ضغط الأقران: كيف تؤثر الجماعة في سلوك الفرد؟

ضغط الأقران
(مصدر الصورة: نفسيتي، تصميم: إيناس غانم)
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

ملخص: هل تساءلت يوماً لماذا يُجبرك أصدقاؤك على القيام بأشياء لا ترغب في القيام بها؟ إنه ضغط الأقران؛ لكن ما هو؟ وكيف يحدث؟

هل سبق لك أن فعلت شيئاً لمجرد أن أصدقاءَك فعلوه؟ ربما جربت تسريحة شعر جديدة، أو ارتداء قبعة سخيفة، أو تناولت طعاماً غريباً! حسنا، أنت لست وحدك. يعاني أشخاص عِدة ضغط الأقران، وهو تأثير الآخرين في سلوكياتهم. يمكن أن يكون ضغط الأقران جيداً أو سيئاً، اعتماداً على الموقف والأشخاص المعنيين؛ لكن كيف يحدث؟ ولماذا نتبع الجماعة أحياناً، حتى عندما نختلف معهم؟

ما المقصود بضغط الأقران؟

ضغط الأقران هو التأثير الذي يمارسه أعضاء مجموعة معينة بعضهم على بعض، للقيام بأشياء قد يكونون مترددين في القيام بها بمفردهم؛ مثل تغيير مواقفهم أو قيمهم أو سلوكياتهم لتتوافق مع معايير المجموعة.

لكن مَن هم الأقران؟ الأقران هم مجموعة أفراد ينتمون إلى الفئة الاجتماعية نفسها؛ مثل أن يكونوا من العمر تفسه أو لديهم الحالة الاجتماعية ذاتها.

ويمكن لتأثير الأقران أن يكون إيجابياً في حالات مثل تشجيع زملاء الصف بعضهم لبعض على تجربة أشياء جديدة ومفيدة، وتساعد على النمو والتطور؛ مثل ممارسة الرياضة أو الانضمام إلى نادٍ في المدرسة.

لكن في حالات أخرى، قد يُحدث ضغط الأقران تأثيراً سلبياً، وذلك يتضح في مثال طرحه المتخصص في الإرشاد النفسي، عبد الله سافر الغامدي، فإذا ما وجدت أن ولدك المراهق الذي كان يتمتع بخُلُق حَسَن ودرجات عالية، قد تغير في سلوكه ومستواه الدراسي نحو الأسوأ، غالباً ما سيكون ذلك بسبب ضغط الأقران من زملائه.

اقرأ أيضاً: اختياراتنا اليومية تجعلنا أكثر فردية واستقلالية

لماذا نرغب بأن نكون جزءاً من المجموعة؟

يعيش الفرد، منذ ولادته، بوصفه جزءاً من عائلته التي يعتمد عليها ويتفاعل معها ويتأثر بها، ثم ينضم في مراحلَ عمرية متقدمة إلى مجموعات أخرى مثل المدرسة والأصدقاء والفرق الرياضية وغيرها. وقد درس الباحثون حاجة البشر الدائمة إلى الانتماء إلى مجموعات، وتوصلوا إلى وجهات نظر مختلفة:

  • منظور التكييف (Conditioning Perspective): نتعلم من الانتماء إلى العائلة في وقت مبكر من الحياة، كيفية ربط النتائج الإيجابية بعضوية المجموعة؛ إذ تقدم لنا عائلاتنا الدعم الجسدي والنفسي، وهو ما ربطه الباحثون بالنمو الصحي للدماغ وبقائنا وتطورنا. لذا؛ نستخدم المجموعات للحصول على الطعام والمأوى والحب والدعم.
  • نظرية المقارنة الاجتماعية (Social Comparison Theory): اقترح عالم النفس الاجتماعي ليون فستنغر (Leon Festinger) هذه النظرية، وأوضح فستنغر إننا نقارن أنفسنا بالآخرين لفهم كيف نتوافق مع المجموعة. توفر لنا هذه المقارنة المعلومات التي نحتاجه إليها لإنشاء واقع اجتماعي مثالي، أو لحماية أنفسنا من السلوك غير المناسب والإحراج.
  • نظرية الهوية الاجتماعية (Social Identity Theory): وتعني أننا نختار الانتماء إلى مجموعات لنشعر بالرضا، فعندما نضع أنفسنا في مجموعة، نريد أن نشعر بالرضا لكوننا أعضاءَ فيها؛ الأمر الذي قد يؤدي أحياناً إلى الانتقاص من المجموعات الأخرى.
  • نظرية التصنيف الذاتي (self-categorization theory): نختار الانضمام إلى المجموعات الملحوظة والمهمة، التي تعطينا فكرة عما يجب أن تكون عليه هوياتنا وكيف نرى العالم؛ حيث تحدد المجموعات ما نؤمن به، وما لا ينبغي لنا فعله، والعادات التي سنتبعها.
  • منظور البقاء على قيد الحياة أو النظرية الاجتماعية الحيوية (Biosocial Theory): يشير هذا المنظور إلى أننا نتصرف مثل حيوانات القطيع للبقاء على قيد الحياة، ووفقاً للنظرية؛ يكون احتمال البقاء أكبر عندما يجتمع البشر معاً.

اقرأ أيضاً: هل هو خوف من الموت أم خوف من الفناء؟

كيف تؤثر الجماعة في سلوك الفرد؟

يتأثر سلوك الفرد تأثراً كبيراً بالمجموعة التي ينتمي إليها، ويمكن أن يظهر هذا التأثير بطرائق مختلفة؛ إلا أن ثمة 3 ظواهر رئيسة هي:

1. التفكير الجماعي

أول مَن استخدم مصطلح التفكير الجماعي هو عالم النفس إرفينغ جانيس (Irving Janis) عام 1971، ليصف ظاهرة امتثال الفرد لقرارات الجماعة، غير العقلانية أو غير المثالية، لاعتقاده بأن إمكانية المعارضة مستحيلة!

وقد وجد جانيس أن الفرد في التفكير الجماعي يميل إلى الامتناع عن التعبير عن الشكوك والأحكام أو الاختلاف مع الإجماع، متجاهلاً العواقب الأخلاقية أو المعنوية، لتعزيز قضية المجموعة. على سبيل المثال؛ قد يتجنب الموظفون في بيئة العمل التعبيرَ عن اختلافاتهم مع رؤية الإدارة؛ خِشية التقييم السلبي، أو حتى فقدان وظائفهم.

2. التحول الجماعي

التحول الجماعي ظاهرة يميل فيها القرار الجماعي للمجموعة إلى أن يكون أكثر تطرفاً من الآراء الفردية لأعضائها، سواء كان نحو المزيد من الحذر أو المزيد من المخاطرة، وذلك بالاعتماد على الميول الأولية لأعضاء المجموعة. بعبارة اخرى: هو تضخيم القرارات الفردية في إطار المجموعة.

يمكن تفسير التحول الجماعي بأنه عندما يصبح أعضاء المجموعة بعضهم أكثر ارتياحاً لبعض، يميلون إلى أن يكونوا أكثر جرأة وثقة. علاوة على ذلك، في التحول الجماعي، تتوزع المساءَلة بين الأعضاء جميعهم؛ الأمر الذي يمكن أن يشجع على المزيد من المخاطرة.

اللاتفرُّد

اللاتفرُّد هو الحالة النفسية التي يفقد الفرد فيها إحساسه بالهوية الشخصية والمسؤولية؛ ما يؤدي غالباً إلى أفعال غير اجتماعية أو معادية للمجتمع وذات تأثيرات سلبية. كان عالم النفس الفرنسي غوستاف لوبون (Gustave LeBon)، أول مَن اقترح فكرة اللاتفرُّد عام 1895، وأكد فيها إنه عندما ينضم الناس إلى حشد من الناس، فإن سلوكياتهم تتحرر من الضوابط الاجتماعية المعتادة؛ ويمكن أن يؤدي ذلك إلى سلوك متهور أو حتى عنيف. على سبيل المثال؛ في النوادي الليلية، يرقص الأشخاص ويتصرفون بطرائق لا يتبعونها عادةً في المواقف الأخرى. ويحدث اللاتفرُّد بتأثير مجموعة من العوامل:

  • عدم الكشف عن الهوية.
  • انخفاض الشعور بالمسؤولية.
  • التركيز على الحاضر.
  • التعرض للحمل الزائد للمدخلات الحسية (على سبيل المثال؛ الذهاب إلى حفلة موسيقية أو حفلة بها موسيقا صاخبة).
  • الوقوع تحت تأثير الكحول أو المخدرات.

اقرأ أيضاً: تميل إلى التطرف وسهلة الانقياد: أهم أفكار غوستاف لوبون عن سيكولوجية الجماهير

في الختام، تذكَّر أن ضغط الأقران قد يكون قوياً بما يكفي للتأثير في اختياراتنا وسلوكياتنا؛ لكن ليس علينا أن ندعه يسيطر علينا. بكلمات أخرى: أنت قبطان سفينتك، والموجه لها؛ لذا لا تدع ضغط الأقران يحرفك عن مسارك إلا إذا كان يدفعك إلى القيام بشيء رائع.