صنع الأشياء متعة تفتح باباً لسعادة من نوعٍ خاص

استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

هناك مثل من التراث الشعبي المغربي يقول: “يمشي مال الجدين، وتبقى صنعة اليدين”. ويقوله التونسيون بصياغة مختلفة قليلاً فقط، وتحمل نفس المعنى: “يوفى مال الجدين وتبقى صنعة اليدين”.
بالتأكيد؛ المغزى العام من هذا المثل لن يخفى على ذهن أيّ كان، سواء من المشرق أو المغرب العربي. فكل عاملٍ بيديه، ممتهن لصنعة أو حرفة، يحوز على احترام عميق في أذهان الآخرين.

يبدو أن هذه المفاهيم الرائجة التي تدور حول صنع الأشياء في المنزل، وإعادة تدوير القديم بروح جديدة أو إصلاح الأشياء المكسورة بمواد بسيطة، ما هي إلاّ طريقة أوجدها أشخاص كثر من حول العالم للانتفاض على التكنولوجيا ووسائلها التي أبعدتنا كليّاً عن طبيعتنا البشرية العميقة المرتبطة بالحرف اليدوية وكل ما هو بسيط وباعث على الراحة النفسية من دون الحاجة إلى الكثير من الإنفاق أو المجهود.

صنع الأشياء في المنزل: هل هو مستحيل في العصر الرقمي؟

يرى الدكتور في علم النّفس، الأكاديمي والمفكر اللبناني “مصطفى حجازي” أن هوس الاستهلاك من بين أبرز المخاطر الخارجية التي تهدّد تماسك الأسرة وحسن قيامها بوظائفها. فقد أصبح الناس يتبارون في شراء ما يتجاوز احتياجاتهم الضرورية واستعراضها؛ بحيث بدأت تدخل في هويتهم الذاتية.

اضطراب وسواس التسوّق

يضيف حجازي في مؤلَّفه “الأسرة وصحتها النفسية“: “لقد أصبح فرط الاستهلاك يشكل نوعاً من الاضطراب، أطلق عليه تسمية اضطراب وسواس التسوق (OSD)”.

إن الميل للاستهلاك المفرط لدى الأفراد في العصر الحالي جعل من فكرة الاكتفاء بما نمتلك في المنزل أو صنع الأشياء بدلاً عن شرائها أمراً صعباً للغاية. فمن سيفكّر في القيام بالحرف اليدوية للحصول على ما يمكن شراؤه بغاية السهولة وهو جالس على أريكته يشاهد التلفاز أو يتصفّح مواقع الإنترنت؟

صنع الأشياء يعزّز الصحة النفسية للأفراد

قد تكون فكرة القيام بنشاط يدوي يتطلب التعامل مع بعض المواد الخام والأدوات محطّ استغراب ربّما. والإبداع الشخصي في بيئة كهذه يصبح بالتأكيد أمراً صعباً. ذلك أنها تُمثّل نمط حياة سريعاً مليئاً بالتوتّر ويؤثر جدّياً في الصحّة النفسية للأفراد؛ التي بدون تحقّق توازنها يكون البشر أقلّ قدرة على الإبداع.

فقد أشار العدد الثامن الصادر سنة 2008 لمجلة “إيه سي بي للممارسة والبحوث” (ACP Pratique et recherche) الفرنسية إلى عرض تم تقديمه في مؤتمر الخريف لموظفي “الرابطة الأميركية للإدارة”، في سبتمبر/أيلول عام 1956 في مدينة نيويورك، قدّم فيه المؤلف نظرية حول الإمكانات الإبداعية للإنسان. حيث أوضح أن البشر سيكونون أكثر قدرة على الإبداع إذا كانوا يتمتّعون بصحة نفسية جيدة، وعزّز رؤيته تلك بنتائج البحث في العلاج النفسي.

صنع الأشياء بيديك يمكن أن يساعدك على تجاوز تحدّيات الحياة الصعبة

إن مشاهدة مواد من الكرتون، الخشب أو المعدن وهي تتحوّل بين يديك إلى قطع ديكور منزلي أو أدوات ذات قيمة وفائدة يحمل الكثير من الأسرار لن يعرفها إلا من جرّبها فعلاً. فعلى سبيل المثال؛ لقد نشأت على يد نجّار. أمضيت معظم طفولتي الصغيرة أشاهد عن كثب؛ كيف كان يطوّع قطع خشب بأحجام مختلفة بين يديه، ويخلق منها جمالاً “أرابيسكياً” مبهراً.

عرفت منذ ذاك الوقت أن الخشب مادة عجيبة. عرفت أنواعه وارتبطت برائحته بشكل خاص. تعلّمت بأن العملية الإبداعية في أي شيء في العالم تتطلّب الصبر والنفس الطويل، والهدوء ودقّة ملاحظة التفاصيل.

وأدركت لاحقاً في الحياة أن تلك السمات هي مجموع المهارات والحس الإبداعي الذي يتطلبّه تحضير طاجن سمك على نار هادئة ببهارات مراكشية وبعض أعشاب البحر الأبيض المتوسط في صبيحة يوم أحد هادئ. هي كذلك نفس ما يحتاجه كلّ شخص يمتلك تلك الرغبة الفطرية في إتقان حرفته بيديه، وخلق شيء جميل ومفيد.

تلك كانت تجربة شخصية. أنا جدّ واثقة أن هناك الملايين غيري سيرون شيئاً مماثلاً عن أسرار صنع الأشياء. والعلم كذلك يؤكد المزايا العديدة للحرف والأنشطة اليدوية.

الحياكة أنقذت سارة من براثن اضطراب ما بعد الصدمة

في مقال نشرته سي إن إن” (CNN) في مارس/آذار لعام 2014، حكت سارة هويرتا عن قصتها الملهمة مع الحياكة التي أنقذتها من براثن اضطراب ما بعد الصدمة (Posttraumatic stress disorder) الذي تمّ تشخيصها به في الفترة التي تلت موت أخيها المفاجئ في حادث سيارة.

بدت الحياكة أمراً سخيفاً في البداية. ولكن سرعان ما ساعدها ذلك على التوقّف عن تخيل الأشياء الكارثية التي يمكن أن تحدث لأحبائها مستقبلاً. كانت ساعات طوال من الوقت تمرّ بسرعة!

سرّ السّعادة يكمن في الرّضا والمتعة

يطلق عالم النفس ميهاي تشكسنتميهاي (Mihaly Csikszentmihalyi) على هذه الظاهرة اسم “التدفّق” (Flow). وهي تعني مجموعة اللحظات الزمنية التي يكون فيها الشخص مستغرقاً تماماً في نشاط ما. وذلك يجعل من أي شيء آخر في العالم أقلّ أهمية بكثير من تلك اللحظات.

ويصرّح تشكسنتميهاي في محاضرة معروفة علىتيد” (TED) بأنه بعد عقود من البحث، توصّل إلى أن سرّ السعادة يكمن في الرضا الذي يختبره أولئك الذين يجدون المتعة في الأنشطة التي تنتج عنها ظاهرة ” التدفّق” تلك.

الحالة النفسية والعاطفية التي يخلقها الانخراط في نشاط حرفيّ معيّن له تأثير مشابه أيضاً لتأثير التأمّل. حيث يكون التركيز واليقظة الذهنية في أعلى درجاتهما. تخفّ حينها ضغوط الحياة اليوميّة، ويزيد إنتاج الدوبامين؛ وهو الناقل العصبي لحالة الشعور بالرضا والمتعة.

اقرأ أيضاً: فوائد التأمل للصحة النفسية

التعبير الإبداعي والحفاظ على الصحة العقلية الوظيفية من خلال الحرف اليدوية

تُعتبر فنلندا من بين أسعد الدول في شمال أوروبا. وهي تحتّل بذلك المرتبة الأولى في قائمة الدول الاسكندنافية، حسب استطلاع غالوب العالمي، لعدّة أسباب طبعاً. من بينها؛ الرعاية المقدّمة من طرف الحكومة للآباء والأمهات خلال مراحل الولادة ورعاية المولود الجديد.

عامل مهم آخر قد يميّز هذا البلد الأوروبي؛ هو الأنشطة الحرفية التي يقوم بها المواطنون المتقدّمون في السن وحتى الصغار. فقد قدّمت سينيكا بولانين (Sinikka Pöllänen) التي تعمل في كلية العلوم التربوية التطبيقية وتعليم المعلمين بجامعة شرق فنلندا في ديسمبر/كانون الأوَّل لعام 2006، دراسة اعتمدت على تحليل مقالات كتبتها 60 امرأة، تتراوح أعمارهن بين 19 و84 عاماً، استجابة لطلب منشور في خمس صحف إقليمية. وكانت المهمة المطلوبة هي الكتابة عن ماذا تعني الحرفة اليدوية كهواية في حياتهن!

أظهرت نتائج التحليل النوعي لمحتوى المقالات، أن ممارسة الحرف اليدوية لسنوات ساهم بإعطاء هؤلاء السيدات إحساساً بالتمكين الذاتي (Self-empowerment). فقد وصفت النساء في كتاباتهن شعوراً غامراً بالفخر عند النجاح في كلّ مرّة في الانتهاء من المصنوعات اليدوية. ساهم ذلك مع الوقت في تشكيل صورة ذاتية إيجابية عن أنفسهّن، كونهّن حرفيّات ماهرات.

لم يقتصر دور الحرف على تحسين وظائف مختلفةفحسب. لقد ساهمت في الحفاظ على الصحة العقلية الوظيفية لديهن وتعزيز التعبير الإبداعي عن الذات ومهارات التصميم وحلّ المشكلات.

سواء كانت الحياكة والتطريز، إعادة تدوير الأشياء القديمة أو الرسم على الزجاج أو غير ذلك. مهما كان نوع النشاط اليدوي الذي يمكن أن يبدأ به أي شخص يرغب في الاستفادة من الإمكانيات الهائلة للصنعة ويستمتع بما تمنحه من لحظات تدفّق عالية، فيجب أن يدرك أنّ الاستمرارية في مزوالة حرفته ضرورية لتحقيق الاستفادة وأكبر قدر من الرضا والسعادة.