“فلافي فلامون” تشاركنا قصة تعرّضها للاغتصاب في طفولتها

فلافي فلامون
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

حطمت “فلافي فلامون” أغلال الصمت التي كانت تقيدها عندما نشرت كتابها “السلوان” (La Consolation)، الصمت القاتل عن الاغتصاب الذي كانت ضحيته في الثالثة عشر من عمرها. سنلتقي بالامرأة التي انبعثت إلى الحياة.

رأيناها تصل إلى مكان اللقاء تبدو مفعمةً بالحياة ومبتهجةً ودافئةً ويزينها شعرها الأشقر. عانقتنا بهدوء، وكان يهمها معرفة هل نشعر بحَرّ أو عطش شديدَين لقلقها علينا.

كان جمالها كلوحة فنية وكانت لطيفةً كأخت حنون، جلست وابتسمت وأشرق المكان بوجودها.

تساءلنا أكنا نحلم في أثناء قراءة النص المروع في كتابها “السلوان” الذي يصف المأساة التي عاشتها “بوبيت” (التي تعني دمية في اللغة الفرنسية)، وهذا كان لقبها في طفولتها التي أمضتها في منطقة “نورماندي”، مع عائلة من الطبقة المتوسطة.

أنّى لنا أن نتخيل أن هذه الشابة المفعمة بالحياة أُسيئَت معاملتها، وواجهت مختلف مصاعب الحياة؟ أو على وجه التحديد، أن “بوبيت” كانت الدمية التي يمكنك التقاطها ورميها في أي زاوية؟

ذلك بسبب الحقيقة الوحشية المرعبة التي تتمثل بأن “بوبيت” كانت دميةً للرجال منذ ربيعها الثالث عشر، وكان من المحتمل أن تقود هذه المأساة الفتاة إلى مصير أسوأ حينها.

تقول “فلافي فلامون”: “لقد تجاهلت ما يحدث. ولفترة كاملة كنت أصب غضبي مما أتعرض له على نفسي وأقتلع خصلات شعري. أصبت بفقدان الشهية بعد ولادة ابني الأكبر. استجمعت شتات أمري عندما بلغ وزني 46 كيلوغراماً كما ألزمتني به أمي عندما كنت في الثالثة عشر من عمري، ثم عاودت الأكل من جديد”.

للاستفاضة

ولدت “فلافي فلامون” عام 1974. بعد مسيرتها المهنية في تقديم البرامج التلفزيونية، اختارت أن تترك التلفاز لتستضيف البرنامج الإذاعي “قدرنا التعايش معاً” (We are made to get along) على محطة “آر تي إل” (RTL).

ألفت رواية “السلوان” تحت العلامة التجارية “لو تشيرش-ميدي” (Le Cherche-Midi)، وكتاب الأطفال “لولو النورس” (Lulu la mouette) لشركة “مانغو جونيس” (Mango Jeunesse).

لنفهم قصتها علينا الرجوع في الزمن. تعترف “فلافي” في كتابها: “لقد نشأت على فكرة أنني “سيئة”. كان والدي يطيل الغياب، ولم يكن يرغب برؤيتنا. وكانت والدتي تتذمر وتقول أنها تهدر حياتها في رعايتنا؛ لكنها كانت تعرف كيف تتصرف بلطف عندما يزورنا ناس في المنزل، لذا كانت تقبلني حينها وتداعب شعري، وكم أحببت ذلك”.

وتابعت الكتابة: “فقد أنساني ذلك أن الناس كانوا يرونني “غبيةً وقبيحةً” في الصباح”. لكن ها هي ذا أمامنا، ليست غبيةً ولا قبيحةً، وقد أصبحت فاتنةً عند بلوغها سن المراهقة.

في صيف عيد ميلادها الثالث عشر، في مصيف “كاب داجد”، شاهدها مصور في مقهى على الرصيف. وافقت أمها على مشاركتها في جلسات التصوير، فكانت توصلها إليه ثم تغادر.

بقيت الصغيرة وحدها أمامه، فحدث الأسوأ في غمرة صمت “فلافي”. طلبت منه والدتها بذل جهده لمواصلة جلسات التصوير التي وجدتها ناجحةً جداً.

استمر ذاك الكابوس خلال فترة من الإجازة، ثم تلتها فترة المشاركة بمسابقات ملكة الجمال (فقد توجت ملكة جمال مجلة “أوكيه!” (OK!)) التي اتسمت برحلات الأم وابنتها إلى باريس؛ حيث التقتا برجال آخرين.

ذبلت “فلافي” وفرّت إلى عالم خيالي. تعترف بقولها: “لقد كنت في حالة انفصال عن الواقع لفترة طويلة”.

تحمل في هاتفها صورةً لها في عمر 13 عاماً. فتاة صغيرة مفعمة بالأنوثة ذات جمال ملائكي. كانت نظرتها الغائبة في تناقض تام مع نظرته الباردة. تقول فلافي: “عندما عرضتها على طبيبي النفسي قال لي: “إنها لملامح المنفصل عن الواقع؛ الحاضر جسدياً، الغائب ذهنياً”.

تناست “فلافي” حتى تعيش

التناسي هو أسلوب عمل الدماغ تحت وطأة الصدمات، وهو ظاهرة تؤثر على 60% تقريباً من ضحايا الاعتداء الجنسي (المصدر: “رابطة الذكريات المؤلمة وعلم الضحايا”، أغسطس/آب 2010)، كما طرح المختصون موضوع “الذكريات المؤلمة”. أما من ناحية سلوك والدتها، فليس لديها أدنى فكرة عنه؛ إذ تقول: ” أجد صعوبةً إلى اليوم في فهم ما الذي دفعها إلى التصرف على هذا النحو، وما هي آليات اللاوعي التي كانت تهيمن عليها”. لماذا لم تتمرد “فلافي”؟ لماذا لم تتحدث مع والدها أو جدها المحبوب؟ أجابتنا: “مستحيل، عجزت عن ذلك. وجدت التزامي الصمت طريقةً أؤدي بها واجبي بصفتي فتاة”.

هربت “فلافي” من منزلها، ومن والدتها في عامها الـ 17، مع الرجل الذي اختارته شريكاً؛ لكنه كان أكبر منها سناً بكثير. أنجبت أول طفل لها في عامها العشرين، ودرست اللغات، وبدأت مسيرتها التلفازية التي لاقت نجاحاً باهراً، وأصبحت “فلافي” نجمة.

كانت دائماً صامتة، واستغرق الأمر سنوات لتعثر على توازن عاطفي، وقابلت أصدقاءَ خاطئين.

تقول في ذلك: “فقدت الإحساس بالأمان منذ طفولتي، مدتني حياتي الجديدة بالطمأنينة، وفي الوقت ذاته كنت أشعر بالضعف يجتاحني أكثر فأكثر، فالمرأة التي تقف أمام الكاميرات لم تكن أنا”.

كانت وفاة جدها العزيز سبب انهيارها، وقد تحدثت عن ذلك بقولها: “ظننت أنني سأموت في وسط الشارع، وأن قلبي يتمزق في صدري؛ لكنني حينها لم أربط بعد بين اختفاء الشخص الذي كان يدعمني والذي أحبني على حقيقتي، والرعب الذي شل حركتي فجأة”.

المصائب لا تأتي فُرادى، والأرق يزيد عذابي

“جربت جميع السبل للخروج من تلك الحالة؛ مثل المعالجين بالأعشاب ومختصي اعتلال العظام، والمعالجين بالوخز بالإبر، والأطباء النفسيين. كانت معاناتي دائمة، وحاولت أن أبدو على ما يرام أمام أطفالي وفي عملي”.

وأخيراً التقت “فلافي” بطبيب نفسي ماهر؛ والذي حسب اعترافها كان “الشخص الذي ساعدني في جمع شتات نفسي”. لقد تطلّب شروعها في السير على طريق العلاج شجاعةً، وسارت فيه خطوةً تلو الخطوة، وتصف ذلك بقولها: “إنها مغامرة نشارك فيها، وعمل نتعاون على تنفيذه، نحن نشارك في العلاج. إنه أمر مشوق؛ لكن عليك أن تتقبل أن تتعثر في بعض الخطوات”.

بقيتْ على ذلك الحال حتى اليوم الذي كانت تقلّب فيه صفحات ألبوم الصور في أثناء جلسة العلاج، وانزلقت منه بأعجوبة صورة فورية وسقطت على الأرض. كانت الصورة ذاتها التي أرتنا إياها “فلافي”، صورة الفتاة الصغيرة باهتة النظرات. التقطتها الشابة وعادت لها ذكريات الاغتصاب، عاود كل شيء دفنته في ذاكرتها على مدى أشهر إلى الظهور؛ إذ تقول: “لم يكن أمامي خيار سوى أن أكون بخير، فقد أخبروني أنها شَجاعة. لكن كلا، ليست كذلك على الإطلاق، فإما أن نواجه المشكلة أو نمنح أنفسنا وقتاً لنفهمها”.

كانت “فلافي” تستشير طبيباً نفسياً كل أسبوع لأنها عقدت العزم على التحرر من تلك الحالة، إضافةً إلى زيارتها لمختص في إزالة الحساسية وإعادة المعالجة عن طريق حركة العين (EMDR).

عندما كانت تستعيد ثقتها بنفسها، شعرت برغبة في كتابة هذه القصة، وتقول عن ذلك: “كنت بحاجة إلى إخبار النساء اللائي يمررن بمواقف مماثلة: “لا تستسلمي، وتحدثي عمّا جرى، وقدمي شكوى فيه”.

توجد أيضاً حاجة لتحريك سير الأمور؛ إذ تقول: “تكمن المأساة في اضطراركِ للإصرار على إسماع صوتك. وقد مررت بهذا مع عائلتي، وبعد ذلك أردت نسف هذه النسخة القذرة من حياتي التي امتدت 20 عاماً”.

كانت “فلافي” عبثاً تأمل أن تُراجَع فترة التقادم في عام 2014 للسماح لضحايا الجرائم الجنسية الخطيرة بتقديم شكوى بعد عيد ميلادهم الثامن والثلاثين (رفضت الجمعية في ديسمبر/كانون الأول عام 2014 مشروع قانون تعديل فترة التقادم للاعتداء الجنسي المقدَّم للنيابة العامة، الذي أقره مجلس الشيوخ).

هي تعلم أن حالتها ليست حالةً منعزلةً: يقع أكثر من 155 ألف فتى وفتاة دون سن 18 ضحايا للاغتصاب أو محاولة الاغتصاب سنوياً في فرنسا (المصدر: “أثر العنف الجنسي منذ الطفولة وحتى سن الرشد”، أصدرته “رابطة الذكريات المؤلمة وعلم الضحايا” بدعم من منظمة “اليونيسف”، مارس/آذار 2015).

لكن في القضايا الأكثر خطورة، لا يدرك الضحايا الحقائق التي جرت إلا بعد 40 عاماً. كيف ترأب جرحك والقانون يمنعك من تقديم شكوى؟ تقول “فلافي”: “ريثما  استجمعت قوتي كان الأوان قد فات. يجب ألا تسقط قضية العنف الجنسي بالتقادم” بدعم من منظمة اليونيسف، مارس/ آذار 2015).

حالياً وبعد 6 سنوات من العلاج النفسي تتألق “فلافي”

إنها تبلي بلاءً حسناً من الناحية الذهنية وفي وظيفتها في المذياع، لقولها: “أحب هذا البرنامج. أنا على تواصل بالمستمعين وأحاول تقديم عمل نافع وصادق”. وفي حياتها (أعيد تشكيل أسرة كبيرة)، رغم معرفتها أن تلك الندوب ستبقى محفورةً فيها مدى الحياة. تقول “فلافي”: “لقد قطعت كل صلة بما مضى، وحدث ذلك تدريجياً؛ إذ أنك لن تكسر قيود ما حدث دون عناء؛ لكن لم يعد لدي علاقة مع عائلتي، وكان عليّ أن أتعافى من أجل أطفالي، لم أكن أريدهم أن يتحملوا عبء ما حدث”. هل تسامح؟ وتتفهم ما حدث في طفولة والدتها؟ تجيب “فلافي”: “نعم، كنت أميل أن أذهب وأراها لكني استسلمت. أرفض تبريرها والصفح عنها. فإن مسؤوليتنا بصفتنا ضحايا أن نكسر هذه الحلقة المفرغة، حتى نتعافى”.