قلق واكتئاب وشعور بالرفض: هذا ما تفعله تطبيقات المواعدة بصحتك النفسية

استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

“بلغت نسبة الشباب والشابات السعوديين الذين لم يسبق لهم الزواج بين 15-34 عاماً؛ 66.23%”.

فيما يبدو أن النسبة السابقة التي أعلنتها الهيئة السعودية للإحصاء لا تعد استثناءً فالدول العربية المجاورة تتقارب نسبها. في مصر 15 مليون شاب وفتاة في سن الثلاثين لم يتزوجوا بعد، أما في العراق فقد وصلت نسبة غير المتزوجين إلى 70% بحسب إحصائيات غير رسمية.

لا يقتصر هذا الوضع على الدول العربية فقط؛ إنما يمتد إلى شتى أنحاء العالم. لكن من ناحية أخرى فهذا العدد الضخم من العُزاب بمثابة فرصة استثمارية ذهبية لتطبيقات التعارف والمواعدة لأن معظمهم ببساطة عملاء محتملون. هذا ما جعل حجم سوق تطبيقات المواعدة يصل عالمياً في عام 2021 إلى 5.61 مليار دولار، بإجمالي عدد مستخدمين بلغ 323 مليون مستخدم.

معادلة محبطة: 7,500 ملف شخصي= علاقة عاطفية واحدة

لا تعبّر تلك الأرباح بالضرورة عن سعادة مستخدمي تطبيقات المواعدة، فهم يعيشون معاناة قليلاً ما تظهر إلى العلن، يشرحها الصحفي الإنجليزي “سكوت هارفي” (Scott Harvey) الذي نشر العديد من التقارير والتحقيقات المتعلقة بصناعة تطبيقات المواعدة. وبحسب تحليلاته يحتاج المستخدم لرؤية عشرة ملفات شخصية حتى يحصل على توافق واحد.

ومن بين كل توافقين تكون هناك فرصة لمحادثة محتملة، ومن بين كل 3 محادثات محتملة سيحصل على رد من محادثة واحدة، ومن كل 5 ردود سيصل إلى محادثة واحدة فيها تفاعل متبادل.

ولا تتوقف المأساة عند هذا الحد، فهو سيحتاج إلى 5 محادثات فعالة حتى يصل إلى اللقاء الأول، ولا بد له من 5 لقاءات أولى ليصل إلى اللقاء الثاني. ما سبق نتيجته في الإجمال مريعة وتتمثل في أن المستخدم المتوسط يحتاج إلى أن يرى 7,500 ملف شخصي لينجح في تكوين علاقة عاطفية واحدة.

بكل تأكيد الرحلة السابقة للوصول إلى علاقة عاطفية ناجحة ليست هينة، ولا يستطيع الجميع الصبر والانتظار لإتمامها بنجاح، فقد تكون لها الكثير من الآثار الضارة في صحتهم النفسية. وذلك ما أكده الكثير من مستخدمي تطبيقات المواعدة الذين يرون أن حالة البحث المستمر لفترة طويلة تجعلهم فريسة سهلة للمشاعر السلبية، وحتى نشرح الأمر بدقة أكثر سنفرد لتفاصيله السطور القادمة.

عالم مليء بالاختيارات ليس أفضل دائماً

يختلف العالم الافتراضي الخاص بتطبيقات التعارف والمواعدة عن العالم الواقعي الذي نعيشه في أن المستخدم عندما يسجل دخوله لأحد التطبيقات، سيجد نفسه أمام محيط متسع من الاختيارات التي لا تنتهي. وكل يوم تظهر له اختيارات جديدة تجعله يتحير دوماً، ومهما كان الاختيار المتوافق جيداً ومناسباً معه سيسأل نفسه دائماً: “هل يمكن أن يتوافق معي شخص أفضل؟!”.

ما يحدث في عالم التطبيقات من لهث لا نهائي وراء رؤية المزيد من الاختيارات تشرحه لنا بدقة عالمة الأنثروبولوجيا الأميركية هيلين فيشر، فهي تؤكد أن المستخدم عندما يرى ملفات لأشخاص كثر لن يكون قادراً على اتخاذ أي قرار، لأنه أثقل عقله بمعلومات معرفية زائدة عن حدها تجعله في النهاية لا يميل لاختيار أي شخص من الاختيارات المحتملة التي ظهرت أمامه.

بصورة أكثر تفصيلاً؛ ما يحدث أشبه بعملية خداع للدماغ، فالمستخدم يظن أنه بضغطة على زر الإعجاب قد تواصل اجتماعياً مع هؤلاء الأشخاص بينما في حقيقة الأمر لم يحدث شيء، وجميع هذه العمليات من إعجاب وتوافق ومحادثة مبدئية تكون في واقع افتراضي تماماً لا يمت للواقع الحقيقي بصلة.

ففي الحياة اليومية لا يحظى أكثر الأشخاص تميزاً بهذا العدد من الاختيارات اللانهائية، والدائرة الفعلية تكون أضيق من ذلك بكثير لكنها أكثر فعالية.

هذا التحليل يجعلنا نذهب إلى دراسة أجراها باحثون من جامعتيّ كولومبيا وستانفورد عام 2000 لدراسة تأثير كثرة الاختيارات في الحياة المعاصرة.

الاختيارات والمربى!

وقد تضمنت الدراسة تجربة أُطلق عليها “تجربة المربى” (The Jam Experiment) حيث توجه الباحثون إلى إحدى الأسواق الشهيرة وعرضوا على إحدى الطاولات 24 نوعاً من المربى، وفي يوم آخر خفضوا عدد الأنواع المعروضة إلى 6 أنواع فقط.

بالتخمين المبدئي رجح الكثيرون أن المبيعات قد زادت مع تعدد الأنواع؛ لكن ما حدث كان غير متوقع فقد قلت المبيعات مع زيادة الاختيارات إلى جانب انخفاض رضا العملاء؛ ما يشير إلى أن الناس يتخذون قرارات أفضل عندما تكون لديهم اختيارات أقل.

لم تكن الدراسة السابقة المصدر الوحيد لرؤية ذلك التأثير، فلدى عالم النفس الأميركي “باري شوارتز” (Barry Schwartz) كتاب بعنوان “مفارقة الاختيار” (The Paradox of Choice)، يبرهن فيه أن القليل غالباً ما يكون أكثر فعلياً، لأنه عندما تتزاحم الاختيارات سيجد الإنسان نفسه في حالة من الإرهاق والعجز في الوقت نفسه تجاه اتخاذ القرارات، وينطلق في عالم من التوقعات الخيالية، ومهما كان اختياره جيداً سيلوم نفسه غالباً لظنه أنه هناك اختياراً أفضل.

رغم القلق والاكتئاب؛ المستخدمون حائرون بين حذفها وتثبيتها

“حذفت تطبيقات المواعدة عدة مرات لكن بعد فترة أقوم بتنزيلها مرة أخرى وأعيد الأمر مراراً وتكراراً”.

التصريح السابق لأحد مستخدمي تطبيقات المواعد لا يعد غريباً لبقية المستخدمين، فمعظمهم قد مروا بهذه الدائرة المفرغة التي تبدأ بالرغبة في البحث عن علاقة عاطفية ناجحة ومن ثم البحث عن اختيار مناسب، وبعد ذلك يحبَط المستخدم من عدم جدوى المحاولة لينتهي به الأمر بحذف التطبيق، ومن ثم يعود بعد فترة ليبدأ من جديد.

وتتعدد أشكال الإحباط الناتجة عند استخدام تطبيقات المواعدة. بحسب الشابة الثلاثينية الأسترالية “مادلين دور” فإن استخدام تلك التطبيقات أصابها بخيبة الأمل لأنها التقت بالعديد من الرجال الذين لم تتحول علاقتها بأحدهم إلى علاقة طويلة الأمد؛ ما جعلها تلجأ لحذف التطبيقات لفترات متفاوتة كان أقصاها شهرين.

لكن يبدو أن تجربة مادلين بها بصيص أمل مقارنة بتجربة الشابة البريطانية فيريتي غير؛ والتي امتنعت تماماً عن إقامة العلاقات العاطفية بعد ثماني سنوات من المحاولات الفاشلة للعثور على شريك حياة باستخدام تطبيقات المواعدة.

لا بد أن هذا الفشل الذريع يضرب في جذور الصحة النفسية لمستخدمي تطبيقات المواعدة، فقد توصلت دراسة حديثة نُشرت في مجلة علم النفس السيبراني في شهر فبراير/ شباط 2021 شملت 347 مستخدماً إلى أن مستخدمي تطبيقات المواعدة يزداد لديهم معدل الإصابة بأعراض القلق الاجتماعي والاكتئاب.

لم تكن تلك الدراسة الوحيدة التي رجحت التأثير السلبي لاستخدام تطبيقات المواعدة في الصحة النفسية. هناك دراسة أخرى أجرتها جامعة “ويسترن سيدني الأسترالية” (Western Sydney University) ونُشرت في مارس/ آذار عام 2020 أكد فيها 20% من العينة البحثية البالغة أكثر من 430 مستخدماً أنهم عانوا من مستويات عالية من الضغط النفسي مقارنة بغيرهم، بينما أبلغ 19% من المستخدمين عن معاناتهم من أعراض الاكتئاب.

بحسب الباحثة “سابرينا بيت” التي شاركت في الدراسة المشار إليها سابقاً فإن مدة استخدام التطبيقات تعد عنصراً مؤثراً في ظهور أعراض الضغط النفسي، فكلما زادت مدة الاستخدام ارتفعت نسبة الإصابة بالضيق النفسي والاكتئاب.

وأكدت في مقابلة صحفية أُجريت معها أن الأشخاص الذين يستخدمون تطبيقات المواعدة لعام أو أكثر تتضاعف احتمالية إصابتهم بالاكتئاب أربعة أضعاف مقارنة بغير المستخدمين.

يرتبط ذلك بالطبع بحالة الترقب التي يعيشها مستخدمو تطبيقات المواعدة. ووفقاً لإحصائية أجراها تطبيق بادوو الشهير للمواعدة الذي يعمل في 190 دولة، فإن متوسط الوقت الذي يقضيه الأشخاص في استخدام التطبيق يبلغ 10 ساعات. تستخدم النساء هواتفهن 9 مرات يومياً من أجل متابعة المطابقات المحتملة، ويزيد هذا العدد قليلاً عند الرجال ليبلغ 10 مرات.

للأسف لا يجدي هذا البحث المضني عن القبول نفعاً في كثير من الأحيان. ذلك ما تخبرنا عنه دراسة أجرتها معاهد الصحة الوطنية الأميركية ومنشورة في مجلة ساينس أدفانس عام 2018؛ والتي تؤكد أن السمة المميزة للمواعدة بين الجنسين إلكترونياً هي أن الرجال هم من يبدؤون الحديث. إلا أن النساء من الناحية الأخرى يخترن الرد على الرسائل بانتقائية شديدة؛ ما يجعل متوسط معدل ردهن أقل من 20% ويعني المزيد من الإحباط للرجل الأعزب التائه في بحور تطبيقات المواعدة.

لكن يتمثل الجانب الأكثر غرابة في أن الرجال الذين صاغوا رسائلهم بشكل أكثر إيجابية عانوا من انخفاض معدلات الرد عن غيرهم من المستخدمين.

شعور بالرفض ومقارنة دائمة بالآخرين

يُعد الخوف من الرفض مسألة شديدة الحساسية بالنسبة للبشر، فالرفض يحفز نفس المنطقة في الدماغ المسؤولة عن الشعور بالألم الجسدي، والإنسان بطبيعة الحال يرغب في الشعور بالانتماء والترابط مع الآخرين والرفض يهدد صميم هذا الشعور. وأحياناً يمتد تأثير الرفض إلى انخفاض القدرة على التركيز في المهام، وكذلك تأثر القدرة المعرفية في التذكر والتفكير المنطقي.

ويرتبط الرفض بشكل وثيق بتأثير آخر هو عدم الرضا عن المظهر. فبحسب دراسة أجرتها جمعية علم النفس الأميركية على مستخدمي تيندر؛ تبيّن أنهم أكثر خجلاً تجاه أجسادهم ويميلون إلى التفكير في أنفسهم بشكل جنسي، ودائماً ما تشغل المثل المجتمعية حول الجمال تفكيرهم ويقارنون مظهرهم بالآخرين باستمرار.

يحكي الشاب الإنجليزي دانيال البالغ من العمر 35 عاماً كيف هددت تطبيقات المواعدة علاقته بمظهره بعد أربع سنوات من استخدامه لها، قائلاً أنه عند وجوده بين عدد لا نهائي من المستخدمين تكون هناك منافسة محتدمة معهم؛ ما يجعله يقارن نفسه بهم باستمرار ويكون منشغلاً أكثر بصورته الظاهرية التي يضعها في التطبيق وليس بكينونته الحقيقية.

الاختفاء المفاجئ يواجه 50% من المستخدمين

جانب آخر يهدد الثقة المتبادلة بين مستخدمي تطبيقات المواعدة هو افتراض الأسوأ. وفقاً لبحث أجراه مركز بيو الأميركي للأبحاث فإن 71% من المستخدمين يفترضون أن المستخدمين الآخرين يكذبون عليهم بخصوص أمر ما؛ مثل العمر أو الحالة الاجتماعية، وحتى المظهر الذي يمكن تزييفه ببعض الأدوات.

لا يتوقف سيل الأذى النفسي الذي يعيشه مستخدمو تطبيقات المواعدة عند هذا الحد، فهم يواجهون أيضاً ظاهرة الاختفاء المفاجئ، وتعني أنه بعد قطع شوط لا بأس به من التواصل مع شريك حياة محتمل يختفي دون تفسير على الإطلاق أو حتى اعتذار عن الاستمرار في العلاقة.

وتواجه هذه الظاهرة ما لا يقل عن 50% من المستخدمين، وتهدد بالأخص الأشخاص الذين يعانون من تدني احترام الذات فهم يستغرقون وقتاً أطول للتغلب على آثار الشعور بالنبذ.

5 نصائح لاستخدام تطبيقات المواعدة دون الإضرار بصحتك النفسية

رغم الصورة القاتمة للآثار النفسية الفادحة التي يمكن أن يسببها استخدام تطبيقات المواعدة فإنه باتباع بعض النصائح التالية يمكن تقليل تلك الآثار؛ وأهمها:

  1. لا تدخل ساحة المعركة وأنت لست على أتم الاستعداد: اسأل نفسك دوماً قبل استخدامك تطبيق المواعدة هل حالتك النفسية تسمح لك بمواجهة الرفض والقلق الناتج عنه وغيرها من الآثار المحتملة. إذا لم تكن مستعداً فببساطة لا تفتح التطبيق.
  2. حدد الوقت الذي تقضيه في استخدام التطبيق: بحسب العديد من الدراسات فإنه كلما زاد معدل الوقت الذي تقضيه في استخدام تطبيقات المواعدة تزداد احتمالية الإصابة بالقلق والاكتئاب. لذا سيكون من الأفضل تحديد مدة زمنية يومية محددة لا تتجاوزها حتى تحافظ على سلامتك النفسية.
  3. ركز على الجانب العملي: إذا شعرت بأن هناك توافقاً متبادلاً بينك وبين شريك حياة محتمل فاحرص على نقل الأمر إلى خطوة بعيدة عن الواقع الافتراضي في الوقت المناسب ولا تتأخر. وستكون رابحاً في كلتا الحالتين، فإذا وافق سينعكس ذلك إيجاباً على علاقتكما، أما إذا رفض فستكون وفرت على نفسك عناء تراكم المتاعب النفسية وخسارة وقت وجهد أكبر في مسار لا يعود عليك بالنفع.
  4. فرّق بين الاختفاء المفاجئ وحرصك على وضع حدود واضحة: لست ملزماً بالاستمرار في محادثة يتضح منها أن الطرف الآخر ليس الأنسب لك. ولا تظن أن الانسحاب بلباقة يُعتبر نمطاً من أنماط الاختفاء المفاجئ، فذلك حقك لتضمن عدم استنزافك نفسياً.
  5. تذكر دوماً أنك أكبر من ملفك الشخصي وصورتك على تطبيق المواعدة: لذا لا يُعتبر عدم الإعجاب بك أو إنهاء المحادثة رفضاً كلياً لك لأن الآخرين لا يعرفون من تكون. انتبه لعلاقتك بذاتك واحرص على الظهور بشكل غير مزيف.