ماذا يُخفي لطفنا الزائد مع الآخرين؟

سلوك التضحية
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

لا شك في أننا جميعاً نعتبر الإيثار خصلةً عظيمةً؛ ولكن على الرغم من ذلك، فقد لا يكون سلوك التضحية بالنفس في سبيل الآخرين دلالةً على العطاء دائماً، فالمساعدة والخير اللذان نمنحهما لمن حولنا قد يكشفان عن مخاوفنا ورغباتنا الدفينة.

تحدثنا سميرة؛ 33 عاماً، وهي مختصة في علوم الحاسوب، عن عطائها اللامحدود للآخرين، وتقول: “أنا إنسانة طيبة جداً مع الآخرين، ودائماً ما أعاني من عواقب طيبتي هذه على المدى الطويل. أدركتُ خلال آخر إجازة قضيتها مع العائلة أنني معطاءة أكثر ممن حولي، فأنا أعطي دون أن أتلقى شيئاً في المقابل”.

وتتابع: “دائماً ما أستمع لهموم الآخرين برحابة صدر؛ بينما أجد ملاذي في التسوق وتناول الطعام، وأعمال التنظيف. لقد تعبت من كوني “إسفنجةً عاطفيةً”. يشعر بعض الأشخاص بالآخرين، ويُبدون اهتماماً أكبر بمن حولهم، فهم بالفعل متعاطفون بطبيعتهم”.

لكن السؤال هنا: هل القضية هي أننا مجرد أشخاص متعاطفين جداً فقط؟ تؤكد إيزابيل ميتينييه؛ المعالجة النفسية ومختصة علم النفس، أن اللطف الزائد مع الآخرين يتعلق بسلوك الإفراط بحد ذاته، وليس بالرغبة في أن نكون لطيفين معهم وحسب كما نعتقد، فنحن نبتعد بذلك عن الغاية الأساسية من هذا اللطف؛ وهي إنشاء رابطة متناغمة مع من حولنا، ونسعى من خلاله بدلاً عن ذلك إلى ملء نقصٍ ما في أنفسنا.

لا أعرف كيف أعبّر عن احتياجاتي

بالنسبة لمختصة العلاج النفسي؛ جولييت ألايس، فإن دور “الإنسان المضحي” في سبيل الآخرين؛ والذي نستمتع به، يعود إلى مراحل سابقة من حياتنا، وتوضح: “غالباً ما يتعلق ذلك بالدور الذي نُسب إلينا، بوعي أو بغير وعي، في طفولتنا؛ مثل الأخت الكبرى التي كانت تعمل على تلبية احتياجات إخوتها الأصغر سناً؛ تماماً كما في قصة سندريلا، أو الطفل الذي يشعر بدوره كـ “منقذ” لأبوين يعانيان هشاشةً نفسيةً”.

وهكذا يتماهى الشخص مع هذا الدور الذي ارتبط به، ليضع مع الوقت رغبات الآخرين فوق رغباته. ولأنه لم يكن لدينا الحق في التعبير عن احتياجاتنا، فنحن نرفض تلبيتها، ثم نحاول أن نملأ هذا النقص الذي نعاني منه؛ من خلال تلبية احتياجات من حولنا”.

أريد أن أكون محبوباً

أحد أبرز الأسباب التي تدفعنا لتلبية احتياجات الآخرين؛ هو الحصول على حبهم في المقابل. وتصيبنا هذه الفكرة بالقلق بسبب خوفنا من أن عدم تلبية رغباتهم، يعني المجازفة بفقدان حبهم لنا، وبما أننا نتردد في منح أنفسنا الحب الذي نحتاجه، فإن هذا الموقف يمثل مخاطرةً كبيرة بالنسبة لنا، ونجد من خلال سلوك التضحية هذا طريقةً لإصلاح عيوبنا النرجسية.

أنا أبحث عن السيطرة

تقول إيزابيل ميتينييه: “حتى أفضل النوايا التي نحملها في أنفسنا تجاه الآخرين، قد تنم عن رغبة التحكم فيهم – دون أن نعي ذلك في بعض الأحيان. “من خلال تلبية احتياجات الآخرين؛ نحاول أن نكون في موقع قوة، وأن نتخذ قراراً بشأن كل شيء، ونلمس شعور القدرة المطلقة”.

إذاً كيف تضع إطاراً صحياً للُطفك مع الآخرين؟

فكّر بطريقة مختلفة

تقول إيزابيل ميتينييه: “تعرّف إلى نفسك بطريقة أفضل، وحدد نقاط قوتك، فمن المؤكد أن لديك صفات أخرى بخلاف اللطف. إن الافتقار إلى معرفة الذات يُبقيك في هذه المنطقة التي قد تعتقد أنها مريحة لك؛ لكنها لا يمكن أن تكون صحيةً بأي حال من الأحوال”.

وتوضح جولييت ألايس: “إذا كنت ترغب في تكريس نفسك للآخرين، فحاول توجيه عطائك؛ من خلال اللجوء إلى الجمعيات الخيرية، على سبيل المثال”.

كن لطيفاً مع نفسك

تقول إيزابيل ميتينييه: “فكر في نفسك دون الشعور بالذنب، كن لطيفاً مع نفسك قبل أن تكون لطيفاً مع الآخرين. استرح، واعتنِ بجسمك، وكافئ نفسك بهدية لطيفة، أو كتاب. وفي الوقت ذاته لا تغلق الباب في وجه الآخرين؛ اقبل حقيقة أن لديهم ما يقدمونه لك أيضاً؛ كالنصيحة، أو الوقت، أو أياً كان؛ إنه التوازن الذي تحتاجه كل رابطة علائقية”.

الاستعانة بالعلاج النفسي

توضح جولييت ألايس: “تمثل العائلة نقطة الانطلاق الأولى لأي فرد، ويمكن للعلاج النفسي أن يساعدك في فهم سلوكك من خلال العودة إلى مرحلة الطفولة. قد تكون بحاجة إلى الدعم النفسي لتتمكن من قول “لا” للآخرين، والتعبير عن رغباتك الحقيقية، وصياغة احتياجاتك”.

ومن الجدير بالذكر أن قمع الإنسان لاحتياجاته بصورة مستمرة يولد ضغطاً لديه؛ ما قد يؤدي إلى انهياره نفسياً وجسدياً.

مأمون؛ 49 عاماً، مراقب إدارة

“عندما أدركت مدى الاستياء الذي كنت أشعر به؛ توقفت عن تقديم العون للآخرين أكثر من اللازم. دائماً ما كنت ألبّي طلبات الآخرين؛ كمساعدة زملائي في العمل، وإقراض المال لمن يحتاج؛ لكنني كنت أشتم في سري لاحقاً كل أولئك الذين لم يعيدوا لي أموالي!”.

ويتابع: “لذا؛ قررت أن أكون أكثر اتساقاً مع نفسي، فأنا الآن أسأل نفسي هذا السؤال قبل أن أقدّم المساعدة لأي أحد: “هل سأشعر بالاستياء إذا أدّيت هذه الخدمة لهذا الشخص؟” إذا كان الجواب نعم، فأنا أمتنع عن ذلك. خلاف ذلك، فأنا أعطي الآخرين مما لدي عن طيب خاطر”.