هل تشعر بأنك منفصل عن الواقع وغريب عن ذاتك؟ إليك سبب ذلك والحل

5 دقائق
الاغتراب عن الذات
(مصدر الصورة: نفسيتي، تصميم: إيناس غانم)
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

ملخص: يمكن أن ينشأ الاغتراب عن الذات؛ وهو حالة من الشعور بالانفصال عن الذات والعواطف، بسبب عوامل مختلفة أهمها التعرض للصدمات في مرحلة الطفولة، وسنتعرف في هذا المقال إلى أسباب هذه الحالة وأعراضها وكيفية علاجها.

قد تبدو حالة الاغتراب عن الذات أو الواقع ظاهرة عميقة ومحيّرة؛ فغربة الروح التي نقرأ عنها أحياناً في النصوص الشعرية أو النثرية لأدباء ومبدعين معروفين ربما ترتبط بحالة نفسية يعرّفها علم النفس بـ "الاغتراب عن الذات"، وهي حالة مرتبطة بعوامل مختلفة؛ من بينها الأسباب النفسية والظروف الاجتماعية مثل التعرض لتجارب مؤلمة في الطفولة، فماذا يعني إذاً أن يشعر شخص بأنه غريب عن أفكاره وعواطفه، أو كأنه يشاهد نفسه في شريط سينمائي؟ وكيف يمكن علاج هذه الحالة؟ هذا ما سنتعرف إليه في المقال.

ماذا يعني الاغتراب عن الواقع أو الذات؟ وما أنواعه؟

يشير الاغتراب عن الذات أو النفس وفق جمعية علم النفس الأميركية (American Psychological Association)، إلى التباعد والانفصال العاطفي الكبير بين الفرد ونفسه دون إدراك منه؛ حيث يكون غير قادر على وصف ما يحدث داخل نفسه، فيتولّد لديه شعور بأنه غريب عن نفسه أو واقعه.

وقد يعيش الأفراد الذين يعانون الاغترب النفسي (Psychological Alienation) صراعات داخلية، ويكافحون مع المواقف والقيم المتباينة، ويصبح هذا واضحاً على نحو خاص عندما يتعارض نظام المعتقدات الذي تشكّل خلال سنوات تكوينهم مع التطور السريع للمجتمع ومتطلباته.

وبينما يسعى الأفراد إلى التكيف مع هذه التغييرات، فقد ينأَون بأنفسهم عن تقاليدهم؛ ما يؤدّي إلى الشعور بالذنب والشك والارتباك والضيق، وقد تؤدي هذه العملية إلى فقدان احترام الذات، وفي أقصى مستوياته يمكن أن يظهر الاغتراب النفسي بوصفه حالة مرضية واعتلالاً اجتماعياً.

ويشير خبير السلوك البشري والعلاقات، باتريك وانيس (Patrick Wanis)، إلى 4 أنواع من الاغتراب وهي:

  1. الاغتراب عن الطبيعة: تدعم الطبيعة الإنسان وتعكس دورة الحياة، ويتواصل معها الأطفال على نحو طبيعي؛ لكن يمكن أن يفقدوا ذلك التواصل عند الكبر، فيتجاهلونها أو ينفصلون عنها أو يتسببون بالأذى لها.
  2. الاغتراب عن الناس: يمكن أن يؤدي الاغتراب عن الناس إلى ظهور مشاعر الرفض ونبذ الذات أو رفض الآخرين، ويعاني المراهقون غالباً الاغتراب عن الناس خلال محاولتهم إثبات هوياتهم ومكاناتهم في المجتمع، أو التمرد على سيطرة المدرسة أو الوالدين أو المجتمع. وكذلك، يمكن أن يعاني الأطفال الذين يواجهون التنمر أو الإساءة نفوراً كبيراً؛ لذلك نجد أن الصدمات وتجارب الطفولة المعاكسة (Adverse Childhood Experiences) تسهم في الشعور بالعزلة والضياع.
  3. الاغتراب عن المعنى والهدف: قد يدرك البعض أن وظيفته تفتقر إلى التحدي والإبداع والأهمية والتقدير فيشعر بالفراغ والانفصال؛ حيث يضفي الارتباط الشخصي بالعمل، إحساساً بالمعنى والإنجاز. وكذلك، يمكن أن يؤدي عدم التقدير من قبل الآخرين إلى الشعور بانعدام القيمة والاغتراب، إضافة إلى أن الاعتقاد بأن الجهود المبذولة ليس لها أي تأثير، والشعور بالعجز عن تحقيق النتائج، يغذيان مشاعر الاغتراب.
  4. الاغتراب عن الذات: تحدث هذه الحالة عندما يشعر الشخص بالانفصال عن مشاعره واحتياجاته ورغباته؛ حيث يمكن أن يمتد هذا النقص في الوعي الذاتي إلى الأنواع السابقة الذكر من الاغتراب، فيُفاقم الشعور بالانفصال؛ إذ يؤدي ذلك إلى فقدان الثقة بالنفس، وتجاهل الغرائز والحدس، وإعطاء الأولوية لآراء الآخرين على الرغبات والمشاعر الشخصية.

اقرأ أيضاً: اضطراب الآنية: حين تنفصل الروح عن الجسد بلا موت

ما الذي يسبب الاغتراب عن الذات؟

توضّح الباحثة والمعالجة النفسية، كارين وودال (Karen Woodall) إن تجربة الاغتراب الذاتي منتشرة عند بعض الأطفال ولا ينتبه العديد من المتخصصين إلى جذورها. وتعزوها وودال إلى إلى أسباب مثل طلاق الوالدين؛ حيث يضطر الطفل إلى مسايرة أحد الوالدين على نحو مفرط؛ ما يخلق لديه ذاتاً زائفة كآلية دفاع نفسية.

غير أن تطوير هذه الآلية نتيجةً لسوء التكيّف بسبب أحد الوالدين المتحكم، يؤدّي إلى سلوك صارم وقوي لدى الطفل من خلال تقسيم إحساسه بذاته، فيساير الطفل الوالد المسيطر الذي يُنظر إليه على أنه جيّد، ويرفض الوالد الأقل تحكّماً الذي يُنظر إليه على أنه سيئ، وبذلك تعمل الذات الزائفة كدرع واقٍ لأنا الطفل؛ لكنّها تعوق إعادة الاندماج والتعبير الحقيقي عن نفسه، ويُعد هؤلاء الأطفال ضحايا صدمة العلاقة السيئة التي تتسم بالسيطرة من جانب أحد الوالدين.

ويمكن أن يحدث الاغتراب كنتيجة لعوامل مختلفة مثل الاضطرابات النفسية وبعض الظروف الاجتماعية. ونلخص تلك الأسباب في:

  • أسباب صحية: قد يؤدي بعض المشكلات الصحية مثل حالات الألم المزمن واضطرابات الصحة النفسية مثل القلق، والوسواس القهري، والفصام، واضطراب ما بعد الصدمة، إلى الشعور بالانفصال أو الاغتراب.
  • ظروف اجتماعية: قد يسهم التغيير في البيئة مثل تغيير الوظيفة أو المدرسة، في الشعور بالانفصال عن النفس أو الآخرين أو البيئة المحيطة.
  • أسباب مرتبطة بالعمل: يحدث هذا النوع من الاغتراب عندما يشعر الشخص بالغربة عما يُنتجه في مكان عمله، وقد يكون ذلك نتيجة طبيعة العمل نفسه، أو بسبب زملاء العمل أو بيئة العمل.
  • أسباب مرتبطة بالمراهقة: يشعر المراهقون بالاغتراب على نحوٍ شائع كأحد الآثار الجانبية للتعلّق بأحد الوالدين، أو الخروج من منطقة الراحة، أو تنمّر الأقران، أو كواحد من تحديّات النمو بصفة عامة؛ لكن من المهم تحديد ما إذا كان شعور الاغتراب لديهم يصاحب أعراضاً أخرى لاضطرابات مثل الرهاب أو اضطراب الشخصية أو لا.
  • أسباب مرتبطة بالوالدين: قد يسبّب غياب أحد الوالدين، لا سيما في سياق الطلاق، أو سلوكياته السلبية، اضطراباً نفسياً عند الطفل يُدعى "الاغتراب الأبوي" (Parental Alienation). وفي بعض الأحيان، يمكن أن يكون تفسيراً لرفض الطفل زيارة أحد الوالدين؛ لكن لا تنطبق هذه الحالة على الاغتراب الذي قد يشعر به الطفل تجاه أحد الوالدين الذي يسيء معاملته، وبخاصة إذا كان سيقطع علاقته معه عندما يكبر.

ما علامات الاغتراب عن الذات؟

تترافق مع الشعور بالاغتراب عن الذات سلوكيات مثل التباعد عن العمل والأسرة والأصدقاء، وتصاحبه أعراض اكتئابية أهمها: اضطرابات الشهية والنوم والتعب، والشعور باليأس وتدنّي تقدير الذات. وتتمثّل بقية الأعراض فيما يلي:

  • الشعور بالاختلاف أو الانفصال عن أي شخص آخر.
  • الشعور بالعجز.
  • الشعور بأن العالم فارغ أو لا معنى له.
  • الشعور بالإهمال في المحادثات أو الأحداث.
  • مواجهة صعوبة في الاقتراب والتحدث إلى الآخرين.
  • الشعور بعدم الأمان عند التعامل مع الآخرين.
  • رفض الانصياع للقواعد.

ما العلاقة بين الاغتراب عن الذات واضطراب الآنية أو تبدّد الشخصية؟

تشير الطبيبة النفسية المغربية، لبنى بوحولي إلى أن شعور الانفصال عن الذات يمكن أن يندرج ضمن العديد من الحالات النفسية التي يُشار إليها بمصطلحات مختلفة مثل "اضطراب الآنية"، أو "تبدّد الشخصية" أو "تبدّد الواقع"، وقد نعاني جميعاً مجموعة من الأحاسيس المرتبطة بالانفصال عن الواقع إثر حدث حياتي معيّن مثل موت عزيزٍ أو صدمة تثير توتّراً حاداً، فقد يصف الشخص الذي يعاني هذه الحالة أعراضه وكأنه يشاهد حياته في فيلم، وتؤكّد بوحولي إن هذه الحالة طبيعية وليست لها علاقة بالفصام أو الذهان.

لكن نقطة تحولها إلى حالة مرضية تحدث حين تصبح آلية تكيّف غير واعية من طرف الشخص لمدة زمنية طويلة لأنه لا يستطيع مجاراة واقعه أو حتى مشاعر معينة، وقد تحفز نوبات الهلع لديه أو الخوف الشديد مما يحدث له، فقد يتصوّر أنه بدأ يفقد عقله؛ لذلك من الضروري طلب الاستشارة الطبية للحصول على التشخيص الصحيح وبدء العلاج.

كيف يُعالَج الاغتراب عن الذات؟

لعلاج الاغتراب عن الذات علاجاً فعّالاً، من الضروري تحديد السبب الكامن وراءه؛ إذ يمكن أن يكون طلب الدعم من اختصاصي الصحة النفسية مفيداً لأولئك الذين يعانون ضائقة نفسية بسبب الاغتراب؛ حيث يؤدّي التمكين الشخصي دوراً مهماً في مكافحة شعور الاغتراب عن الذات.

بالنسبة إلى المراهقين، قد يكون إيجاد الإحساس بالهدف أمراً مرهقاً؛ لذلك يصنع دعم الوالدين فارقاً في حياة كلٍ منهم، ويساعدهم على مواجهة هذا التحدّي، والتخفيف من مشاعر الانفصال.

بالإضافة إلى ذلك، يمكن أن تساعد العلاقة القوّية بين الوالدين والطفل على التعامل مع التنمّر، وهو سبب محتمل آخر للاغتراب في مرحلة الطفولة، ومن الجدير بالتذكير أن الاغتراب قد يكون أحد أعراض مشكلة رئيسة، أو تأثيراً مؤقّتاً لتجربة الانتقال إلى بيئة جديدة.

اقرأ أيضاً: ما هو اضطراب الشخصية التجنبية؟ وكيف تتعامل مع المصاب به؟

في الختام، يمكن أن يؤثّر الاغتراب عن الذات أو الواقع في الصحة النفسية للفرد والرضا العام عن الحياة؛ لكن من خلال فهم الأسباب الكامنة والسعي إلى الحصول على الدعم المناسب، يمكن للأشخاص الذين يعانون هذه الحالة أن يتمكّنوا من إعادة التواصل مع ذواتهم الحقيقية، وتعزيز رفاههم وعافيتهم النفسية.