ما تأثير العلاقات السامة في صحتنا النفسية والجسدية؟ وما الذي يجعلنا نستسلم لها؟

العلاقات السامة
العلاقات السامة
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

تؤثر العلاقات السامة سلباً في صحتنا النفسية والجسدية لكن ما الذي يجعلنا نخضع لها؟ نحاول من خلال السطور التالية الإجابة عن هذا السؤال وتوضيح كيفية التعرف إلى العلاقة السامة لنحمي أنفسنا منها بصورة أفضل، ونتجه نحو بناء علاقات صحية مع الآخرين.

يقول مازن بمرارة لا يمكنه إخفاؤها: “ما زلت ألوم نفسي حتى اليوم بسبب سماحي له بالسيطرة عليّ بتلك الطريقة”. كان رؤوف واحداً من أعز أصدقاء مازن، فقد تشاركا كل شيء في السرّاء والضرّاء، أو هذا ما كان يظنه مازن على الأقل! 

ومع مرور الوقت وجد مازن نفسه صديق رؤوف “المخلص” مستسلماً لتأثير الأخير فيه. يقول مازن: ” لم أكن أدرك أنه كان يحاول من خلال النكات التي يلقيها عني التألق أمام الآخرين عبر التقليل من قيمتي، فهو رؤوف ذو الفكر المتقد، أما أنا فكنت ذلك الشخص اللطيف المحب للرياضة الذي لا يتمتع بذلك القدر من الذكاء. وقد استسلمت إلى سلوكياته هذه إلى درجة أنني كنت قد نسيت حصولي على شهادتي في القانون بتقدير أعلى من تقديره. لقد فهمت في نهاية الأمر أن علاقتنا التي اعتبرتها صداقةً حقيقيةً لم تكن إلا علاقة تسلُّط”.

وفقاً للمعالجين النفسيين يُعد التسلُّط جوهر العلاقات السامة؛ حيث يسعى الطرف المتسلط إلى إرضاء حاجاته النرجسية والعاطفية عبر السيطرة على الآخر والتلاعب به سواء كان ذلك بالترهيب أو الترغيب أو استغلال عواطفه، والتقليل من شأنه في معظم الأحيان. ويكون ذلك عادةً بموافقة الطرف المتضرر أو اتخاذه موقفاً سلبياً مما يتعرض له، وهو أكثر ما يُشعره بالألم في النهاية؛ إذ يجد نفسه يتساءل عن ما منعه من رؤية كل هذا الأذى الذي تسببه له هذه العلاقة. وعلى الرغم من ذلك فإن الإجابة عن هذا السؤال ليست بسيطة.

تعرَّف إلى العلاقات السامة

وفقاً للتحليل النفسي فإن الإنسان يبني العلاقات مدفوعاً بشعوره بالحاجة، كما أن للاوعي دوراً كبيراً في ذلك، وهو ما يفسر عدم فهمنا لدوافعنا القوية لإنشاء علاقة ما. 

يقول الطبيب المتخصص في الروابط النفسية الجسدية تييري جانسن: “تنشأ العلاقة غير الواعية بين شخصين يرى كل منهما لدى الآخر ما يبحث عنه لإرضاء رغباته، وما ينقصه للتغلب على مخاوفه”. 

وتتطلب هذه العلاقة غير الواعية وقتاً لتصبح علاقةً ناضجة تنطوي على احترام كل طرف لتطلعات الآخر وحدوده الشخصية. إلا أنه في بعض الأحيان قد لا يكفي مرور الوقت لتوطيد علاقة صحية بين الطرفين. 

تمثل العلاقة السامة بالنسبة للطرف المتضرر تكراراً لصورة موجودة في اللاوعي؛ ما يجعله أسيراً لهذه العلاقة وعاجزاً عن الخروج منها. تقول مختصة التحليل النفسي إيزابيل كوروليتسكي: “يبحث اللاوعي عن ما “يعرفه” فهو لا يفضل الخوض في منطقة مجهولة بالنسبة إليه؛ ما يجعل المرء يسقط علاقة سامة سابقة لم يتمكن من التعرف إليها أو التعامل معها على علاقاته بالأشخاص الذين يقابلهم”. ولذلك فإنه ليس من قبيل المصادفة أن ينشئ المرء علاقة مع شخص يحاول السيطرة عليه والتلاعب به والتعدي على حدوده الشخصية.

في كتابها “آباء سامّون” (Toxic Parents)، تشير مختصة العلاج النفسي الأميركية سوزان فوروارد إلى عدة نماذج من الآباء الذين يعيش أبناؤهم حالةَ تفكك أسري بسببهم؛ كالآباء متقلبي المزاج، وغير الناضجين، ومدمني الكحول، أو الذين يتلاعبون بأبنائهم أو يمارسون العنف الجسدي والنفسي تجاههم، وهي كلها “سموم” تلوث نفسية الطفل وتؤثر سلباً في علاقاته العاطفية والاجتماعية مستقبلاً. 

عندما سألنا مازن عما إذا كان رؤوف يذكّره بأيّ من أفراد عائلته أجاب: “كان يذكّرني بأبي وهو إنسان مثقف وذكي ولكنه متعجرف ويزدري الجميع”. 

تتعدد أنماط العلاقات السامة، فقد يجد المرء نفسه ضحيةً للتجريح الممنهج، أو الابتزاز العاطفي، أو محاولة الطرف المؤذي السيطرة عليه وادّعاءه بأن كل ما يقوم به هو لصالحه. ونتيجةً لذلك قد لا يكون من السهل دائماً التعرف إلى العلاقة السامة.

وإضافةً إلى ذلك يؤكد الطبيب النفسي فرانسوا كزافييه بودات أن لهذه العلاقة تأثيراً إدمانياً قوياً؛ إذ إن شعور الضحية بأنها محاصَرة عاطفياً ونفسياً بين براثن الطرف المؤذي، يمنعها من كسر هذه الرابطة والمضي قُدُماً”. وكحال جميع المنتجات السامة تقدم هذه العلاقة “مكافآت” للضحية مثل المتعة والشعور بحالة من الأمان والتميز.

انتبه إلى رسائل الجسد

تتذكر سوسن رئيستها السابقة في العمل بانزعاج، وتقول: “لقد علمتني كل خفايا مهنة المحاسب القانوني لكن بعد أربع سنوات من العمل معها وجدت نفسي وكأنني قد أصبحت تحت “وصايتها”، فلم أكن أجرؤ على اتخاذ أي مبادرة دون موافقتها. لقد كنت مرهقةً جداً من هذه العلاقة، وعندما ابتعدت عنها أدركت أنني كنت مشغولةً بها أكثر من انشغالي بزوجي أو نفسي”. 

يرى مختص العلاج النفسي توماس دانسيمبورج أن العلاقات غير الصحية بكافة أنماطها تسبب للطرف المتضرر خسارة استقلاليته وحيويته وثقته بنفسه. وتوضح مختصة علم النفس بياتريس ميليتر أنه إذا كانت العلاقات الصحية تمنح الشخص الشعور بالراحة النفسية أو الحرية أو الأمان، فإن العلاقات السامة تشعره بعدم الراحة وبأن حدوده الشخصية منتَهَكة، وتولد لديه شعوراً دائماً بالتوتر دون أن يدرك ذلك في بعض الأحيان.

وتوضح المختصة في الاضطرابات النفسية الجسدية (السيكوسوماتية) آن ماري فيليوزات أن كل ما يؤثر في العقل، حتى لو لم ندرك هذا التأثير، يؤثر في الجسد. فعندما يكون المرء ضمن علاقة سامة يعاني من الانفعال وارتعاش العضلات والتعب، ويمكن أن تؤثر هذه العلاقة حتى في جودة نومه وشهيته. لذا فإن استماع المرء إلى جسده يمكّنه من تلقّي رسائله وتحذيراته. 

ويضيف تييري جانسن: “تخلق العلاقة غير الصحية توترات نفسية وعاطفية تهاجم الجسم وتتعبه”. وعندما يعاني المرء من هذه التوترات بصورة منتظمة فإنها تصبح والعواقب المترتبة عليها حالةً مزمنةً لديه حتى لو لم يكن يعي ذلك. نعرف جميعاً كيف يمكن لحضور بعض الأشخاص أن يمنحنا الراحة والطاقة الإيجابية أو يجعلنا نضحك أو يحثنا على التفكير بطريقة سليمة، بينما يشعرنا وجودنا مع آخرين بالضعف والثقل وانخفاض المعنويات. وتظهر جميع هذه المشاعر في صورة أعراض جسدية، ومن الضروري أن ننتبه لها، فعندما يرتبط ظهور أعراض جسدية كهذه دائماً بعلاقة محددة يكون من الضروري أن نبحث عن السبب”.

أدركت سلوى ذات الـ 32 عاماً مؤخراً مدى الإنهاك الذي تشعر به بسبب محادثاتها مع والدتها. تقول سلوى: “في إحدى الأمسيات وبينما كنت أحضر جلسة اليوغا، سألني المعلم عن سبب شعوري بأنني مقيدة جداً وحينئذ أدركت أن أمي، وهي امرأة حادة الخلق، كانت تسبب لي الإنهاك طوال تلك السنين، ففي كل مرة كنت أتحدث إليها كنت أشعر بالتوتر من رأسي إلى أخمص قدمي. شكراً لمعلم اليوغا مرةً أخرى لأنه جعلني أدرك الأمر وأستغرب جداً كيف لم ألحَظه طوال ذلك الوقت!”. 

يقول تييري جانسن: “لا يشتكي الأشخاص المنهكون نفسياً إلا عند التعرض لألم جسدي يعبر عن معاناتهم النفسية”.

كيف يمكنك الابتعاد عن العلاقات السامة؟

يُجمع المختصون النفسيون على عدم وجود حل جاهز لتتخلص من العلاقات السامة. ويوضح توماس دانسيمبورج قائلاً: “لا يتمحور الأمر حول الابتعاد عن الشخص السام بقَدْر التحرر من مشكلة إنشاء العلاقات السامة في حد ذاتها”. 

وتبرز هنا أهمية التحلي بالنضج والتوقف عن إلقاء اللوم على الطرف المؤذي، وتحمُّل المرء نصيبه من المسؤولية عن العلاقات السامة التي يقع ضحيةً لها. 

تقول بياتريس ميليتر: “كلما طالت مدة العلاقة السامة ازداد الأذى الناجم عنها بسبب ازدياد الألفة فيها، ومع مرور الوقت تصبح شخصية الطرف المؤذي أكثر وضوحاً ولكن يصبح التخلص من هذه الرابطة بالنسبة للضحية أكثر صعوبة في الوقت ذاته”.

وتحدد مختصة علم النفس 3 سلوكيات يمكن أن تمنع الشخص المتضرر من العلاقة السامة من التخلي عنها.

  1. الاستسلام: الاعتقاد بأن الأمور ستتحسن بمرور الوقت.
  2. الخوف من فقدان الارتباط: سواء كان ارتباطاً اجتماعياً أو مهنياً أو عاطفياً، ومن ثم الخوف من العواقب الناجمة عن ذلك.
  3. الخوف من إلحاق الأذى بالطرف الآخر: ما يجعل الطرف المتضرر يحاول تجميل العلاقة والتغاضي عن الضرر الناجم عنها.

تضيف بياتريس ميليتر: “يجب أن تدرك أولاً القيود التي تربطك بهذه العلاقة، لتتمكن بعد ذلك من اتخاذ مسافة بعيداً عنها”. أجرِ تقييماً لمسؤوليتك عن هذه العلاقة، وابحث عن احتياجاتك وعبّر عنها، وضَع حدودك الشخصية. وإذا لم يكن الابتعاد الجزئي عن الطرف الآخر كافياً اتخذ قراراً بالانفصال عنه، وهي كلها خطوات أساسية في سبيل تجنُّب العلاقات السامة. 

ووفقاً لفرانسوا كزافييه بودات، فإن تقوية الاستقلالية العاطفية والمادية لديك تحول دون السماح للآخرين بالتحكم فيك. كلّما عرف المرء كيف يستمع إلى نفسه ويتعامل معها بطريقة أفضل وحرص على تلبية احتياجاته الأساسية، قلّت فرصة تعرّضه للعلاقات السامة.

تمارين: استمع إلى جسدك بطريقة صحيحة

تقول مختصة التحليل النفسي آن ماري فيليوزات: “تتحدث أجسادنا إلينا لكننا لا نعرف دائماً كيف نستمع إليها”. يتمحور التمرين التالي حول التعرف إلى العلاقات السامة والبدء باتخاذ سلوك “الابتعاد الواعي”:

  1. استلقِ أو اجلس في غرفة هادئة.
  2. أغلق عينَيك وأرخِ عضلاتك وتنفس من أنفك بعمق حتى تجد نفسك في حالة من الرفاهة والاسترخاء.
  3. تخيل الشخص الذي يغضبك وينتهك حدودك الشخصية وينتقدك.
  4. تخيل آخر تفاعل حدث بينكما، وحدد شعورك جسدياً وعاطفياً.
  5. الآن تخيّل نفسك توضح له احتياجاتك وحدودك الشخصية التي لا ترغب بأن يتجاوزها.
  6. ركّز على ما تشعر به عندما تتخيل أنك تبتعد عنه.

اقرأ أيضاً: 4 أنماط للعلاقات السامة: تعرّف إليها.