرغبة في إفحام الآخرين والذات، وهو في ذلك يتقاطع مع مدلول إعادة تمرير القلم على الكلمة مرات كثيرة.

الوضعيات الأربع المحفزة على الخربشة

يؤكد فرونسوا سيلجيه قائلا:ً “ما خربشاتنا إلا مرآة لحالاتنا النفسية في لحظةٍ محددة”. وباعتباره متخصصاً في دراسة حركات الجسد فقد كان من أوائل المعالجين النفسيين الذين أولَوْا الاهتمام لهذه الرسوم، وقد ميَّزَ بمساعدة خبيرة الخطوط سيلفي شيرمي-كاروي بين أربع سياقات نفسية تزدهر في أثنائها الخربشة.

  • الاجتماعات: “في حالة الإنصات السلبي، عندما لا تتوفر لديك الإمكانية أو الرغبة في الكلام، تستقبل المعلومات وتتجاوب معها بالموافقة أو الرفض، بشكل غير واعٍ، عبر الشخبطة على الورق”.
  • المحادثات، ولا سيما الهاتفية: “تساعد الخربشة على تنظيم الأفكار ووضع إطار للحديث ورسم حدود له وتحديد الأهداف المرجوة منه، ويتم ذلك عادةً من خلال رسم أشكال هندسية أو إطارات أو خطوط كثيرة”.
  • المسكوت عنه: “تأتي الخربشات لتتكلم بلسان كل ما لم نستطع إخبار مخاطِبنا به؛ كالغضب والانزعاج والرغبة”.
  • الوحدة: “تتحول الخربشات إلى شكل من أشكال الحوار الداخلي، سواء في العمل أو حين يكون المرء غارقاً في أفكاره في غرفة انتظار؛ إذ تأخذ مكان التفكير بصوت مرتفع أو الحديث مع النفس. إن هذه الخربشات التي نقوم بها على انفرادٍ، هي ما يسمح لنا تحليلها بفهم النفس أكثر واكتشاف جوانبها الخفية”.