أنا أطهو، إذاً أنا موجود

تحضير الطعام
shutterstock.com/Anton27
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

إن تحضير الطعام هي فرصة من ذهب لاستكشاف أغوار ذاتك. فماذا علينا لو أرهفنا السمع بحق للمطبخ الصغير الذي بداخلنا؟ فمن خلال قائمة طعامنا، نقدم: الخيال الجامح بالإضافة إلى إمتاع الحواس، وراحة البال.

  1. مشاعر متصاعدة
  2. وقت للتخفيف من التوتر
  3. متعة الإبداع
  4. اكتشاف الذات

تتسابق الأيدي التي أصبحت بيضاء إثر انتثار الدقيق عليها، للإمساك بكرة العجين ودهسها (تشكيلها) وفردها. هل هذا بسبب الشعور بالسخط، بالغضب؟ أم العكس، بالمتعة واللذة الحسية؟ على كل حال، يوجد انفعال منبعث من هذه القطعة من العجين الموضوعة على المنضدة. فبدءاً من الأطعمة وانتهاء بالأواني، كل شيء بلا استثناء، وكل ما في المطبخ يمكننا التذرع به للإعراب عن مشاعرنا، بما في ذلك المايكرويف، لأولئك اللاتي قد يفكرن في صم أذنيهن عن سماع الموسيقى الخافتة الموجودة بداخلهن، ويعيشن ليصنعن ببراعة كل شيء في “عجالة من الأمر”.

مشاعر متصاعدة

تؤكد إيزابيل فيليوزات أن “المطبخ مكان مميز لاستكشاف الذات”؛ فبينما نكون منغمسين تماماً في التفكير، يمكننا الاختيار ما بين متابعة القيام بالأعباء المنزلية المعتادة في أثناء وجودنا فيه أو (كما تقترح المعالجة النفسية) “التوقف عن الحركات الآلية التي نقوم بها والعمل على استعادة أنفسنا وسبر أغوارها ومعاودة الإحساس بالحياة”.

فوفقاً لأحدث استطلاع للرأي أجراه المعهد الوطني للإحصاء والدراسات الاقتصادية بعنوان “الوقت المخصص للتغذية في فرنسا، 2010″، نحن نقضي حوالي ثلاثة وخمسين دقيقة يومياً في إعداد مختلف وجبات الطعام، ونحن واقفين على قدمينا أمام الحوض أو في مواجهة الموقد. يعتبر هذا الوقت المستقطع قسرياً، فرصة أيضاً لمعاودة الشعور بالخصوصية. وهذا ما كتبته بيرلا سيرفان-شرايبر، التي تعمل في مجال الصحافة، وهي شغوفة بالطهي ومؤلفة كتاب يحمل عنوان “السعادة في الطهو”(عن دار نشر لا مارتينيار، 2010): “عندما أطهو، أشعر وكأني خارج الزمن. وهذه الحالة تضعني […] مع استنفار شامل لكافة حواسي […] في صميم ذاتي”. فعند القيام بالفرز أو الغسل أو التقشير أو التقطيع أو التقليب: كل فعل من هذه الأفعال يربطنا بشعور يبدو أنه من الأسهل استقباله هنا أكثر من أي من غرفات المنزل الأخرى. وتوضح المعالجة النفسية كاثرين إيمليت-بيريسول هذا الأمر قائلة: “إن اعتيادنا لهذه الحركات، تجعل من اليسير علينا الانتباه أكثر فأكثر لما يدور بداخل نفوسنا.”

ومن هنا، فإن مجرد تقشير تفاحة تعد فرصة رائعة للالتقاء بنعومة الشكل الدائري، والشعور بمدى قدرته على تهدئتنا أو إزعاجنا، مع تجربة الاسترخاء أو التوتر المصاحب له. إن الاستغراق التام فيما نفعله وفيما يقوله الجسد عن ذلك، يعد عاملاً قوياً للشعور بالارتياح على المستوى الداخلي، مثلاً بمجرد اعتقادنا أننا نتبع تعليمات طباخ “زين4″، التي يقولها دوجين الطاهي الياباني. تخفف كاثرين إيمليت-بيريسول من الأمر قائلة: “هذا ليس نوعاً من التأمل، ولكنه بالأحرى يقظة تُمنح لحركاتنا أثناء وقت مميز، نكون فيه بعيدين عن إزعاج الآخرين لنا”.

وقت للتخفيف من التوتر

عندما لا يقتحم الأطفال علينا المطبخ للاستحواذ على اهتمامنا، يمكننا تخصيص هذه الساعة وجعلها بمثابة وقت حقيقي للتحرر. فعند وقوف الفرد أمام المقلاة وحيداً، يشعر وأخيراً بالفرصة لنفض عن نفسه كل ما مرّ به من توتر خلال اليوم. والأفضل من ذلك، هو الاستفادة من تقشير البصل مثلاً لإطلاق العنان لدموع الحزن والأسى وجعلها تتدفق – وسيساعدنا في ذلك كبريتات الأليل، الذي يحرق العينين، أو لنفعل مثلما تفعل لورانس، معلمة اللغة الفرنسية، التي تصب جام غضبها على البيض في أثناء خفقه لصنع العجة. وتعلق أم لثلاثة مراهقين وهي تضحك: “في الأمسيات التي أكون فيها في شدة الضيق، أصنع كعكة! إن تقطيع الزبدة، وفرك العجين، وفرده ووضعه في القالب، يساعدني على التخلص من التوتر دون أن يدري بحالي أحد، وبالأخص، دون الحاجة للتبرير عن نفسي!”.

وتوصي إيزابيل فيليوزات قائلة: “نحن بحاجة لمعاودة الاتصال بمشاعرنا”، فهي ترى أن قمعها يمنحها المزيد من القوة ويورطنا في شعور ممتد بعدم الراحة. بينما القدرة على عبور هذه المشاعر مع التركيز على أحاسيسك تسمح لك “بفك العقد” واستعادة الهدوء. هذا الهدوء الذي ينعكس بوضوح على مظاهرنا الجسدية: فيهدأ التنفس، ويتباطأ معدل ضربات القلب، وينخفض ​​مستوى الكورتيزول وهو هرمون التوتر، لإفساح المجال أمام مشاعر الاسترخاء، والاتزان ما بين العقل والجسد.

متعة الإبداع

ومن خلال الطهي أيضاً، يمكننا الشعور بمتعة هذه التجربة. وتقول كاثرين إيمليت-بيريسول مؤكدة: “إنها المتعة التي نستشعرها عندما نطعم أنفسنا من أجل البقاء على قيد الحياة”، كما تسترسل قائلة: “فنحن سنلتقي أولاً بأنفسنا بوصفنا جسد حي”. وهذه المتعة التي عفا عليها الزمن وتوجد في اللاوعي، تحرك حواسنا كافة فقط من أجل التمييز بين ما هو جيد وما هو ليس كذلك.

ثم هنالك متعة يسهل أكثر الوصول إليها، تتحدث بيرلا سيرفان-شرايبر عن هذا الشأن فتقول: “إنها المتعة التي ارتأيناها في حركات والدتنا أو جدتنا، والتي شعرنا بها بفضل النكهات والروائح واللحظات التي تشاركناها معاً”. فتمتد جذورها عبر تاريخنا العائلي والجغرافي والاجتماعي. وعلاوة على ذلك، فهذا الشعور هو ما تداعبه البرامج التليفزيونية، والتي للكشف عن النجم المرتقب في عالم الطهي، تقوم بنفسها “بإنضاج” الموهبة الفريدة لمجموعة من الهواة المتحمسين. فيشعر كل مرشح من المرشحين، كما هو الحال معنا، برضا حقيقي عند التعبير عن شخصيته من خلال ابتكار الأطباق أو اختيار طريقة طهي معينة، وفرحة أكيدة كذلك في قدح زناد الفكر للقيام بذلك.

وتدلي جين، وهي مديرة لخدمة العملاء، بدلوها في الأمر فتقول: “هاهنا، أطلق العنان لبعض الخيال الجامح الموجود بداخلي”. فالثلاجة الفارغة، وبعض الضيوف الذي يصعب إرضائهم، تعتبر من التحديات المحفزة للشابة ذات الثلاثين عاماً، والتي تعترف قائلة: “يجبرني المطبخ على البحث في مخيلتي، كما أنه يشجعنا على الابتكار”. هذا ما تؤكده إيزابيل فيليوزات، وبالقيام بهذا الأمر، يساعدنا على التخلي عن تلك العادات السيئة الصغيرة لدينا لكي ندلّل ثروتنا الداخلية بشكل أفضل. وطالما تخلصنا من العراقيل المتمثلة في الخوف من حكم الآخرين علينا والخوف من الفشل، فإننا نكتسب احترام الذات – فنقول: “هذا صُنع يدي” – خاصة ونحن نمارس هناك الحرية في أن نكون ما نحن عليه ونقول – “هذا أنا”.

اكتشاف الذات

إن تحضير الطعام ما هو ببساطة سوى كشف عن الذات. تؤكد كاثرين إيمليت-بيريسول على ذلك فتقول: “تخبر الطبخة دائماً شيئاً عن نفسها، حتى وإن كان الطعام طعاماً مجمداً يتم تحضير الطعام للاستمتاع به”؛ فكونك تفضل “الأسماك” على “اللحوم”، أو “الخضروات” على “المعجنات” يخبر في الواقع بالكثير عن علاقتنا بالطعام، وبالتالي بجسدنا. ولكن، بعيداً عما نفضله، يمنحنا تحضير الطعام أيضاً فرصة لمعرفة المزيد عن أنفسنا. ففي كل مرة نطهو فيها، يمكننا التساؤل حول الأطعمة التي نعشقها وتلك التي لا نستسيغها، وكذلك حول نقاط قوتنا وضعفنا، كما يساعدنا على ذلك الأحاسيس التي يخلفها تناول شتى الأطعمة لكي نقترب أكثر من حقيقتنا. ويمكننا أيضاً فصل ما هو متوارث عن العائلة عما يخصنا نحن. فالمطبخ لا يكذب. تتعهد إيزابيل فيليوزات بذلك قائلة: “فكما يمكننا سماع الضحكة عبر الهاتف، سيكون من الممكن التعبير عن السرور والوعي من خلال الأطباق التي يقع عليها اختيارنا”.