كيف تجعل فصل الخريف موسماً ممتعاً وغنياً؟

فصل الخريف
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

انقضت أيّام الصيف سريعاً وها قد لاحت تباشير الخريف، فهل تُدخلك شهور الخريف والشتاء في جوّ مُقبِض كئيب؟ الحل بسيط، اقطع الطريق أمام الحنين للأيام المُشمسة، واستفد من المُتع اليومية التي يقدمها لنا الفصل الذي نعيشه. نقدم لك في هذا المقال بعض النصائح لتستفيد إلى أقصى حد من فصل الخريف وطاقاته.
بمجرد دخول فصل الشتاء تقصر الأيّام وتتوارى الشمس خلف سُحب رمادية ثقيلة؛ إذ ما إن ينتهي موسم استئناف العمل والدخول المدرسي وما يصاحبهما من توتر حتى يأتي الضجر والإرهاق ليأخذا مكانهما. ما التدابير التي نلجأ إليها لمواجهة هذه الحالة؟

الاستغراق في التفكير في المستقبل، وتخيّل ما ستكون عليه العطلة المقبلة، والحنين بلا توقف لموعد الربيع فيما أعيننا معلّقة على الرزنامة تعدّ الأيام الباقية؛ قد تكون هذه وصفة ناجعة لكنها لا تخلو من المجازفة، فما الجدوى من إهدار نصف سنةٍ كامل سدىً في انتظار تحسّن الطقس؟

الخريفُ ليس نقيضَ المتعة

تنصح المعالجة النفسية بينيديكت لوني: “ليس للمُتعة فصل واحد! إن أكبر خطأ يرتكبه المرء هو أن يبقى حبيس بيته في انتظار عودة الطقس الرائق”. يأتي فصل الخريف مُحمّلاً بالخيرات التي قلَّما نلتفت إليها أو نستمتع بها، فكما توضح المعالجة النفسية: “يُمثل الاستمتاع بفصل الخريف ربما مشياً عكس تيّار المجتمع الذي لسان حاله: ها قد انقضى فصل الصيف، عليكم تسخير كلّ طاقاتكم الآن للعمل ولا شيء غير العمل”. وهذا واقعيّ إلى حدّ كبير؛ إذ نتسامح مع أنفسنا ونأخذ الحياة بجدية أقل ومتعة أكبر أثناء فصل الصيف لكن بمجرد أن تطأ أقدامنا فصل الخريف حتى تتوتر الأجواء.

الحقّ في ملازَمة المنزل والراحة

ما الخطوة الأولى؟ يبدأ كل شيء بالإنصات إلى ما تريده ذواتنا والاستجابة لهذا الصوت. هل نرغب في المكوث في منازلنا لوقتٍ أطول؟ هل نفكر في إعادة ترتيب ديكور البيت أم فقط الاستمتاع بالجوّ أمام المدفأة؟ لا شيء يضاهي ذلك متعةً! فالخريف هو فصل المكوث في البيت بامتياز، الوقت الذي ندخل فيه إلى شرنقتنا ونستسلم لأجوائه دون الشعور بالذنب.

يضيف المتخصص في علاج الشياتسو (Shiatsu)، لورون بيترلو: “في الفلسفة الطاوية، يُعتبر الخريف الشَّهرَ المخصصَ لحصاد ما زرعناه في الصيف وتذوق ثمرة مجهوداتنا؛ حيث نضع النقاط على الحروف ونعيد الأمور إلى نصابها ونرتّب كل شيء بما في ذلك دواخلنا وذواتنا. إذاً فلنأخذ الوقت الكافي لتأمّل محصولنا، سيخوّل لنا ذلك أن نحظى بشتاء هادئ حيث الحياة أخفّ توتراً”.

خيرات الخريف

الحصاد هنا ليس تعبيراً مجازياً أو رمزياً فحسب، ففي الخريف فعلاً يحين موعد القطاف وتنضج محاصيل العنب والحبوب والمكسرات، دون أن ننسى فواكه الموسم التي طال انتظارنا لها كالتين والكمثرى والبرقوق. أمامنا الخريف بأكمله للاستمتاع بهذه الثّمار، فلنأخذ القليل من الوقت ونفكر منذ متى أعطينا هذه الأطعمة حقّها وتذوقناها كما ينبغي؛ كما نفعل مع حبّات التوت في الربيع!

ما الذي يمنعنا من مهاداة أقربائنا بسلالٍ ناضحةٍ بهذه الخيرات لعلها تسهم في تلطيف كآبة الجو؟ تؤكد بينيدكت لوني : “يُعد فصل الخريف موسمَ الالتفاف رفقة العائلة في جوّ دافئ حول أكلةٍ ساخنةٍ أو الجلوس بين الأصدقاء لاحتساء مشروبٍ ساخن”.

اكتشاف الطبيعة والحركة المستمرة

ثمة عدة مناسبات تذكّرنا أنّ قتامة الجوّ في هذا الفصل لا تعني كآبته بالضرورة، فلا داعي للانعزال عن الآخرين والبقاء حبيس البيت. توصي المعالجة النفسية “على العكس، فالحلّ الأمثل هو التحمس لأيّ نشاطٍ يعيدنا إلى الواقع كي لا نعيش كثيراً داخل رؤوسنا وأفكارنا، وكي نبقى في تماس مع البيئة التي تحيط بنا”. ولنأخذ على سبيل المثال البَستنة التي لا تطرق بالنا كثيراً في هذا الفصل ولكنها مفيدة وتضفي جوّاً حيوياً سواء أخصصنا لها زاوية من الحديقة أو الشُّرفة.

لكن تُنبّه المعالجة: “ينبغي تحرّي الاعتدال في البستنة كي لا تتحول إلى مشروع زراعةٍ يجعلنا ملتصقين بالبيت مجدداً؛ كما أن الخريف فرصة مناسبة لإعادة إحياء العادات الأسرية والخروج في تمشيةٍ مع الأسرة في عطلة نهاية الأسبوع، فالمشي أكثر هدوءاً وأقلّ انغلاقاً من رياضة الجري؛ حيث يسمح بالحفاظ على حياة صحية من جهة، وإعطاء وقت للتنفس والاستمتاع بالطبيعة من جهة أخرى”. ويالها من طبيعة! إذ تكتسي أوراق الأشجار ألواناً ساحرة، ويصير للبحر رونق آخر ونحن نشرف عليه من الكورنيش فيما نتمشى. صحيح أن الخروج إلى الطبيعة يتطلب جُهداً وخصوصاً حين لا يسنح لنا الوقت؛ لكن المناظر والراحة النفسية التي يجلبها تستحق المحاولة”.

يوجه لنا لورون بيرتلو دعوة مفتوحة قائلاً: “اخرجوا للتنزه في الغابات بألوانها الساحرة، واستنشقوا ملء رئاتكم عبير الحياة البريّة. أغمضوا أعينكم واتركوا لهذه الرطوبة المنعشة حريّة أن تغمركم، اتركوا لهذه المشاعر أن تأخذكم في أعمق تجربة لاستكشاف فصل الخريف! تبقى الطبيعة بلا منافس الفضاء الأمثل للتزود بطاقة هذه الفصول، وفي حال كنت تعيش في الريف فافعل العكس؛ أدِر بوصلتك باتجاه المدينة واذهب لاستكشاف روعته هناك”.

إنها فرصة لتدرك أن الجمال يكمن في كل شيء؛ بما في ذلك فصل الخريف نفسه، وما عليك سوى مدّ روحك ويديك وجسدك لالتقاطه!