لست مرتاحاً في وظيفتك؟ فتش عن رئيسك في العمل!

المدراء
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

لا شيء يَمُدّ الموظف بالراحة في بيئة عمله كشعوره بالتقدير من مديره والإقرار بكفاءته. هذا هو الاستنتاج الذي خلصت إليه دراسة تناولت الرضا المهني. فكيف السبيل إلى الحدّ من ضغوط بيئة العمل حين نتعامل مع مدير عديم الكفاءة؟

توضح الدراسة المنشورة في هارفارد بزنس ريفيو المرموقة، ارتفاعاً في مستوى الراحة المهنية لدى الموظفين الذين يعملون تحت إدارة رئيس بإمكانه إنجاز مهامهم، فمعرفة أن مديرك خبِر واقع وظيفتك واحتكّ بها يُعتبر مبعث راحة بالتأكيد. أفضل المدراء إذاً هم أولئك الذين يملكون معرفة متعمقة بصلب مهن شركاتهم. ولنأخذ على سبيل المثال مديراً تدرج وظيفياً قبل أن يصل إلى منصب المدير. مدير كهذا تُعتبر حظوظه كبيرة، لا فقط في تقديره للعمل المنجَز من طرف موظفيه؛ بل أيضاً في أن تكون كلمته مسموعة من قِبلهم. تُعد بيئة التقدير المتبادل هذه مثالية على كل المستويات لكل شركة أو مؤسسة. لكن بعيداً عن هذا، من منا لم يسبق له أن شكَّكَ في كفاءة رئيسه في العمل؟ من المهم في حال حدوث ذلك، عدم البقاء حبيس الإحباط المهني، والسعي، عوضاً عن ذلك، إلى إيجاد طرق تكفل الاستمتاع بالعمل رغم ضعف القدرات الإدارية.

إيف كلو (Yves Clot): أستاذ كرسي علم النفس المهني في المعهد الوطني للفنون والمهن (CNAM).

إذا كان الرضا الوظيفي مرتبطاً بكفاءات رؤساء العمل، فعن أي كفاءات نتحدث؟ ومن هو المدير الكفؤ؟

إيف كلو: لقد أُفرِغت كلمة “كفاءات” من مضمونها لكثرة ما صارت تحيل إلى أشياء كثيرة. الأكيد أن انخراط الموظف في عمله وإقباله عليه باستمتاع مرتبِط بشكل وثيق بمدى تمكن مديره من المعارف المرتبطة بميدان هذا العمل لا السلطة التراتبية التي يتمتع بها. على الرئيس في العمل أن يملك زمام هذا العمل أو النشاط قبل أن يملك زمام موظّفيه. إنها واحدة من المشكلات الكبرى المتكررة في بيئات العمل الحديثة؛ إذ قلّما يجد الموظفون عند رؤسائهم الحلول العملية التي من شأنها أن تساعدهم على الخروج من الأزمات التي تواجههم. الدراسة الآنفة الذكر لا تخلو من الوجاهة، فهي تتناول أزمة العلاقات المهنية من زاوية مختلفة؛ إذ يجدر بالمرؤوس أن يجد في رئيسه مورداً حقيقياً، فنحن نستشعر بالتأكيد نوعاً من الراحة حين يحوز ما ننجزه على تقدير مديرينا؛ لكننا نرتاح أكثر حين نعمل تحت إدارة قائد مُتمكّن من عمله. كل هذا من شأنه أن يُسهم في خلق بيئة إيجابية تجعل الموظف ورئيسه يلتفّان حول غاية واحدة تتجاوز المسمى الوظيفي لكليهما وتعنيهما معاً.

كيف تفسر وجود أشخاص على رأس الشركات بلا استحقاق، دونما إيلاء أهمية لما يترتب عن ذلك من آثار كارثية تنغص على الموظفين راحتهم المهنية؟

إيف كلو: للظاهرة تفسيران: الأول، يمكن أن نعزي ذلك ببساطة إلى عدم الكفاءة العامّة والإهمال والتغاضي عن المشكلات. وهذا يحصل بالفعل؛ لكن ثمة تفسير ثانٍ “راديكالي” وأكثر تشاؤمية، فالهوة التي أخذت تتسع بين واقع ظروف العمل والأهداف العامة المُسطّرة من طرف الشركات جعلت من اختيار المدير المُلِمّ بأدق تفاصيل العمل مهمة مستحيلة، لا سيما لو أُخِذت بعين الاعتبار أهداف الشركة المالية الضاغطة في أغلب الأحيان؛ ما يُعقّد وضع كل من المُشرف المباشر وإدارته العليا.

إن كان هذا الرئيس المباشر على اطلاع بمجريات العمل فإن المشكلات التي تقابل العمال الأساسيين (عمال الصفوف الأمامية) ستلمسه حتماً؛ ما سيحتم عليه تمريرها إلى الإدارة العليا لتتدخل. هي فرضية تنطوي على آثار وخيمة من جانبها الاستراتيجي، فتناوب المسؤولين يحول دون امتلاكهم أي دراية حقيقية بما يحصل في ميدان العمل، وهي استراتيجية مُقلِقة ومقصودة في الوقت نفسه. مقصودة لأنها تجعلهم في منأىً عن محك الاختبارات الحقيقية؛ ولكنها مقلقة إذ لا تقيم أي وزن لمعاناة موظفي الخطوط الأمامية المحتملة. أضف إلى ذلك أن مدى فعالية هذه الاستراتيجية يظل موضع شك، ليس فقط لأنه يقلص من التزام الموظفين لكن لأن الخبرات المُترَتِّبة عن العمل تبقى حبيسة دون أن تُعمَّم على باقي الشركة.

كيف نتعامل مع مدير غير كفؤ؟ هل بالإمكان ضمان الرضا الوظيفي رغم وجوده؟

إيف كلو: هذا السؤال أسال مداداً كثيراً في عالم الشّغل. من شأن العمل تحت إدارة قائد غير كفؤ أن ينغّص كلاً من الحياة الشخصية للموظف وبيئة عمله، لا سيما في ظل وجود حاجز يفصل بين المدراء والعاملين في الخطوط الأمامية (العمال الأساسيين). ما الحلّ في وضعية كهذه؟ اللجوء إلى العمل الجماعي ضمن فريق هو البديل، فثمة وضعيات تجعل من الاستغناء عن التوجيه ممكناً. قد يبدو هذا حلاً أقل فاعليةً، ذلك أن أهمية المدراء والإدارة العليا تكمنان في الربط بين المشكلة والموظف؛ لكن إمكانية تعويضهما بالعمل الجماعي واردة. بالإمكان مثلاً اللجوء إلى خبرة الزملاء ذوي الأقدمية؛ إذ تنبغي الاستفادة من اختلاف الأجيال والتجارب، فكلّ جيلٍ يشدّ أزر جيل. وبالتالي من الممكن أيضاً الاعتماد على مهارات الموظفين الجدد التقنية، وهي مهارات قد لا نكون نحن ولا مدراؤنا نمتلك مثيلاتها. ولهذا حتى في ظل وجود قائد متمكن، لا بديل عن المهارات الجمعية التي أثبتت نجاعتها، فالتشجيع عليها من شأنه أن يدفع بالمدراء إلى تحرّي الدقة في بعض الوضعيات التي تصادفهم والنظر إليها من زوايا كانت غائبة عنهم. في النهاية سيظل التواصل بين فريق الموظفين ورئيسهم في العمل عامل نجاح دائماً مهما كان هذا المدير يشغل المنصب الخطأ أو مقصراً.