كيف نمارس التأمل بشكل يومي؟

التأمل
shutterstock.com/sun ok
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

وضعية الجسم، التنفس، التردد… استخدام القوة العقلية لإيجاد السكينة أسهل مما تعتقد. دليل موجز من 7 خطوات لأولئك الذين يرغبون في تعلم كيفية ممارسة التأمل بشكل يومي.
عندما يخنقنا التوتر، نكون مثل الجبل المطوّق بالغيوم. التأمل هو ترك الريح تصفّي السماء وتكشف عن اللازوردية. يشوبها الشِّعر الشرقي، وهذه الاستعارة مأخوذة من مارك دي سميد، دليلنا للجلسة التالية، وهو صحفي وكاتب ومدير المجلة ربع السنوية (Nouvelles Clés)، بدأ التأمل المبني على الاسترخاء على يد المعلم الياباني تايسن ديشيمارو. رغم كونه يفكر في السعي الروحي، فهو يرى أنه ليس من الضروري أن تكون متديناً لممارسة التأمل. ومن منظور علماني بحت، فإنه “يمكن للمرء، كما يقترح، “دمج التأمل في ممارسات النظافة اليومية”. يأتي التأمل لمنح العقل الرعاية التي عادة ما تُعطى للجسم: الاستحمام لتنقيته، والقليل من التمارين الرياضية لتقويته.

من التأمل المبني على الاسترخاء إلى علم التانترا، ومن اليوغا إلى التاي شي، تتنوع الأساليب ولكن جميعها تستند إلى الأسس نفسها: الوضعية أو الحركة الصحيحة، وطريقة التنفس، والتركيز العميق في الوقت الحالي. نظراً لأن الموضوع واسع النطاق، سنناقش هنا التأمل الثابت فقط، والذي يسهل ممارسته في المنزل. يقول خبيرنا: “التمرين أبسط مما قد نتخيل”. يحرم الكثيرون أنفسهم من معرفة فوائده لأنهم قد وضعوا معايير عالية للغاية للممارسة”. الفكرة ليست في المعاناة لساعتين في اليوم في وضعية اللوتس، بل أن تمنح نفسك، مرتين أو ثلاث مرات في الأسبوع (وفي الوضعية التي يمكنك تحملها!) ربع ساعة من الصفاء. تُمارس بانتظام، فهي تسمح لـ “المتأمّل” بأن يصبح جزءاً من وعي ذاتي أفضل، ووجود أكثر انسجاماً في العالم.

لذلك ستكون كلمة السر لهذه الجلسة هي: “جربها”. لا تحاول التقيد الصارم بما يُقتَرَح عليك هنا. بدلاً من ذلك، استكشف مسارك الخاص حتى تجد أفضل ما يناسبك. يؤكد مارك دي سميدت: “يعرف الجسد ما يحتاج إليه”. دعه يجد اللحظة المناسبة، الوضعية التي يشعر فيها بالارتكاز، النَفس الذي يجدده. اقبل طريق الجسد الذي تَلَمسه. لا يوجد شيء يمكن توفيره للنجاح أثناء التأمل. كل ما يمكن فعله هو أن نركز هنا، الآن.

1- إيجاد اللحظة المناسبة

يتوقف إيجاد اللحظة المناسبة على ما تتوقعه منها. يمكننا ممارسة التأمل في الصباح لبدء اليوم بمزاج أفضل؛ أو في المساء للتخلص من التوترات المتراكمة؛ أو في الظهيرة لإعادة شحن البطاريات في منتصف الطريق. عندما تفهم العملية، وهي في الأساس تذكير نفسك وتنفسك الواعي، يمكنك التأمل في أي مكان (في المترو، في المكتب) وفي أي وقت (أثناء الأكل أو الطهي)، بمجرد أن تشعر بالحاجة إلى تجميع أفكارك.

تتمثل أفضل السبل في أن تختار وقتاً ومدة معينة (على سبيل المثال، قبل فطور الصباح مباشرة، لمدة عشر دقائق) وحاول الالتزام بها. لا تقصر مدة جلساتك إذا كانت صعبة ومؤلمة، ولا تمددها عندما تكون أكثر متعة. إن تعلم المثابرة هو جزء من العملية.

2- خلق البيئة المناسبة 

حاول دائماً التأمل في المكان نفسه، ويفضل أن يكون ذلك في غرفة هادئة، جالساً في مواجهة الحائط. وبشكل عام، حاول تجنب أي شيء قد يشتت عينيك أو يغذّي أفكارك.

يمكنك خلق جو أكثر هدوءاً عن طريق إعداد سجادة أو إشعال شمعة أو بخور. اختر ملابس فضفاضة ومريحة ستتوفر معك في كل جلسة تأمل، ولا تنس خلع حذائك. يمكنك أيضاً اختيار خلفية موسيقية منفصلة (دون كلمات) أثناء الجلسة.

3- استرخِ

قبل الدخول في التأمل، يمكنك أن تبدأ بوقت استرخاء. استلقِ على ظهرك، تمدد، وتثاءب. بينما تغمض عينيك، تنفس من خلال أنفك بهدوء وعمق. حرّر بطنك واتركه يمتد عند الشهيق وادفع الهواء للخارج مع الزفير. كن على دراية بدعاماتك (الكعب، بطن الساق، الأرداف، عظام الكتف، مؤخرة الجمجمة، المرفقين، راحة اليد…) ووزنها على الأرض. ركز على أصابع قدميك، وتخيل كيف تتمدّد، واستشعر ضغطها، ثم حررها.

افعل الشيء نفسه مع كل جزء من أجزاء الجسم، من خلال الصعود أعلى الساقين والكلى، ومن الظهر إلى الرقبة ثم النزول على طول الذراعين حتى الأصابع. دع مفاصلك وأنسجتك تسترخي. اشعر بأنك تطفو. عندما تكون جاهزاً، افتح عينيك وحدد نقطة على السقف، بنظرة ثاقبة. ثم انهض.

قبل وبعد التأمل، مارس وضعية الجاشو: اجمع يديك معاً على ارتفاع الوجه وركز انتباهك فيما ستفعله، أو فعلته للتو.

4- اختر وضعيتك

في التقليد البوذي، عادة ما نتأمل في وضع اللوتس (أو “زازين”). اجلس على وسادة مستديرة وثابتة (“الزافو”)، اشبك ساقيك مع الحفاظ على الركبتين على الأرض، والقدم اليسرى تستريح على الفخذ الأيمن والعكس صحيح، وباطن القدمين موجهان نحو السماء. هذه هي الوضعية التي كان يتخذها البوذا، جامداً كالجبل، للوصول لمرحلة التنوير. لا حاجة للانثناء إذا كنت تفتقر إلى المرونة. تذكر فقط أن الوضعية يجب أن تسمح لك بأن تجد من خلال الجسد ما يجب أن تكون عليه تصرفات العقل: الاستقرار، الاستقامة، الانفتاح.

لذلك يمكنك أيضاً اختيار وضع نصف لوتس (وضع إحدى الساقين بشكل مسطح على بطن الساق الأخرى)، ووضعية السعادة (يتم إدخال باطن كل قدم بين الفخذ والساق الأخرى)، أو الوضعية المفيدة (يتم وضع الكاحلين تحت العانة، وباطن القدمين عكس بعضهما البعض). أخيراً، يمكنك الركوع على الزافو أو الجلوس على كرسي دون الانحناء للخلف، مع وضع قدميك على الأرض. في جميع الحالات، تأكد من الحفاظ على استقامة ظهرك عن طريق تقويس كليتيك قليلاً لتمديد العمود الفقري وتحرير الضفيرة الشمسية. اثنِ ذقنك قليلاً، وارخِ كتفيك.

ضع يديك على بطنك في منطقة طاقة “الهارا” (ثلاثة أصابع أفقياً أسفل السرة) مع وضع ظهر اليد اليسرى في راحة اليد اليمنى. يلامس الإبهامان بعضهما البعض أفقيّاً عند الأطراف. وهكذا تأخذ يداك شكل بيضة، وهو  رمز لأصل الحياة.

بعد فترة قد تشعر ببعض التشنجات. غالباً ما يزول الانزعاج من تلقاء نفسه، كلما استرخت العضلات، أو قم بتغيير وضعيتك.

5- اضبط بصرك

من حيث المبدأ، تكون العيون نصف مغلقة، والنظرة موجهة – دون تحديق – نحو متر واحد أمامك. الفكرة هي إغلاق الجفون بما يكفي لزيادة تركيزك وانتباهك، مع البقاء على اتصال بالعالم المحيط. في البداية، إذا تشتت نظراتك باستمرار نتيجة شيء ما أو ضوء، فمن الأفضل أن تغمض عينيك. وإذا كنت، على العكس من ذلك، تشعر بأنك على وشك النوم، فافتحها بالكامل لاستعادة يقظتك.

6- ركز على أنفاسك

التنفس هو العمود الثاني للتأمل بعد وضعية الجسد. توصي تقنية “أنابانا” (عملية التنفس في الاتجاهين) بالتركيز على “بوابة الأنف”، وهي المنطقة المثلثة التي تمتد من طرف الأنف إلى الشفة العليا. إنها مجرد مسألة إدراك وتركيز على طريقة تنفسك، وتركه على طبيعته، فأحياناً يكون سلساً، وأحياناً متقطعاً، حتى تتباطأ وتصبح أخف. في التأمل المبني على الاسترخاء، يتم الاهتمام بالزفير: نحاول دفع النفس باتجاه اليدين ومنطقة الهارا، من أجل محاربة عادتنا بالتنفس من أعلى الرئتين فقط. بعد انتشار هواء الشهيق في البطن، يقوم التنفس بتبديد التوتر بشدة ويعيد الشعور بالانسجام.

يساعد تمرين التركيز على التنفس في محاربة تشتت الأفكار. وفي الوقت نفسه الذي يعمل فيه على تهدئتها، فإنه يعلم الروح كيف تجمع شتاتها وتقوي نفسها.

7- طهّر عقلك

يهدف العمل على الجسم، من خلال الوضعية والتنفس، إلى ضبطه للتركيز بشكل أفضل على العقل.

تهدف تقنية “فيباسانا” (البصيرة)، وهي واحدة من أقدم التقنيات البوذية في الهند، للوصول إلى ما وراء الأوهام، لاستعادة الطبيعة الحقيقية للعقل. يتعلق الأمر بالسماح للأفكار بالظهور دون إجبارها أو تقييدها أو إدانتها أو الموافقة عليها. ما عليك سوى مشاهدة ما يبدو لك، وكأنها صور من فيلم تظهر وتختفي. دع جانبك المظلم يسيطر على وعيك، ثم يخرج منك كما يخرج القيح من الجرح. تقبل الألم والغضب والخوف والإحراج. حاول أن تتعلم من هذا، أوجد الترياق لما يجعلك تعاني (التعاطف ضد الكراهية، الفرح ضد الألم، إلخ). دعه يدخل في عقلك ويتغلغل إلى أفكارك. إذا كان التمرين مؤلماً للغاية، ركز على تنفسك مرة أخرى حتى يصبح عقلك جاهزاً لمواصلة البحث.

استمع إلى نفسك وأنت تقرأ

هل الأفكار تتزاحم أو تتشتت أو تحمل آراءً خاطئة داخل عقلك؟ لهدم هذه العمليات العقلية، لجأ تقليد “اليوغا” إلى المانترا، وهي التلاوة المتكررة، سواء بصوت همس أو صامت، لصوت (“أووم” الشهير) أو صيغة مقدسة (“شري رام، جاي رام”). يتم نطق المانترا في أطول فترة زفير ممكنة. وتساعد شحنتها الرمزية وقوتها الاهتزازية على إفراغ الوعي لترك إحساس بالسكينة داخلك.

يسعى تقليد التأمل المبني على الاسترخاء أيضاً إلى زيادة تركيز وإثارة العقل بمساعدة الكوآن، والتي هي نطق مفارقة أو لغز (“ينظر الحمار إلى البئر، وينظر البئر إلى الحمار. دون هرب). لكن بينما تؤدي المانترا إلى إعادة ترتيب الأفكار، فإن الكوآن، على العكس من ذلك، تجبر “المتأمل” على الذهاب إلى نهاية تفكيره حتى يصطدم بالواقع ويصل إلى صلب الموضوع. وفي كلتا الحالتين، يتحرر العقل من اضطراباته اليومية.