لا مزيد من الحظ في ركلات الجزاء الترجيحية!

ركلات الجزاء
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

تنفرد ركلات الجزاء الترجيحية بميزة تختلف عن باقي المباراة، فهي قد تخلق أبطالاً وتزيح آخرين عن مكانتهم في قلوب المشجعين والمشهد الرياضي. ذلك لأن الضغط العصبي والتوتر خلالها يصل لذروته في انتظار انتصار يروي عطش كل من ينتمي لذلك الفريق.
كذلك، فلَم يعد النجاح في تلك الضربات متوقفاً على مهارة اللاعبين أو المدير الفني ودراستهم لطريقة تسديد الخصم بمراجعة مبارياته مراراً وتكراراً؛ بل إن هناك أمراً آخر أصبح سيدَ الموقف؛ السلوكيات والاستراتيجيات المتَّبَعَة من قبل اللاعبين في التسديد والتي يختص بها علم النفس الرياضي..

إذاً ما الاستراتيجيات التي يتَّبعها اللاعبون المشاركون في ركلات الترجيح؛ والتي تمنحهم تفوقاً على الخصم وتمكِّنهم من الفوز بنسبة كبيرة؟

تزداد فرص الفوز بالتسديد أولاً

في حين أن الأمر يبدو محصوراً في كيفية تسديد ركلة الجزاء والتركيز الشديد خلال ذلك؛ إلا أن فرص تسديد ركلة الجزاء بنجاح تبدأ حتى قبل أن يتم تنفيذها. ذلك لأنه يمكن للفريق زيادة فرصته في الفوز بركلات الترجيح إذا كان هو مَن سيسدد أولاً، كما أظهر بحث أجراه الأستاذ "إيغناسيو بالاسيوس-هويرتا" (Ignacio Palacios-Huerta) من كلية لندن للاقتصاد؛ والذي حلل فيه 1,343 ركلة جزاء و129 من ركلات الترجيح، ووجد أن الفريق الذي سدد في البداية فاز في 60.5% منها.

من المرجح أن يحدث ذلك بسبب الضغط المتزايد على منفِّذ ركلة الجزاء الخصم الذي من الممكن أن يعرف العواقب الفعلية إذا ارتكب خطأً، وأن ذلك الضغط الزائد يؤدي إلى تشتيت التركيز وزيادة التوتر لدى اللاعب.

وتشير دراسة منشورة في مجلة علوم الرياضة (Journal of Sports Sciences) أنه إذا حصل اللاعب على ركلة جزاء خلال الوقت الأصلي، فإنه يسجِّل الأهداف بنسبة ​​85% من الوقت في المتوسط. لكن الأمر يختلف خلال ركلات الترجيح التي يعرف اللاعبون أنها تحدد النتيجة النهائية للمباراة؛ ما يؤدي إلى ضغط وإجهاد متزايد ينتج عنه انخفاض نسبة نجاح التسديد إلى 76%.

استبدال مراقبة الحارس بضبط النفس

يقع اللاعبون تحت ضغط كبير خلال تنفيذ ركلات الجزاء؛ والتي قد تُعتبر طوق نجاة لفريقهم في كثير من الأحيان؛ ما قد يؤدي إلى أداء أقل من المتوقع في موقف الضغط العالي من اللاعب.

وفقاً لـ "فرضية المراقبة الصريحة" (Explicit Monitoring Hypothesis) للباحث "آر باومايستر" (R. F Baumeister)؛ يؤدي الضغط النفسي العالي خلال تلك الأوقات إلى انشغال اللاعب بالمراقبة الشديدة لأدق تفاصيل ما يحدث حوله، ولذلك تأثير ضار وشديد الخطورة في تنفيذ تلك المهارة بكفاءة.

تقترح النظرية أن ذلك التشتت يحدث بسبب انهيار التنظيم الذاتي؛ حيث يتم تغيير الأفكار والعواطف والسلوكيات من تلقاء نفسها. يتسبب ذلك في عدم القدرة على التحكُّم في الدوافع وتوجيه السلوك لتحقيق الأهداف، كما يؤدي إلى استجابة الهروب؛ حيث يختار المرء تنفيذ تجربة فورية -حتى لو كانت غير سارّة- على الانتظار والتأني.

يمكن التغلُّب على ذلك الانهيار في ضبط النفس من خلال ممارسة تمارين التنفس العميق. خلال هذا التمرين يتعلم اللاعبون كيفية إبطاء معدل تنفسهم في تلك الأوقات لتحسين مهارات التنظيم الذاتي، خاصة في المهارات التي تعتمد على الدقة؛ ما يؤدي إلى فرصة أكبر للتسجيل.

كيفية التحكُّم في الأعصاب خلال تنفيذ ضربة الجزاء

من الواضح أن أولئك الذين يتمكنون من التحكُّم في أعصابهم لديهم ميزة خلال تنفيذ ركلات الجزاء؛ لكن يمكن العمل على التطبيق من خلال أمرين؛ وكلاهما يتعلق بالعلاقة بين منفّذ ركلة الجزاء وحارس المرمى:

  1. عدم إدارة اللاعب ظهره للحارس خلال العودة بعد وضع الكرة في مكان تنفيذ الركلة: وجد باحثون من "الجامعة الألمانية للرياضة" (Deutsche Sporthochschule Köln) بمدينة كولونيا، أن اللاعبين الذين يديرون ظهورهم خلال العودة لنقطة التسديد هم أكثر عرضة لعدم تسديد ركلة الجزاء بشكل صحيح.

يعود ذلك لقطع استعدادهم، وتشتيت انتباههم بالتركيز على الأشياء التي لا يمكنهم السيطرة عليها، ويزوِّد حارس المرمى بإشارات خفية إلى أين ستذهب الكرة.

  1. عدم قضاء وقت طويل في النظر إلى حارس المرمى قبل الركلة: في دراسة من "جامعة إكستر" (University of Exeter) شملت 167 ركلة جزاء، وجد الباحثون أن اللاعبين الذين ركَّزوا على حارس المرمى كانوا أكثر قلقاً وأضاعوا المزيد من ركلات الجزاء. وأنه من الأفضل التركيز على النقطة التي سيسدد فيها اللاعب الركلة.

استراتيجيات تسديد ركلة الجزاء بنجاح

تشير دراسة من "جامعة خرونينغن" (University of Groningen) الهولندية حللت بيانات من تسديدات ركلات الجزاء، إلى أن التسديد عقب إطلاق الصافرة مباشرةً يرتبط بمزيد من الأخطاء، وأن الانتظار لبضع ثوانٍ إضافية قبل ركل الكرة يؤدي إلى زيادة فرص التسديد الناجحة.

بالإضافة إلى عدم التسرع؛ يُنصح اللاعبون باختيار نقطة محددة للتسديد والالتزام بها؛ حيث يؤدي تغيير الرأي قبل التسديد إلى عدم اليقين والتوتر. قد يترك بعض اللاعبين الأمر حتى اللحظة الأخيرة ثم ينتظرون أن يتحرّك الحارس لتسديد الكرة في الجانب الآخر؛ إلا أن هذه استراتيجية عالية الخطورة وترتبط بعدد أكبر من فرص التسديد الضائعة.

الاحتفال بتسديدة ناجحة يقود لمثيلتها!

إن التحضير لضربة الجزاء ليس العمل الكلي؛ يقتضي نجاح الأمر الاحتفال بعد النجاح في تسديد الركلة بحسب الدراسة الهولندية المذكورة.

قام الباحثون في تلك الدراسة بتحليل ضربات الجزاء والسلوك المُتّبع بعد التسديد، وما إذا كان له تأثير في النتيجة النهائية. ووجدوا أنه عندما احتفل اللاعبون، لا سيما مع رفع اليدين فوق الرأس، فإن احتمال فوز فريقهم بركلات الترجيح كان أكثر بنسبة 82% من أولئك الذين لم يحتفلوا بالتسجيل. يمكن تفسير ذلك بالعدوى العاطفية التي يتم من خلالها نقل المشاعر للآخرين.

كذلك؛ يمكن للتعبير عن الفخر والاحتفال أن يؤثر في كيفية إدراك الرياضيين لثقة خصومهم في أنفسهم. لذلك كان اللاعبون أقل احتمالاً لتسديد ركلة الجزاء بنجاح إذا ما سجل اللاعب المنافس قبلهم واحتفل؛ ما يعني أن التعبير عن المشاعر الإيجابية يمكن أن يساعد في أمرين: تحسين أداء الفريق وتقليل قدرة الخصوم.

أفضل استراتيجية لحارس المرمى لإنقاذ ركلة الجزاء

في حين قد يبدو تحرُّك الحارس على خط المرمى طريقة جيدة لتشتيت انتباه اللاعب؛ إلا أن الوقوف ثابتاً في المكان حتى يركل اللاعب الكرة هو الأفضل للتصدي لركلة الجزاء.

يشير بحث من "جامعة توبنغن" (University of Tübingen) الألمانية إلى أن الأفضل لحارس المرمى أن يقف في منتصف المرمى دون حراك؛ حيث وجد تحليل 999 ركلة جزاء من الدوري الألماني أن 15% من اللاعبين يسددون الكرة في منتصف المرمى. كما يمكن لحراس المرمى صد عدد أكبر من ركلات الجزاء بنسبة الضعف إذا ثبتوا في مكان محدد في منتصف المرمى بدلاً عن الانتقال بسرعة من جانب إلى آخر.

أما محاولة الحركة فتُعتبر "تحيزاً عملياً"؛ حيث تكون قيمة أن يُرى المرء يفعل شيئاً أعلى من قيمة عدم فعل أي شيء. إذا قفز الحارس وسجَّل الخصم، فلن يلوم أحد حارس المرمى؛ ولكن إذا وقف دون حراك ونجح الخصم في التسجيل، فسيتم إلقاء اللوم عليه.

وأخيراً؛ لم تعد ركلات الجزاء يانصيباً لا يمكن التنبؤ بنتائجه، كما أن النجاح في تسديدها ليس عشوائياً أو صدفةً. غالباً ما يكون الفريق الخاسر فقط هو من يصفها على هذا النحو؛ ولكن المنتصر يطوِّر مهاراته، ويدرس جيداً كيف يمكن توظيف الإمكانيات الجسدية والسلوكيات والاستراتيجيات الصحيحة للفوز.