ما مدى قوة الحاسة السادسة لديك؟ إليك إجابة العلم

القوى الخارقة
(مصدر الصورة: نفسيتي، تصميم: إيناس غانم)
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

ملخص: هل يمكن للحدس، المعروف بـ “الحاسة السادسة”، أن يمنحنا نوعاً من القوى الخارقة كالحس الداخلي والاستبصار والقدرة على استشعار الأحداث قبل وقوعها؟ في نهاية التسعينيات، أجرى اثنان من كبار أطباء الأعصاب وهما أنطونيو داماسيو وأنطوان بشارة تجربةً أثارت ضجةً كبيرةً في أوساط علم النفس التجريبي وعلم خوارق النفس؛ إذ أشارت إلى أن بإمكان اللاوعي أن يستشعر حدثاً ما قبل وقوعه، فماذا كانت تفاصيل هذه التجربة؟ وكيف خلصت إلى هذه النتيجة؟

هل يمكن للحدس، المعروف بـ “الحاسة السادسة” أن يمنحنا نوعاً من القوى الخارقة كالحس الداخلي والاستبصار والقدرة على استشعار الأحداث قبل وقوعها؟ يقدّم لكم أطباء الأعصاب وعلماء الإدراك إجابةً علميةً عن هذا السؤال في المقال التالي.

في نهاية التسعينيات، أجرى اثنان من كبار أطباء الأعصاب وهما أنطونيو داماسيو (Antonio Damasio) وأنطوان بشارة (Antoine Bechara) تجربةً أثارت ضجةً كبيرةً في أوساط علم النفس التجريبي وعلم ما وراء النفس، ونُشرت في دورية “المجلة الأميركية للعلوم” (American Journal of Science) وهي من الدوريات العلمية الجادة. أشارت التجربة إلى أن بإمكان اللاوعي أن يستشعر حدثاً ما قبل وقوعه، وعلى هذا النحو فقد نمتلك جميعاً هذه الملَكَة دون أن نعلم. في البداية لم يكن للغرض من التجربة علاقة بالحدس أو أي من الظواهر الخارقة؛ بل كانت تهدف إلى رصد ردود أفعال الجهاز العصبي لدينا حينما يتعين علينا اتخاذ قرار محفوف بالمخاطر. ولهذا الغرض؛ استخدم فريق من قسم الطب بجامعة آيوا (University of Iowa) بالولايات المتحدة جهازاً لقياس التفاعلات الفيزيولوجية باستخدام قطبَين كهربائيَّين يوضعان في نهاية الإصبع. أرسل القطب الأول تياراً كهربائياً ضعيفاً جداً في حين التقط الثاني الكهرباء التي تمر عبر الجلد والتي تزداد كلما شعرنا بالتوتر، وهي ظاهرة طبيعية تماماً ناتجة من ترطيب اليدين الطفيف بسبب التعرق الذي يسببه التوتر، وعلى العكس من ذلك، كلما استرخينا أكثر قلت كمية الكهرباء التي تمر عبر الجلد.

تجربة لعبة تخمين البطاقات الرابحة

وُضعت أمام المشاركين في التجربة 4 مجموعات من البطاقات، وكانت في كل مجموعة بطاقات خاسرة وأخرى رابحة يمكن للمشارك الحصول على مبلغ من المال إذا نجح في تخمينها. بالطبع، لم يستطع أحد تحديد البطاقات الخاسرة؛ لكن الباحثين لاحظوا ظاهرة غريبة حيّرتهم: في معظم الأوقات، حينما كان اللاعبون على وشك سحب بطاقة خاسرة ظهر لديهم رد فعل ملحوظ في النشاط الكهربائي للجلد قبل اتخاذ قراراتهم؛ أي إن الجهاز العصبي لديهم تحفّز وأرسل “إشارات تحذيرية” لهم دون أن يكون ثمة أي احتمال منطقي لتخمين البطاقات الخاسرة كما لو أن عقولهم تمكنت من تخمينها، وخلص طبيبا الأعصاب إلى النتيجة التالية: “تشير هذه النتائج إلى أنه ثمة آلية لا واعية تتحكم في السلوك قبل أن تفعَل المعرفة الواعية، وتختلف هذه الآلية عن الآليات العصبية الأخرى”.

تجربة توقّع الصور المثيرة للتوتر

أعادت هذه التجربة إحياء سؤال كان محل نقاش بين الباحثين في علم النفس التجريبي لمدة 30 عاماً، ألا وهو: هل الحدس ملَكَة خارقة؟

سبق لكارل غوستاف يونغ أن أوضح إن الأحلام التحذيرية أو التخاطر يرتبطان بالحدس؛ لكن المعرفة تطورت وكذلك الأبحاث، وتقول مختصة علم النفس المعرفي وعلم نفس الأعراق البشرية، كريستين هاردي (Christine Hardy): “نميز اليوم بين نوعين من الحدس؛ الأول هو الحدس العقلي ومصدره البناء المنطقي اللاواعي الذي ينشئه العقل، والثاني هو في الواقع أقرب إلى ملَكَة خارقة لأنه يتجاوز أي احتمال للمنطق، وهذا ما نُطلق عليه الحس الداخلي”. لكن ما الدليل على هذا الكلام؟ تحدّثنا الباحثة السابقة في مختبر الأبحاث النفسية الفيزيائية في جامعة برينستون بالولايات المتحدة (psychophysical research laboratory of Princeton University) ومبتكرة نظرية الحقول الدلالية، كريستين هاردي عن تجربة أجراها أستاذ الفيزياء التجريبية البارز بجامعة أمستردام في هولندا، ديك بيرمان (Dick Bierman) بين عامَيّ 1997 و2005، وكان الغرض منها مواصلة المسار الذي بدأه داماسيو وبشارة، وكانت التجربة كما يلي: ثُبّتت إلى أصابع الطلاب المتطوعين أقطاب كهربائية وجلسوا أمام شاشة تعرض على نحو متتالٍ صوراً اختيرت عشوائياً بواسطة جهاز كمبيوتر؛ بعضها يستجلب الهدوء والسكينة في حين أن بعضها الآخر كان عنيفاً جداً. وخلصت هذه الدراسة الطويلة إلى نتائج أكيدة: ظهرت لدى معظم المشاركين استجابة فيزيولوجية للتوتر على نحو واضح قبل عرض الصور العنيفة عليهم، وتقول كريستين هاردي: “أُجريت تجارب أخرى من النوع ذاته في مختبرات مختلفة، وقد أكدتْ أننا نتمتع بقدرة فطرية تمكّننا من توقّع الأحداث”.

هل الحدس إذاً إحدى ملَكَات ما وراء النفس كما هو التخاطر والاستبصار والقدرة على استشعار الأحداث قبل وقوعها؟ لا، فالحدس هو إحساس مبهم وغير مستقر، في حين أن ظواهر ما وراء النفس تُظهر الصور أو تعطي معلومات دقيقة. وعلى الرغم من ذلك، بات بالإمكان اليوم اعتبار أن هذه الحاسة السادسة تشمل هذه الظواهر، فبمجرد أن ينشأ لدينا الحس الداخلي ويعطينا تفاصيل في شكل صور أو ومضات ثم نتأكد من صحتها فإن هذا الحس يتحول إلى قدرة حقيقية على استشعار الأحداث قبل وقوعها، لذلك فإن تعزيز الحدس يؤدي بطبيعة الحال إلى تطوير ملَكَات ما وراء النفس”.

الوعي ينتشر في الزمان والمكان

هذا بالضبط أحد استنتاجات تجربة جديدة بدأت أيضاً في إحداث الكثير من الضجيج منذ نشرها في عام 2011 في واحدة من أهم المجلات الأميركية المتخصصة في علم النفس. قاد هذه الدراسة المعقدة للغاية حول اختبارات الذاكرة أستاذ علم النفس في جامعة كورنيل (Cornell University) بالولايات المتحدة، داريل بيم (Daryl Bem) وقد أكدت الدراسات العلميةَ التي أُجريت على الحدس من قبل، جميعَها. لكن ليس هذا فحسب؛ إذ تضيف كريستين هاردي: “تشير الدراسة بوضوح إلى أن وعينا ينتشر في المكان والزمان؛ في الماضي والمستقبل، لذلك لدينا جميعاً في دواخلنا قدرة خفية على استشعار الأحداث قبل وقوعها”.