كيف تُجري تقييماً صحيحاً لحياتك العاطفية والشخصية والمهنية؟

تقييم خياراتنا الشخصية
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

غالباً ما نلجأ إلى تقييم خياراتنا الشخصية فقط عندما تطرأ الأزمات على حياتنا وتُشعرنا بأننا نضيّع على أنفسنا فرصة عيشها بالطريقة المناسبة. في حين أن تقييم المرء لنواحي حياته يتطلب وقتاً وتفكيراً ملياً. يوضح لنا الخبراء كيف يمكن لنا أن نجري تقييماً لحياتنا قبل أن تصيبها الأزمات.

نشعر جميعاً بالحاجة إلى اتخاذ خطوة إلى الوراء واللجوء إلى تقييم خياراتنا الشخصية في الحياة، والنظر إلى المكان الذي نقف فيه الآن ومعرفة إلى أين سنصل مستقبلاً. لكننا لا نعرف دائماً كيف نبدأ بذلك؛ إذ تتزاحم الأسئلة في أذهاننا، وتتراوح الإجابات عنها بين الاستنتاجات المتطرفة من قبيل “لقد فات الأوان لاتخاذ أي خطوة” والحلول غير المنطقية مثل الرغبة “بالبدء من الصفر” وهي كلها أفكار تحافظ على حالة الجمود لدى المرء.

لتجنب هذه المزالق؛ نقدم لك طريقةً منهجيةً مُحكَمة لاستجواب نفسك بانتظام وهدوء. غالباً ما يساعدنا إجراء تقييمات “وقائية” صغيرة لحياتنا على تجنب التعرض للاضطرابات الكبيرة التي تنشأ نتيجة تراكم الإحباطات اليومية، فنجد أنفسنا في مواجهة أزمة حقيقة تستدعي الحاجة لإجراء تغييرات طارئة في حياتنا. إن استماع المرء إلى احتياجاته العميقة وانتباهه إلى مشاعر عدم الرضا التي تسيطر عليه؛ يتيح له إجراء تعديلات على حياته لتجنب الوقوع في مآزق كبيرة.

من خلال الاستعانة بـ 4 مختصين نُطلعك في السطور التالية على الأسئلة التي يجب أن تطرحها على نفسك بغية إجراء تقييم فعّال لحياتك. ينصح المختصون بإجراء استبطان ذاتي فيما يتعلق بنواحي الحياة؛ العاطفية والعلائقية، والشخصية والمهنية، ثم يقترحون وضع خطة عمل فعّالة لتغيير ما يجب تغييره فيها.

تقييم الحياة العاطفية

بين اللحظات التي تشعر فيها بالأسى لكونك عازباً، وتلك التي تتمنى فيها أن تعود إلى حياة العزوبية، أو عندما تتساءل عن مدى صحة اختيارك لشريك الحياة، فإن حياتك العاطفية تجبرك باستمرار على التساؤل بشأنها. هل تكشف هذه الشكوك عن حاجة حقيقية للتغيير؟ هل يمكنك تحسين حياتك العاطفية؛ أم أن عليك ترك كل شيء وراءك والبدء من جديد؟

الأسئلة التي يجب طرحها عند تقييم الحياة العاطفية

  • سواء كنت متزوجاً أو عازباً: هل يناسبك وضعك الحالي؟ هل تشعر بأنك قد اخترت هذا الوضع بكامل إرادتك؟
  • هل تستمع إلى شريكك؟ وهل يستمع هو في المقابل إلى رغباتك؟
  • هل تشعر بأنك ممتن للعثور على الشخص الذي تعيش معه؟ وهل تتطلع إلى تنفيذ خطط مستقبلية برفقته؟
  • هل أنت راضٍ عن الثنائي الذي تشكلانه معاً؟ وهل تتوق دائماً إلى إخبار الآخرين عن هذا الثنائي المتناغم؟
  • هل تُشعرك حياتك الجنسية مع الشريك بوجودك كرجل أو تشعركِ بوجودكِ كامرأة؟

أسئلتنا تنطلق من بحثنا عن هويتنا

تنطوي علاقة الحب على عدة نواحٍ؛ وهي الناحية الجنسية، العاطفية (حب كل طرف للآخر) والعلائقية (شعور كل طرف تجاه العلاقة ككل). لكل من هذه النواحي احتياجاتها خاصة، ومن خلال تلبية معظمها نتمكن من الازدهار عاطفياً. يوضح روبرت نيوبورجيه: “عندما نتساءل عن العلاقة الزوجية، ومشاعرنا تجاه الآخر، ومشاعره تجاهنا، فإن بحثنا عن هويتنا هو الدافع وراء هذه الأسئلة”. يسعى المرء من خلال أسئلته هذه إلى معرفة ما الذي يُمثله للشريك، وما الذي يجعل شريكه يحبه بهذه الطريقة. ولمّا كان من النادر أن يشعر المرء بالرضا عن جميع نواحي العلاقة العاطفية، فإن الخطوة الرئيسية التي يجب اتخاذها هي تحديد نواحي العلاقة التي تظهر فيها أوجه القصور، ومن ثم تحديد الأسباب التي أدت لذلك. على سبيل المثال؛ قد تشعر بأن الشريك لم يعد يهتم بك كما كان يفعل في السابق، فما السبب وراء ذلك؟ هل يعود ذلك إلى عدم وجود تواصل بينكما؟ أو ربما إلى الافتقار للمشاريع والأنشطة المشتركة التي يمكنكما القيام بها كزوجين؟

ابدأ الحوار مع الشريك

بمجرد تحديد المشكلات الحقيقية التي تعتري العلاقة، فإنه من المناسب أن نسأل أنفسنا عن مسؤوليتنا عن هذه المشكلات وعن الوسائل المتاحة لجعل العلاقة الزوجية تزدهر. بعد إجراء تقييم لهذه الأمور مع نفسك؛ يمكنك فتح باب النقاش مع شريكك، ومنعاً لتحول الحوار بينكما إلى ساحة لتسوية الحسابات؛ يجب على كل طرف أن يقترح التغييرات التي يرى أنه مستعد لإجرائها في سلوكه، لتعويض نقائص الطرف الآخر. أخيراً؛ يقول روبرت نيوبورجيه: “عندما يدخل الزوجان في حالة من التردد القلق، أو عندما يصبح التواصل بينهما مستحيلاً؛ يمكن أن يكون اللجوء إلى طرف ثالث مفيداً قبل أن يفكّرا في الحاجة إلى أخذ فترة بعيداً عن بعضهما البعض”.

تقييم الحياة العلائقية

قد لا تستمع إلى الآخرين بما فيه الكفاية، وتعاني من عدم قدرتك على تأكيد ذاتك، وينتابك غضب شديد عند التواصل مع الآخرين. يمنعنا ميلنا إلى تقييد أنفسنا بسلوكيات معينة –وهي منتجات تاريخنا الشخصي- من إقامة علاقات مُرضية مع الآخرين. نود أن نتواصل مع الآخرين تواصلاً أفضل، وأن نحظى باحترامهم، وأن نكون أقل تسلطاً عندما نتعامل معهم؛ ولكن كيف نتغير؟

الأسئلة التي يجب طرحها عند تقييم الحياة العلائقية

  • ما هي طبيعة العلاقات التي كانت تربطك مع من حولك عندما كنت طفلاً (الوالدان والأحباء)؟ هل تحدثت معهم حولها مرةً أخرى منذ ذلك الحين؟ هل كان ذلك في جلسة عائلية أم في جلسة لدى مختص العلاج الأسري؟
  • ما هي السمات التي يُشار بها إليك بصورة عامة؟ هل تتفق هذه السمات مع الطريقة التي تعرّف نفسك بها؟
  • ما هي طبيعة العلاقات التي تربطك بالآخرين؟ هل تميل إلى النميمة؟ هل تميل إلى الحكم عليهم؟ وهل تكون حذراً من الآخرين عادةً، أم على العكس من ذلك؛ تستمع إليهم وتمنحهم ثقتك بسهولة؟
  • كيف يتلقى من حولك رأيك عندما تبديه؟ هل يعتقدون أن رأيك غير ملائم ولا قيمة له أم أنه يؤثر فيهم بشدة؟

مواضع الخلل في علاقاتنا مع الآخرين

تساعدنا هذه الأسئلة على تحديد مواضع الخلل في علاقاتنا مع الآخرين. يقول جاك سالومي: “من المستحيل أن تدرك كيفية التعامل مع الآخرين إذا لم تفكر في كيفية تعاملهم مع الطفل الذي كنتَ عليه”، ومن هنا تأتي الحاجة إلى استبطان المرء لنفسه لتحديد مدى تأثير طفولته في سلوكه الحالي. من ناحية أخرى، فإنك تسمح للآخرين بتحديد من تكون عليه بسهولة تامة؛ بما في ذلك عندما تعرّف نفسك بأنك “عكس شخص ما”: “أنا عكس أمي تماماً”؛ “طريقة تفكيري عكس طريقة تفكير فلان”. عندما يكون هناك خلط بين الطريقة التي يُنظر بها إلينا، وما نحن عليه بالفعل، فإنه يجب تحديد ما إذا كان ذلك يرجع إلى مشكلة في معرفتنا لذواتنا أو إلى مشكلة في التواصل مع الآخرين. أخيراً؛ لتؤخذ وجهات نظرنا في الاعتبار، فإنه يجب أن نكون قادرين على تأكيد ذواتنا دون الخوف من الحكم علينا، وأن ننتبه لردود الأفعال التي نثيرها.

غيّر طريقتك في التواصل مع الآخرين

لا يكفي أن يعي المرء عيوبه، فالقاعدة الذهبية للتواصل مع الآخرين بطريقة صحية وفقاً لجاك سالومي: “أن تتواصل مع الآخر وفق ديناميكية علائقية لا تنطوي على إقصائه أو استصغاره، فتستمع إليه وتحترمه لما هو عليه وليس لما تتوقعه وتريده أن يكونه”. كيف يتم تحقيق ذلك؟ بقبول الاختلاف ومراعاة أن قيمة الشخص هي أكبر مما يُقال عنه، وتغيير أسلوب التواصل معه. على سبيل المثال؛ عند التعبير عن رأيك حول أمر ما، فإنه يُفضَّل أن تستخدم لذلك صيغة إيجابية لا سلبية.

إن الهدف من ذلك هو الخروج من النمط العلائقي الذي غالباً ما يتأرجح فيه المرء بين اتهام الآخرين “أرغب في إقامة علاقات جيدة مع الآخرين لكنهم لا يمنحونني الفرصة” واتهام الذات “أنا خجول جداً”، والتفكير بمسؤولية بدلاً عن ذلك: “أنا لست مسؤولاً عن ما حدث لي؛ إنما مسؤول عن كيفية التعامل معه”.

تقييم الحياة الشخصية

بين العمل الذي لا ينتهي في بعض الأحيان والحياة الأسرية المزدحمة بالأعباء، فإن اللحظات التي يكرّسها المرء لنفسه قد تكون نادرةً؛ لكنها من جهة أخرى لحظات ثمينة بالفعل. ولكن كيف نعرف إذا كنا نستغلها جيداً بما يتناسب مع احتياجاتنا العميقة؟ ماذا لو منحنا أنفسنا كل فرصة متاحة لنزدهر خلال هذه اللحظات؟

الأسئلة التي يجب طرحها عند تقييم الحياة الشخصية

  • هل تحب المكان الذي تعيش فيه؟ وهل تستمتع بوجودك هناك؟
  • هل تخصص وقتاً لعدم القيام بأي شيء بصورة منتظمة؟ هل تشعر بالرضا في لحظات الهدوء والعزلة؟ أو على العكس من ذلك؛ تشعر في كثير من الأحيان بالوحدة والضياع؟
  • هل تُعبّر بسهولة عن مشاعر الفرح والخوف والغضب والحزن؟ هل تضحك كثيراً؟
  • هل تمارس نشاطاً يسمح لك بتطوير إبداعك والتواصل مع الطبيعة؟
  • هل تعتني بصحتك الجسدية؟ هل تستمتع بتحريك جسدك والعناية به؟

غالباً ما يفوتنا الاستمتاع بلحظاتنا الشخصية

بالنسبة لبيير جين دي جونغ؛ مستشار الموارد البشرية ومؤلف كتاب: “ما هي الحياة التي تريد أن تكون بطلها؟” (De quelle vie voulez-vous être le héros؟)، فإن هذه الأسئلة تتناول احتياجاتنا المختلفة. إن العنصر الأول في هذه القائمة الذي يجب علينا إعادة النظر فيه هو المكان الذي نعيش فيه. هل نحبه؟ هل يتوافق مع أذواقنا وحياتنا الحالية؟ أما الهدف من الإجابة عن هذه الأسئلة فهو “تحديث” مساحتنا التي نعيش فيها بحيث نكون أكثر تواؤماً معها. ويضيف المتخصص: “ولكن رفاهيتنا تُقاس أيضاً بمدى قدرتنا على البقاء بمفردنا وعدم القيام بأي شيء”. ولا يتمحور الأمر حول الهروب من الآخرين أو الاستسلام لخمول غير صحي؛ بل حول معرفة كيفية تقدير اللحظات التي تكون فيها وحيداً مع نفسك”.

تُعد قدرة المرء على التعبير عن مشاعره والاستماع إليها علامةً على الإنجاز. أما بالنسبة لاحتياجاتنا الفكرية، فنحن لا نلبيها عبر نشاطنا المهني فحسب؛ ولكن أيضاً من خلال الممارسات الإبداعية التي تتطلب التفكير بطريقة غير تقليدية، فأي نشاط ننغمس فيه بسرور يعبر عن جوانب أخرى من شخصيتنا غير تلك التي نطورها في عملنا. أخيراً؛ إعادة الاتصال مع نفسك تعني أيضاً إعادة الاتصال بجسدك ومشاعرك، فخلال انشغالنا بالتفكير بجسدنا والحكم عليه؛ ننسى أن نشعر به. يقول بيير جين دي جونغ: “عندما يحب المرء جسده سيشعر بالرغبة في الاعتناء به”، لأنه يعرفه ويستمع إلى احتياجاته وإلى الأحاسيس التي يعطيه إياها.

تقييم الحياة المهنية

فجأةً؛ يصبح الروتين ثقيلاً وتجتاحنا رغبة قوية في إحداث تغيير في حياتنا المهنية. نريد المزيد من الوقت لأنفسنا، والمزيد من الاستقلالية، أو على العكس؛ نشعر برغبة في العمل مع الآخرين كفريق واحد. ماذا لو لم تعد هذه الوظيفة تناسبنا؟ هل تحتاج إلى تغيير وظيفتك أو طريقة عملك؟

الأسئلة التي يجب طرحها عند تقييم الحياة المهنية

  • خلال الأسبوع؛ ما هو مقدار الوقت الذي تخصصه لعملك وعائلتك، وحياتك الاجتماعية ونفسك؟ إذا كان بإمكانك إعادة التوازن إلى هذه النواحي من حياتك، فما هو مقدار الوقت الذي ترغب بتخصيصه لكل منها؟
  • من بين هذه القيم: القوة الشخصية، والنجاح، والبحث عن معنى الحياة، والمتعة والإبداع، والعلاقات الحميمة، والاستماع والمشاركة؛ ماذا كانت القيمة الأهم بالنسبة لك في بداية حياتك المهنية؟ وما هي القيمة الأهم بالنسبة لك اليوم؟
  • ما هو الموقف الذي كان الأكثر تحفيزاً بالنسبة لك في حياتك المهنية؟ لماذا ووفقاً لأي معايير؟ بالمقابل؛ ما الموقف الذي تتذكر أنه كان الأقل تحفيزاً لك ولماذا؟

ضع خمسة معايير، ورتبها حسب درجة أهميتها بالنسبة لك، وحدد ما إذا كان وضع عملك الحالي يلبيها.

التوازن بين العمل والحياة الشخصية

من خلال تقييم التوازن بين الوقت المخصص للعمل وذلك المخصص للحياة الشخصية؛ نتمكن من تحديد رغباتنا العميقة ودوافعنا. إذا كانت إجاباتنا تكشف عن فجوات كبيرة بين المجالين فإن إعادة التوازن أمر ضروري، ويساعدنا التسلسل الهرمي للقيم التي أنشأناها على تقدير الاتجاه الذي يجب أن نوليه مزيداً من الاهتمام.

أجْرِ تغييرات تدريجية

يتعلق الأمر باستكشاف ما إذا كان بإمكانك إجراء تغيير في عملك الحالي؛ كتعديل منصبك الوظيفي على سبيل المثال وتحديد مواردك الشخصية المتاحة لتحقيق ذلك. يمكنك بعد ذلك التحدث حول الأمر مع رئيسك في العمل ومع الزملاء والأصدقاء أيضاً، وقد يكون هذا كافياً لتغيير الوضع تدريجياً. في الحالة المعاكسة؛ أي إذا كان التغيير الجذري يبدو حتمياً، فتنصح هيلين فيكيالي باستشارة مختص (معالج أو مدرب) عند العزم على اتخاذ هذه الخطوة؛ إذ يؤدي أي تغيير في المسار المهني إلى إثارة قلق صاحبه – مهما كان هذا التغيير مرغوباً وإيجابياً.