كيف نفسر نجاح التنظيم المنزلي؟

استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

لا شك في أنك قد سمعت عن ماري كوندو. تشرح “مدبّرة المنزل” هذه كيفية تنظيم منزلك فقط من خلال إبقاء الأغراض التي تجعلنا سعداء. زاد المسلسل الذي حقق نجاحاً كبيراً على نتفليكس، من شعبية ظاهرة فتية لا تزال غير مألوفة (معروفة على نطاق ضيق) وهي: التنظيم المنزلي. ما هي توقعات المستهلكين حيال هذه الخدمة؟ كيف يتعايشون مع ضرورة اللجوء إلى هؤلاء المحترفين؟ للإجابة على هذا السؤال، أجرينا سلسلةً من 15 مقابلة مع محترفين في مجال التنظيم المنزلي في فرنسا. كان الهدف هو فهم مهنتهم، وتحدياتها المتعلقة بالأزمة البيئية على وجه الخصوص، وتوقعات عملائهم، وخاصةً فئة النساء.

عالم من النساء

مقال نُشر على موقع “ذا كونفيرسيشن” من قبل فاليري جيار؛ وهي أستاذة جامعية (في علوم الإدارة)، بجامعة باريس دوفين –  جامعة باريس للعلوم والآداب.

لأنه أولاً وقبل كل شيء، فهي مهنة نسائية موجهة للنساء. على غرار مهن الرعاية التي ترتبط بها هذه المهنة، فهي “مخصصة في الأغلب للنساء، وتشكل النساء 95% من زبائني”، كما يتضح من مقابلة أحد منظمي المنازل.

لماذا؟ لأنه -وكما يشرح لنا أحد المحترفين- فإن “التنمية الذاتية أمر يخص الفتيات؛ إذ تريد النساء التفوق على أنفسهن، بينما سيقول الرجال (انتظر، إن الأمور المنزلية لا تهمني!)؛ إذ ما تزال الشؤون المنزلية شأناً أنثوياً للغاية”. أما الرجال، فيلجؤون إلى منظمي المنزل، “لأن لديهم نتاج ثلاث سنوات من الأوراق الإدارية غير المصنفة، ومن ثم يدركون في لحظة ما أن الأمور لم تعد تسير على ما يرام”.

يلجأ بعض الأشخاص إلى منظمي المنازل لأنهم يشعرون بالاختناق من رؤية الخزانات تمتلئ بالأغراض. هذا ما يشرحه متخصص آخر في مجال تنظيم المنازل:

“لقد سئموا كل هذه الفوضى ويحتاجون إلى المساعدة لأنهم لا يعرفون من أين يمكنهم البدء”.

وقد تفاقم هذا الشعور منذ بداية إجراءات الحجر المنزلي والتحول إلى العمل عن بعد؛ إذ يمكن العمل في المنزل من وقت لآخر على طاولة المطبخ، أما العمل في المنزل بانتظام، لعدة أيام في الأسبوع، فيتطلب مكاناً مخصصاً وممتعاً وأنيقاً وغير مزدحم.

اقرأ أيضاً: فوائد التأمل للصحة النفسية.

ترتيب المنزل للشعور بتحسن

يلجأ الآخرون لمنظمي المنازل لأنهم يمرون بحالة من الانهيار النفسي، سواء حالة من الإرهاق، أو الفصل من العمل، أو الطلاق، أو حادث ما، أو حداد أو حتى إجازة الأمومة، أو الانتقال من مكان لآخر، أو الترقي الوظيفي – باختصار كل ما تشمله الحياة (مسائل الوجود).

إن إفساد (كسر) الوتيرة المتسارعة المعتادة التي تميز نمط حياتنا، أو حتى الانفصال عن نهج ما في الوجود والحياة، وتعريف الذات، وتحديد موقعها ووضعيتها، يدعونا إلى مراجعة الذات ومساءلة صلاتها وروابطها؛ بما في ذلك تلك المتعلقة بالأغراض .

وبالتالي، فإن هذا التحول الداخلي الجاري؛ والذي ليس بالضرورة أن يكون واعياً بعد، هو الذي يدفعنا إلى اللجوء إلى منظم منزلي – مثلما أشار أحد مَن جرت مقابلتهم:

“عندما أبدأ العمل في منزل أحدهم، أعلم أن حياته ستتغير، فكل شخص يرسم طريقه. أتلقى ردود أفعال من عميلاتي يقلن فيها “لقد تغيرت حياتي منذ أن دخلتها”. في الحقيقة؛ الأفراد هم من يبذلون المجهود، ومن ثم فهم المسؤولون [عن التغيير الواقع]، أنا لست سوى أداة”.

أخيراً؛ لا يزال التأطير الإعلامي لمسألتيّ الفوضى والتكديس سلبياً إلى حد ما؛ ما يعزز من مزايا خطاب آخر ينادي  بالخفة والبساطة والرصانة والاعتدال.

يدرك بعض الناس عند ذلك أنهم سيكونون أفضل حالاً في بيئة ومحيط أقل ازدحاماً. يذكر منظم منزل في دراستنا ما يلي:

“لقد أسدت لنا ماري كوندو معروفاً كبيراً، فقد جعلت الناس يدركون علاقتهم بالأغراض”.

لكن عملياً؛ لماذا تدفع مالاً للمساعدة في تخفيف العبء عنك؟ تذكر إحدى النساء اللّاتي جرت مقابلتهن:

“في أغلب الأحيان؛ أكثر ما يحتاجون إلي فيه هو الفرز”.

القيمة العاطفية للأغراض

من خلال نشاط الفرز؛ يمكن تمييز منظم المنزل عن عاملة التنظيف، وهو نشاط محير أغلب الأحيان؛  إذ تقوم هذه الأخيرة بإزالة الغبار، وإعادة بعض الأغراض إلى أماكنها أو إلى مكان آخر في المنزل، ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن تقوم عاملة التنظيف بفرز الأغراض ورميها.

يتطلب الفرز الموافقة على التخلي عن الأغراض والانفصال عنها. تحمل الأغراض روابط معينة. “لا يزال بوسعنا استخدامه”، “إنه يذكرني بالعديد من الأغراض”، أو حتى “لقد دفعت ثمناً باهظاً مقابل هذا” هي مبررات صاغها الأشخاص الذين “يحتفظون بكل شيء”، والذين التقينا بهم بهدف تأليف كتاب “الاحتفاظ بالأغراض بأي ثمن” (من إصدارات دار فيبر/فنيج للنشر).

تبلور الأغراض بالفعل الذكريات والمشاعر والعلاقات الاجتماعية والأموال والهوية والماضي وما إلى ذلك، وبما أن الأغراض هي امتداد للذات، فإن فقدانها يمكن أن يؤدي إلى الشعور بالانفصال عن جزء من الذات؛ ما يؤدي إلى الشعور بالهجر، والفقدان.

يهدف دور منظم المنزل إلى حث العملاء على التعبير عن معتقداتهم حول الأغراض، وتوضيح أنه يمكننا أيضاً التفكير بشكل مختلف في علاقتنا بهذه الأغراض. كما توضح إحدى منظمات المنازل: “رفضت إحدى العميلات التخلص من قشرة( لا يتضح المقصود تحديداً)  قديمة صنعها شقيقها الصغير عندما كان في الرابعة عشر من عمره وقد توفي الآن. لقد أجبرت نفسها نوعاً ما على الاحتفاظ بتلك الذكرى، ثم جاء دوري لأظهر مدى السخافة والتناقض في هذا الاعتقاد. يحتفظ العملاء بأي شيء وكل شيء، حتى دون طرح سؤال حول قيمة هذه الأغراض وفائدتها والمتعة في امتلاكها”.

إن الحديث عن الأغراض يجعل من الممكن ربط التجارب الداخلية المختلفة (التأثير، الفكر، الإحساس) وتسجيلها في مسار الحياة؛ إذ تجعل التجربة والنظرة الذاتية للأغراض من الممكن طرح مسألة المعنى، والاتساق بين ما يكون عليه المرء وما يريد أن يكون وبين ممارساته.

تصف إحدى النساء اللاتي جرت مقابلتهن ما يتوقعه العملاء من منظم المنزل: “إنهم يبحثون عن إذن رسمي بالتخلص من أغراض معينة ، أو تأكيد لشيء يتوقعونه؛ ولكن دون أن يجرؤوا على اتخاذ خطوة الانفصال عن الشيء”.

دليل الفرز والتنظيم

إحدى توقعات العملاء الأخرى تتعلق بكون منظم المنزل هو المسؤول عن الفرز بدلاً منهم؛ لكن هذا غير ممكن في هذه الحالة! أخصائي الترتيب يرافق، ويوجه، وينصح، ويساعد في اتخاذ هذا القرار المتعب والمعقد لكل غرض (الاحتفاظ به أو التخلص منه؟)؛ ولكنه لا يفعل ذلك بأي حال من الأحوال “بدلاً من صاحب المنزل”.

توضح إحدى منظمات المنازل كذلك أنه إن لم يسر الأمر على هذا المنوال “فإنه لا يستمر، فالفوضى والتكديس يعودان بسرعة، والهدف من التنظيم ليس العودة إلى نفس المكان، فأنا لا أعود أبداً إلى عملائي، لأنه وبعد العمل الذي قمنا به عاً، أصبحوا يعرفون كيف يفعلون ذلك بدوني، فقد تعلموا”.

وأخيراً، يعد الوصول إلى مكان مرتب للعيش فيه الهدف النهائي للعملاء، كما توضح إحدى النساء اللاتي جرت مقابلتهن: “بمجرد أن يعرفوا كيفية الفرز، تختفي العوائق أمام الترتيب (لا تكون هناك مشكلة بشكل عام في الترتيب)، فالترتيب بسيط، يجب فقط  تجميع الأغراض حسب الفئات”.

تظل الفئات ذاتية، ويصعب تحديدها في بعض الأحيان (هل تُصنف الكتب حسب الألوان؟ أم الموضوعات؟) إلا أن تجاوزها، قد يخلق تلوثاً رمزياً أو فوضى بعبارة أخرى.

يرى منظم المنزل أن التنظيم الأمثل للأغراض هو ما يتماشى مع نمط حياة المنزل الذي يؤدي إلى رفاهية معينة؛ إذ يؤكد المتخصص:

“يتجلى ترتيب المكان شيئاً فشيئاً؛ إذ يجدون متعةً في العيش في منزلهم أو شققهم”.

باختصار؛ يعمل نشاط منظمي المنزل على زيادة الوعي بتبديد الأغراض، ويساعد في توجيه المستهلكين نحو مسار آخر؛ وهو الاستهلاك الرصين والمعتدل.