8 عادات بسيطة تبث الفرحة في حياتك على الرغم من قسوة أيامك

8 دقيقة
الفرح
(مصدر الصورة: نفسيتي، تصميم: إيناس غانم)
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

ملخص: يختلف الفرح عن السعادة. هذه خلاصة من بين خلاصات كثيرة استنتجها الفلاسفة الغربيون والشرقيون الذين اهتموا بهذا الموضوع. يقدم هذا المقال عرضاً مفصّلاً لآراء الفلاسفة حول مفهوم الفرح ويلخّص تصوّراتهم في 8 عادات يمكن أن تساعد الإنسان على الشعور الدائم بفرح الحياة مهما كانت الظروف. الفرح ليس نقيض التعاسة؛ هذا ما يعلّمه لنا الفلاسفة منذ القدم.

تقول الفيلسوفة الإيطالية، إيلاريا كاسباري (Ilaria Gaspari): “يعاني مجتمعنا رُهاب الألم، إنه يخافه كثيراً، علماً أن الفرح لا يلغي الألم؛ بل يحتويه في إطار شعور أكبر”. أول تمرين يمكن أن يساعدنا إذاً على خلق بيئة مناسبة لتنمية الفرح في النفوس هو تعلّم التعامل مع ظروفنا الصعبة والتفاعل مع جروحنا وأحزاننا واتخاذ ما يلزم تّجاهها.

1. لا تنكر آلامك

تقول أستاذة الفلسفة لورانس دوفيلير (Laurence Devillairs): “أقرّ بأنني لا أثق في أيّ رأي حول موضوع الفرح إلا في رأي الفلاسفة الذين أخذوا بعين الاعتبار الجوانب السلبية أيضاً مثل الحزن والألم والظلم والقهر والغضب؛ لهذا يبدو لي أن نيتشه الذي يرفض أشكال الفرح المزيف الهادفة إلى التخلّص من هذه السلبيات هو أصدق الفلاسفة الذي ناقشوا مسألة الفرح لأنه يؤكد ضرورة التمكّن من عبور هذه الحياة بهدوء وخطىً ثابتة والإصغاء إلى أيّ موسيقا تبعث البهجة في النفوس؛ لكن مع الرضا بالأحزان والكآبة العميقة التي يشعر بها الرجل السعيد على حدّ قوله”.

هذا يعني باختصار تقبّل صعوبات الحياة ومآسيها؛ لأن “الفرح أعمق من الحزن” وفقاً لما كتبه الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه (Friedrich Nietzsche). اهتمّ الفيلسوف الفرنسي كليمون روسيه (Clément Rosset) أيضاً بمفهوم الفرح في أحد مؤلفاته. الفرح في نظره “قوة قاهرة” تحمل في معناها القدْر نفسه من “اللّامعقول” و”التناقض”. إنه غير ثابت وغير متوقّع بخلاف السعادة. يمكن تشبيه الفرح في تصوّره بمنظر اختراق أشعة الشمس للغيوم أكثر ممّا يمكن تشبيهه بمنظر السماء الكاملة الزُّرقة. إنه “ابتهاج لا يمكن تصوّره” يتطلّب من الفرد أن “يتقبّل” حقيقةً مفادها أنه سيشيخ ويعاني ويموت، وفقاً لما كتبه كليمون روسيه، وأن “يقبل” الحياة دون شرط أو قيد مهما كانت قاسية.

تقول الكاتبة وأستاذة الفلسفة كلير مارين (Claire Marin) في كتابها “البدايات”: “يظلّ الفرح ممكناً بشرط الوعي بالجوانب المأساوية في حياتنا الشخصية أو الزمن الذي نعيش فيه، ليس الفرح عيباً بل ضرورة ملحّة تزداد إلحاحاً كلّما تفاقمت مواطن ضعفنا وحاصرتنا الأخطار من الجوانب كلّها”.

2. لا تسعى إلى الكمال

تضيف إيلاريا كاسباري: “تتخذ الرفاهية اليوم بعداً تنافسياً ويعدّ الفرح من المشاعر الجذابة التي ينبغي لنا أن نظهرها ونعزّزها باستمرار، كان الفرح في نظر الفلاسفة اليونانيين فضيلة، وكان أرسطو يستخدم مصطلح آريتي اليوناني (arete) بالمعنى نفسه لوصف الفرح الذي يعدّ في نظر هؤلاء الفلاسفة إمكانية متاحة في نفسية أيّ منّا، تنشط مثل عضلة ونستطيع تحسين أدائها لكن لا علاقة لهذا المعنى بتصورّنا الحالي عن ضرورة تقديم الإنسان أفضل ما لديه؛ إنه عملية خفيّة ليست لها أيّ غاية خارجية”. ليس للفرح غاية غير الفرح نفسه. إنه لا يمثّل علامة ظاهرة من علامات النجاح ولا يعدّ حالة نسعى إليها.

يقول كزافييه فيروغسترات (Xavier Verougstraete): “الخطر المحدق بالفرح هو سعي الفرد إلى الكمال، ورغبته في أن يكون هادئاً وفرِحاً ومتّزناً باستمرار، الفرح دينامية وانفتاح على العالم وليس حالة ثابتة، ولا يمكن أن يكون انكفاءً على الذات، والأهم من هذا هو الإيمان بإمكانية تحقّقه”.

3. تخفَّف من أعبائك

هذا هو الدرس الذي تقدمه لنا فلسفات الحضارات الشرقية. يؤكد كزافييه فيروغسترات ذلك قائلاً: “تؤكد رسالة الفلسفات الشرقية التي وردت في الحقائق الأربع النبيلة أن الحياة كلّها معاناة والطريق إلى الخلاص من هذه المعاناة يكمن في عدم التماهي معها”. الفرح انفتاح يتجاوز هذا التماهي؛ بل هناك فرح كامن في تخلّص الإنسان من أعبائه الذاتية، فعادةً ما نُثقل كواهلنا بأفكار عن ذواتنا مثل الانتقادات والماضي الشخصيّ وغير ذلك، وهي أعباء يمكننا التخلّص منها خلال تقدّمنا في الحياة.

يدعو النهج الشرقي إذاً إلى تخفّف الإنسان من أثقاله الذاتية والانفتاح على التقلّبات والفراغ، باعتباره مصدر إلهام، وتقبّل الواقع بجوانبه الكاملة. يمكن أن يتحقّق ذلك من خلال التأمل أو ممارسة تقنية ريكي اليابانية أو التحليل النفسي؛ أي من خلال أيّ نهج يخلّصنا من الذكريات الدفينة التي تؤثر فينا والبنيات القديمة التي تعوّقنا أحياناً”، و”إدارة” مخاوفنا التي تحجب عنّا بالضرورة مشهد الحياة وتجعلنا أكثر انغلاقاً تّجاه ما يحيط بنا بينما يتطلّب الفرح منّا انفتاحاً على العالم.

توضّح إيلاريا كاسباري ذلك: “كي تتمكّن من تذوق الفرح، يجب أن تكون قادراً على مواجهة مخاوفك وألّا تتركها تبتزّك. هذا أحد مبادئ فلسفة الفيلسوف اليوناني أبيقور، لقد بنى منظومته الفكرية في فترة أزمة اليونان القديمة التي تشبه كثيراً عصرنا هذا، كانت مرحلة انتقالية تعرّض خلالها مستقبل هذه الحضارة إلى التشكيك بسبب فقدان الثقة في المعتقدات الشائعة، فابتكر أبيقور طبّاً قائماً على 4 مبادئ لإثبات إمكانية تبديد المخاوف وتفتيتها إلى أجزاء من خلال التفكير المنطقي؛ أي تفكيكها للحدّ من قوة تأثيرها ومواجهتها واحدة بعد أخرى، وهذا هو الشرط الضروري للشعور بالفرح الذي يعدّ في نظره شكلاً من أشكال النعيم”.

4. احرص على الصداقات وبناء العلاقات

“ألا يمثّل الارتباط بأصدقاء من آفاق بعيدة فرحاً غامراً؟” يستشهد خبير الحضارة واللغة الصّينيتين سيريل جافاري (Cyrille Javary) بهذه الجملة (الثانية في الفقرة الأولى من الفصل الأول) المقتطفة من كتاب “تعاليم كونفوشيوس” (Entretiens de Confucius) لإثبات العلاقة الجوهرية بين الفرح وبناء العلاقات.

يعلّق سيريل جافاري على ذلك قائلاً: “في هذا النوع من الفرح جانب داخليّ وخفيّ، فيه عاطفة خالية من الاندفاع، قد نتخيّل الصديق مقبلاً حتّى قبل أن نرتبط به، ونتخيّل ما سيحدث من خلال مشاركته والحوار معه. لا يرتبط الفرح في الفلسفة الصينية بما هو شخصيّ أو استعراضيّ؛ بل هو مسألة ارتباط بالآخر والعالم، إنه مسألة تفاعل”. ليس هناك عدو للفرح أسوأ من الانغلاق على الذات والانكفاء عليها.

يقول كزافييه فيرغوسترات: “يرتبط الفرح دائماً ببناء العلاقات، وما يميّزه هو طابعه الدينامي. في هذا السياق، يتحدث سبينوزا عن الفرح باعتباره انتقالاً إلى قوة أكبر؛ إنه حركة تدفعنا إلى الانفتاح على العالم والآخر والفن، وقدرةٌ على التفاعل والتواصل تمكّننا من الارتباط بجوهر الحياة والفيزياء حيث تصبح العلاقة بين الإنسان ونظيره تبادلاً للطاقة وتعبيراً عن جوهر الواقع”.

5. أبدعْ وبادرْ إلى الفعل

أينما وجدت الفرح فثمة إبداع؛ كلّما كان الإبداع أكثر غنىً كان الفرح أعمق”، هذا ما أعلنه الفيلسوف الفرنسي هنري بيرغسون (Henri Bergson) يوم 29 مايو/أيار 1911 في محاضرة ألقاها بجامعة برمنغهام. الفرح إعلان مستمر عن النجاح في الحياة وتحقيق التقدّم والفوز لأنّ لكلّ فرح عظيم نبرة انتصار خاصّة. هذا يعني ضرورة الفعل والإنتاج والخلق. كلّ صرْح نبنيه يمثّل انتصاراً جزئياً على الموت؛ لذا ينصحنا الفيلسوف جان ماري غيو (Jean-Marie Guyau) الملقّب بـ “نيتشه الفرنسي” ألّا نترك الحياة كالأرض التي “تبور”، يقول غيو: “لا تتركوا حياتكم تبور، ازرعوا شيئاً”.

تستشهد أستاذة الفلسفة لورانس دوفيلير أيضاً بالفيلسوفة الأميركية حنا آرنت (Hannah Arendt) التي كانت ترى أن لدينا جميعاً القدرة على “وقف سير الحياة اليومية التي لا ترحم” و”إطلاق شيء جديد” و”السيطرة على المستقبل كأنه حاضر”. “إنه معجزة فعلية وتوسيع هائل” للبعد الذي نعيش فيه عادة. ينطوي الفعل إذاً على فرح وجوديّ خالص. تلخّص كلير مارين ذلك قائلة في كتابها “البدايات“: “التشبّث بفعل الأمل ليس موقفاً ساذجاً في غياب التعافي والشفاء، ثمّ ألا تحمل أفعالنا الأساسية البسيطة في معناها العميق فكرة مقاومة اليأس؟”.

6. استمع إلى الموسيقا أو اعزفها

يروي الموسيقار والفيلسوف الفرنسي فلاديمير جانكيليفيتش (Vladimir Jankélévitch) أنه لم يكن يعزف على البيانو بغرض “الاسترخاء” وإن كان هذا العزف يساعده فعلاً على ذلك. تتجاوز الموسيقا في نظر هذا الفيلسوف غرض المتعة، وتشمل “المجال المفتوح غير المكتمل” وتحمل أيضاً هذا المعنى الذي لا يمكن لمسه أو ضبطه أو وصفه مثل معنى الفرح أيضاً.

ويذكّر كزافييه فيروغسترات أن: “للموسيقا تأثيراً يصل حتّى خلايا الجسم”، فطبيعتها الإيقاعية تؤثر في أعماق النفوس وتحقق الانسجام بالمعنى الرياضيّ للمصطلح. ليست الموسيقا مجرّد تسلية بسيطة، فهي تسمح للإنسان وفقاً لما كتبه جانكيليفيتش “باستعادة ابتسامته” وتقوده إلى “النّعيم” و”تبهجه” و”تحلّق به”، وتفتح نفسه على ما هو أعظم منها.

يقول نيتشه: “لولا الموسيقا لكانت الحياة مجرد خطأ”. يرى الفيلسوف الألماني أن هذا “الابتهاج” الذي يمثّل أحد “المتع الحيوية” الأكثر كثافة، يفتح الطريق أمامنا لتقبّل الواقع. ويرى آرثر شوبنهاور (Arthur Schopenhauer) الذي يعدّ دون شك أكثر الفلاسفة اهتماماً بالموسيقا (أو العكس) أنها تنطوي على “مفارقات الفرح” كلّها وتعبّر عن “جوهر الواقع” و”الحاضر الأبدي”.

باختصار: إذا كانت تجربة تذوّق الجمال تمثل إحدى أكثر وسائل الترويح عن القلب الحزين فعالية فإن الموسيقا كانت باستمرار في نظر الفلاسفة الطريق الذهبية التي تؤدي إلى الفرح من بين الفنون كلّها. يوضّح سيريل جافاري قائلاً: “ثمة مفردة صينية تعني الفرح والموسيقا في الوقت نفسه وفقاً لطريقة نطقها، وهي تمثّل آلة موسيقية تعود إلى الحضارات الصينية القديمة، مكونّة من شارات مصنوعة من حجر اليشم معلّقة في إطار خشبي يُعزف عليها بالمطرقة، كلّما وصل إمبراطور جديد إلى الحكم وظّف هذه الآلة الموسيقية الحجرية لضبط أوزان البلاد ومقاييسها، وهذا يُظهر أهمية الأمور الخفية والتناغم في مفهوم الفرح لدى الصينيين، وهذا يعني أن الفرح يشمل الموسيقا التي يجب أن تكون أصواتها واضحة ومسموعة”.

7. افهم عالمك

يدعونا إلى ذلك فيلسوف الفرح باروخ سبينوزا (Baruch Spinoza). كتب قائلاً: “الثمرة التي جنيتُها من قدرتي الطبيعية على المعرفة جعلتني رجلاً سعيداً”، فالإنسان في نظره قادر على “عبور الحياة بطمأنينة الروح والفرح والبهجة بدلاً من عبورها بحزن ودموع”.فرح سبينوزا فرح الإنسان التّواق إلى الحرية لأنه يرى أننا إذا واصلنا التفكير سنصبح أحراراً وأقوياء ولو كنّا مكبّلين بالأغلال والقيود. إن المعرفة التي تعدّ ترياقاً ضد الظلامية تحرّرنا، ولا سيّما من الرعب والمخاوف الناجمة عن الجهل. وتجعلنا نعيش إحدى صور الخلود لأن الحقائق لا تفنى. كلّما فهمنا أكثر زاد فرحنا. يجب ألّا ننسى أن كلمة “الفهم” تعني في الجذر اللاتيني (cum-prehendere): “الاتصال بين عنصرين والاحتضان والاتّحاد مع عنصر غامض ومجهول”. لذا؛ علينا ألّا نتردد أبداً في التعلّم وطرح الأسئلة والقراءة والتّفلسف.

تقول أستاذة الفلسفة لورانس دوفيلير بحماس: “كانت الفلسفة باستمرار مصدر فرح بالنسبة إليّ، لم يكن فرحاً فكرياً فقط، فأنا أحبّ قراءة الفلسفة بصوت مرتفع للاستمتاع بالمفردات والمعاني، الفرح الذي نشعر به مع الفلسفة فرح مزدوج: الأول هو الذي يولَد عندما نتوصل إلى فكرة معينة، فكرة شخصية نتوصّل إليها بفضل التفكير والنظر ومحاولة ضبط معنى جملة أو كلمة أو موقف، والفرح الثاني في رأيي هو الذي يولَد للمفارقة من عدم القدرة على الفهم في بعض الأحيان، نعم، عدم الفهم، يأتي الفرح إذاً من الأمور المعاكِسة والعصيّة على الفهم، يأتي من الأشياء التي لا أستطيع السيطرة عليها أو استيعابها، نحن نعيش في عصر السهولة والشروح المفصّلة، لكن الفرح الذي تمنحه لي الفلسفة هو فرصة التقدّم في خضمّ المفاهيم الغامضة والصعبة والعسيرة”.

8. انسجمْ مع جسدك وتعامل مع الطبيعة

جوهر الفرح هو العاطفة القائمة على وحدة الجسد والنفس والروح. كان رائد فلسفة الزّهد الطبيب أبيقور يمتلك بستان خضروات وفقاً لما ترويه إيلاريا كاسباري التي تؤكد أن زرع الفرح في النفوس يتطلّب أولاً معرفة العناية بالبستان الشخصيّ: “العلاقة مع الطبيعة والنباتات مهمّة جداً لأنها تفرض الارتباط بالزمن والصبر والحرص، إنها وسيلة للتكيّف مع إيقاع الفصول والارتباط بأنماط أخرى من الحياة”، وهذه الفصول تصلك دائماً بالربيع. كلمة “الفرح” التي يقابلها الجذر اللاتيني غوديا (gaudia) ويعني متعة الحواس والشهوانية، لها بعد أرضيّ عميق. إنه بعد يتجاوز فكرة المتعة تغنّى به الكاتب الفرنسي ألبير كامو (Albert Camus) في كتابه “أعراس” (Noces).

تشرح أستاذة الفلسفة لورانس دوفيلير تصوّر كامو قائلة: “هذا الكتاب يمثّل نشيداً حقيقياً للفرح، فرح الحياة والقدرة على تأمل جمال العالم، كتب كامو يصف هذه الحياة وهو مستلقٍ على الشاطئ قائلاً: إنها حياة بطعم الحجر الدافئ مليئة بأنين البحر والدبابير التي تغنّي، على حدّ قوله، فرح الأعراس الذي يقترحه هذا الكاتب يدعونا إلى أن نعيش الحياة بملء طاقاتنا وأن نفخر بذلك، فلا يوجد سبب للخجل من الشعور بالسعادة”.

ثمة بعدٌ طبيعي في معنى الفرح، إنه “عبثيّ وغير مبرّر” لكنّه “فرح بالحياة حتّى الثمالة” يصفه كليمون روسيه قائلاً: “فرح بالوجود يكاد يقترب من المعجزة”. تعبّر عنه هذه القناعة الشخصية بأننا نصبح أحياناً مجرد كتلة واحدة متّحدة جسداً وروحاً مع العناصر الأخرى المحيطة بنا، وأنّ كياننا “يهتز” بالكامل ليتّحد مع العالم من حولنا، مثلما يحدث في طفولتنا قبل أن ننفصل عن محيطنا. إنه إحساس لا يوصف؛ إحساس مفعم بالانسجام. عندما يتحقّق يصبح كلّ شيء تقريباً منطقياً، أو يجعلنا نتجاوز المنطق نفسه.

يقتبس كليمون روسيه في ختام كتابه “القوة القاهرة” هذا القول المأثور الجامع المانع الذي يعود إلى القرون الوسطى للدّلالة على هذا الفرح: “لقد أتيت لا أدري من أين، لا أعرف من أكون، سأموت لكنّني لا أعرف متى سيحدث ذلك، سأذهب لكنّني لا أدري إلى أين؛ لذا أستغرب لأنني سعيد إلى هذه الدرجة”!

المحتوى محمي !!