كيف نصنع من خوفنا قوة؟

الخوف
الخوف
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

يمكن أن تصبح مخاوفنا نقاط قوة ودعم للتحرك نحو المستقبل بثقة تامة. ولكن كيف يمكن أن يكون الخوف قوة؟ في هذا السياق تحدث أحد الصحفيين عن مخاوفه الخاصة للفيلسوف تشارل بيبان والطبيبة النفسية السلوكية أوريليا شنايدر. وفيما يلي أهم ما جاء في جلسة الحوار الثلاثية.

نفسيتي: سأخبركما بأكبر مخاوفي وأود منكما مساعدتي على فهمها، وقبل كل شيء التغلب عليها. أول مخاوفي تماماً مثل 38% من الفرنسيين؛ أخشى أن أجد نفسي عاطلاً عن العمل، لا سيما في وضع محفوف بالمخاطر.

تشارل بيبان: في الحقيقة يمكن أن يتزعزع استقرارك بعض الشيء مثل أي شخص آخر أو ربما لن تكسب أموالاً كما كنت في السابق؛ لكن في كل الأحوال لن يصل بك الوضع إلى أن تتشرّد، وهذا ما ينبغي أن يعلمه أغلب الناس الذين يشعرون بهذا الخوف بالتحديد. ولا شك في أن وسائل الإعلام صورت لنا الأزمة بشكل خطير إلى درجة أن يتملّكنا الخوف حتى من التواجد في الشارع؛ ولكن ببساطة هي مخاوف عميقة تتعلق على سبيل المثال بالمعنى الحقيقي للحياة وليس مجرد القدرة على إعالة الذات مادياً أو اجتماعياً.

أوريليا شنايدر: إن خوفك افتراضي إلا إذا كنت حقاً بصدد العيش في وضع حياتي محفوف بالمخاطر، وهذه ليست حالتك. وبصفتي معالجة نفسية لا يمكنني طمأنتك بقول: "لن يحدث لك هذا أبداً؛ لكن في الوقت الحالي السؤال الرئيسي الذي يجب طرحه ليس له أساس وجودي لأن هذا الخوف على أرض الواقع مجرد تخمينات لا غير. يتراءى لك أنك خائف من شيء محدّد ولكنك تشعر بهذا الخوف بسبب أمر آخر. وحتى لو كانت هناك أزمة اقتصادية مقلقة فيجب أن تراجع وضعك بموضوعية متسائلاً: "ما هي المخاطر الحقيقية بالنسبة لي؟ هل مررت بفترات من عدم اليقين المهني؟ هل يمكنني أن أجعل هذا الخوف قوة دافعة في حياتي؟".

تشارل بيبان: لا يمكن أن يكون لكل مشاعر الخوف التي تخالجنا مصدر أساسي. لكن للتغلب على مخاوفك ينبغي أولاً قبول حقيقة عدم قدرتك على مواجهتها.

أوريليا شنايدر: الوعي بالخوف هو الخطوة الأساسية الأولى للتغلب عليه. إن إدراك الضعف في هذه اللحظة طريقة لتكون أكثر صلابة، وذلك من خلال مواجهته دون تردّد. هذا لا يعني أن المرء لن يكون أكثر قلقاً لكن معرفة الذات تساعد بشكل كبير على مواجهة صعوبات الحياة.

تشارل بيبان: يتعلق شعور الخوف بما يُخالج نفسك أو بالأحرى برغبتك. لذلك عادة ما تدل مخاوفنا على ما نُفكّر فيه على أساس يومي أو ما نرغب فيه ولا نستطيع القيام به. في هذا السياق يقول المحلل النفسي جاك لاكان: "الهدف من التحليل النفسي أن يجد المرء طريقاً لتلبية رغباته من خلال صدقه وإخلاصه مع ذاته". في ذات الصدد، تفرض بعض الفلسفات، بما في ذلك فلسفات نيتشه، شرط الإخلاص للنفس. لذا ربما عندما يصيبنا الشلل من شدة الخوف فإن الإخلاص للنفس يسمح لنا بفهم وتحليل هذه المخاوف.

اقرأ أيضا:

لكن بعض المخاوف موضوعية للغاية؛ على سبيل المثال تلك التي أشعر بها تجاه مستقبل أطفالي.

تشارل بيبان: أريد أن أخبرك أن هذا النوع من المخاوف "جميل". يبدو لي أنه خوف صحي وعقلاني أكثر من خوفك من فقدانك لوظيفتك، لأن خوفك على أطفالك يثبت خصالك الإيثارية، بينما الخوف من فقدان عملك ينطوي على جانب أناني في شخصيتك.

كفيلسوف، كيف تطمئنني؟

تشارل بيبان: هذا الخوف النابع من خصال الإيثار يسمى أيضاً الضمير الأخلاقي أو المسؤولية التاريخية، وهنا حدد كانط عظمة الإنسان. ما أنصحك به أولاً هو أن تحب هذا الخوف لأنه يزيد من نُضجك. بعد ذلك تصرف كما لو أنك تعيش من أجل أطفالك فحسب، متحمّلاً مسؤولية منحهم الحياة.

ما معنى هذا؟

تشارل بيبان: عليك أن تتعلم كيف تكون شخصاً صالحاً حتى لا تؤذي الأشخاص من حولك، وربما تمدّ لهم يد العون بدلاً عن ذلك. تدعونا فلسفة معينة، خاصة فلسفة كانط، إلى أن نسأل أنفسنا: "ماذا يجب أن أقول؟ ما السر العائلي الذي يجب أن أفصح عنه قبل أن أموت؟ لذلك، عليك أن تعلّم أبناءك قبل وفاتك مبادئ الحياة الأساسية. كما أنه من الضروري أيضاً نقل القيم على غرار الصدق أمام الذات والحرية. فمن خلال سيرك في هذا الاتجاه ستلاحظ أن خوفك يتبدّد.

هل تعليم الأطفال مبادئ الحياة سيجعلها خالدة مع الأجيال القادمة، وربما هكذا نكون أقل شعوراً بالخوف بشأن مستقبلهم؟

تشارل بيبان: أفضّل الحديث عن الأبدية أكثر من الخلود. الخلود هو الحياة التي تدوم إلى الأبد، وينشأ من خلال نوعية اللحظة أو القيمة التي ندافع عنها أو ننقلها. وللتغلب على هذا الخوف من ترك من نحبهم ينبغي أن نحاول الاهتمام بما قد يكون أبدياً في علاقتنا بأطفالنا.

وأنتِ، أوريليا شنايدر، بماذا تنصيحنني كخبيرة سلوك؟

أفضّل دعوتك لتسأل نفسك ما إذا كان خوفك بسبب أو دون سبب. هل أنت قلق من أن يكبر أطفالك بمفردهم دون وجودك معهم؟ إذا لم يكن هناك في هذه اللحظة سبب خطير يجعلك تشعر بهذا الخوف، فخوفك إذاً لا معنى له حتى لو كان نابعاً من خصالك الإيثارية. في كلتا الحالتين أنت تتألم وسأعالج كل مخاوفك بنفس الطريقة.

كيف ذلك؟

يمكنني أن أعلّمك كيف تتعامل مع شعور عدم اليقين بشكل أفضل، وبالتالي فإن شعور المخاطرة بالحياة الذي يقلقك يصبح أقل إزعاجاً. إنها مسألة تتعلق باكتشاف ما إذا كان الموقف الذي يخشاه المرء موجوداً بالفعل في الوقت الحالي أو غير موجود. إنه عمل معرفي يقوم على نظام تفكير الشخص؛ ما يساعد على قبول المخاطرة بدلاً عن استبعادها وتجنبها، ثم التشكيك في أسباب قلقه.

لكن ما الذي يمكن أن يكون مفيداً في خوفي؟

يفيدك الخوف إذا كان يشجعك على الاستعداد لمستقبل أطفالك وإيجاد حلول مالية وقانونية، والهدف من العلاج هو إجراء هذا الفرز بين الخوف المفيد والسام.

ثم إن التعود على العيش في خطر هو أيضاً فكرة الرواقيين أو نيتشه، حتى لو لم يتطرق هؤلاء الفلاسفة أبداً إلى مسألة الخوف من الموت، تاركين أطفالهم يترعرعون بمفردهم. لكن بالنسبة لحلول نيتشه فهي ممتازة للغاية. إنه ينصح بألا تخاف من حتمية موتك وتقوم بقياس وجودك من خلال شدة اللحظة التي تعيشها؛ والتي دائماً ما تكون ممتعة وغير سارّة في ذات الوقت. أخيراً ينبغي أن يعلم الآباء أن سعادتنا لا تكتمل أبداً؛ إنها دائماً ممزوجة بالقلق.

إذا فهمت كلامك بشكل صحيح، فالطريقة التي يمكن أن تساعدني على التغلب على خوفي هي تعلم كيفية العيش في الوقت الحالي؟

تشارل بيبان: يؤكد جان بول سارتر أن المرء دائماً يتوقع القلق قبل حدوثه، ويستشهد بمثال المرأة التي يعتريها خوف رهابي من الذهاب إلى النافذة. وفي الحقيقة يعارض سارتر فرويد ويقول: "لا يتعلق مصدر خوفنا بالماضي وإنما بالمستقبل". وفي الحقيقة، إنه شعور بالخوف يعرقل حريتي وقوتي؛ ولكن ليس ما أستطيع القيام به في مواجهة الخوف.

أوريليا شنايدر: يدور العلاج السلوكي حول مساعدة المتلهفين على العيش في اللحظة الحالية، مع أخذ تجارب الماضي الإيجابية في الحسبان.

خوفي الآخر يتمثل في احتمالية عدم عيشي "حياة طيبة".

أوريليا شنايدر: نحن لسنا سواسية في مواجهة هذا القلق، فبعض الناس لا يفعلون شيئاً ولا يطرحون على أنفسهم أي أسئلة. أما القلقون، على العكس من ذلك، فلديهم شعور بعدم القيام بمهامهم بما يكفي، وبعبارة أخرى يبحثون عن الكمال.

تشارل بيبان: أن ترضى بما هو موجود فهذا من مذهب الأبيقورية. ومن المسلَّم به أن يفعل المرء ما يريد وبالطريقة التي يراها صحيحة، فالوجود والحياة في حد ذاتهما معجزة.

أوريليا شنايدر: من المثير أن نقدّر أننا حققنا إنجازات عظيمة أو بسيطة، في الحياة. كما أن التوقف عن مقارنة نفسك بالآخرين أمر مهم للغاية يساعد على تجنب الضرر الناتج عن ذلك.

تشارل بيبان: تتجسد السعادة بين من أكون وما مدى إخلاصي لرغبتي العميقة؛ ولكن لا يزال يتعيّن عليّ أن أجد هذه الرغبة.

أوريليا شنايدر: يمكن أن تتأرجح السعادة بين من أكون ومن أنا بالنسبة للآخرين، وربما يكون الاعتراف بالنقص والكسل هو السر.

وأنتما، ما هي أكبر مخاوفكما؟

تشارل بيبان: أخشى أن تمر الحياة بسرعة كبيرة ويأتيني الموت قبل أن أقوم بكل ما عليّ فعله.

أوريليا شنايدر: ليست لدي مخاوف كبيرة لكن لدي الكثير من المخاوف الصغيرة؛ مثل أن قطعة الخس التي سأضعها في فمي غير نظيفة بما يكفي أو أنني يجب أن أبتسم لمحاوِري دائماً. من جهة أخرى يجب أن أعترف أن ممارسة العلاج المعرفي السلوكي سمحت لي أن أكون أكثر هدوءاً في مواجهة العناكب الكبيرة!