ما هو تأثير بجماليون؟ وكيف يساعد في تحسين أداء الطلاب أو الموظفين؟

4 دقائق
تأثير بجماليون
(مصدر الصورة: نفسيتي، تصميم: إيناس غانم)
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

ملخص: تأثير بجماليون هو ظاهرة نفسية تؤدي فيها التوقعات العالية المرجوة من شخص ما إلى تحسين أدائه في ناحية معينة. وقد سميت بجماليون تيمناً بالنحات في الأسطورة الإغريقية الذي وقع في حب التمثال الجميل الذي صنعه، وتوقع وتأمل أن تُبث فيها الروح حتى استجابت له الآلهة.

تقول الأسطورة الإغريقية إن بجماليون (Pygmalion) كان نحاتاً في قبرص، نحت تمثالاً لامرأة جميلة جداً، ثم فُتن بجمالها وهام بحبها وعجز أن يحب إنساناً، وأخذ يتوسل لإلهة الحب أفروديت أن تمنحه زوجة مثلها، وبالفعل أشفقت عليه أفروديت واستجابت لطلبه وبعثت الحياة في التمثال. إن افتراضات النحّات بجماليون الإيجابية المركزة بأن يصبح تمثاله حقيقة بطريقة أو بأخرى أدت إلى تحقق نبوءته، فالتوقعات الإيجابية حول شخص ما قد يدفعه للتفوق على نفسه، حتى ولو كان تمثالاً! هذا ما يُعرف في علم النفس بتأثير بيجماليون، فما هذا التأثير بالضبط وكيف يعمل؟

اقرأ أيضاً: ما الذي يمنع بعض الأشخاص من الاعتراف بأخطائهم؟

ما هو تأثير بجماليون؟

هو ظاهرة نفسية تصف تأثير التوقعات الإيجابية في سلوك وأداء فرد أو مجموعة ما؛ فالفكرة الأساسية أنه وعندما يمتلك قائد أو شخصية ذات سلطة أو نموذج يُحتذى به توقعات إيجابية عن أحد أتباعه أو مرؤوسيه بأنه يستطيع تحقيق النجاح في مكان معين، فسوف يعدّل هذا الشخص سلوكه ويعمل بجد لتلبية هذه التوقعات. يمكن القول إنها شكل من أشكال النبوءة التي تحقق ذاتها.

من أوائل العلماء الذي درسوا هذه الظاهرة هما عالما النفس السلوكي روبرت روزنثال (Robert Rosenthal) ولينور جاكوبسن (Lenore Jacobson)، ونشرا بحثهما في دورية المراجعة الحضرية (Urban Review) في عام 1968 تحت عنوان "بجماليون في الصف" (Pygmalion in the Classroom).

افترض الباحثان أن أداء الطلاب سيكون أفضل أو أسوأ بناءً على توقعات المعلم لأداء طلابه، وقد بدءا التجربة بإجراء اختبار لقياس معدل ذكاء الطلاب في أحد صفوف المرحلة الابتدائية، ثم أخبروا المعلمين أن نتائج الاختبار قد بيّنت أن ⅕ عدد الطلاب في الصف أذكياء بشكل غير عادي، ولأسباب أخلاقية لم يختارا مجموعة بديلة على أنها غير ذكية؛ وإنما استخدما زملاء الدراسة غير المصنفين بمثابة مجموعة ضابطة.

وبالطبع، فإن الطلاب "الموهوبين" اختيروا عشوائياً ولم يمتلكوا معدل ذكاء أعلى من أقرانهم. لكن ومع انتهاء فترة الدراسة، أُعيد إجراء اختبار الذكاء لجميع الطلاب، وأظهرت كلتا المجموعتين تحسناً، ومع ذلك، فإن أولئك الطلاب الذين وُصفوا بأنهم "موهوبين" قد حققوا نتائج أفضل بكثير في اختبارات التقييم.عُزيت هذه النتيجة إلى تأثير بجماليون، فكيف تعمل هذه الظاهرة؟

اقرأ أيضاً: لماذا يكره البعض نجاح الآخرين؟ وكيف تتخلص من هذا الشعور؟

كيف يعمل تأثير بجماليون؟

نحن مخلوقات اجتماعية نتأثر بتوقعاتنا وتوقعات الآخرين عنا، فإذا توقعنا النجاح من أحد الأفراد، فمن المرجح أن نمنحه دعماً أكبر لمساعدته على تحقيق هذا النجاح. وبالمثل، إذا اعتقدنا أن شخص ما لديه توقعات عالية منا، فسوف نعمل بجدية أكبر لتلبية هذه التوقعات. إذاً وكما ذُكر آنفاً، فإن هذه التوقعات تصبح بمثابة نبوءة تحقق ذاتها لأنها تصبح محفزات للعمل الجاد.

في الواقع، يعمل تأثير بجماليون بما يشبه السلسلة أو الحلقة؛ إذ تؤثر توقعات الآخرين عنا في سلوكهم تجاهنا، ثم يؤثر سلوكهم تجاهنا في كيفية تقييمنا لأنفسنا، ثم تؤثر كيفية تقييمنا لأنفسنا في سلوكنا، ويؤثر سلوكنا في معتقدات الآخرين ويعزز توقعاتهم.

اقرأ أيضاً: 6 أسباب تفسر التعاطف مع المجرمين في الأفلام والانجذاب إليهم

كيف يساعد تأثير بجماليون في الأوساط الأكاديمية والمهنية؟

يمكن ملاحظة تأثير بجماليون في العديد من الأوساط سواء الأكاديمية أو المهنية أو الإدارية أو الاجتماعية. على سبيل المثال، إذا كان المدير يؤمن بقدرات فريقه ويخبرهم ذلك على الدوام، فغالباً أن هذا الفريق سيتفوق على فريق آخر يعتقد مديره أنه لا يتمتع بالقدرات المطلوبة، حتى ولو كان لدى الفريقين نفس المهارات والكفاءات.

يمكنك أن تتخيّل أنك تعمل على مشروع جديد، فيأتي رئيسك في العمل ليخبرك بأنه متحمس جداً لرؤية المنتج النهائي، وهو يعلم أنك ستبلي بلاءً حسناً. الآن ونظراً لأن رئيسك لديه توقعات عالية لأدائك فقد يمنحك دعماً إضافياً في أثناء تنفيذك المشروع، بالإضافة إلى ذلك، ولأنك تريد تلبية توقعاته، فسوف تغيّر سلوكك أيضاً، فقد تقضي ساعات أكثر في تنفيذ المشروع والعمل الإضافي والتحقق من جودة عملك.

وفي النهاية ونظراً لأنك أنت ورئيسك في العمل قد غيرتما سلوككما، فقد حقق المشروع نجاحاً أكبر مما كان سيحققه لو لم يخبرك رئيسك بأنه يؤمن بك. لقد جعلتك توقعاته الإيجابية تعمل بجد أكبر، ما أدى إلى تحسين أدائك والحصول على نتيجة أفضل.

اقرأ أيضاً: كيف تتعامل مع الأشخاص الكثيري الانتقاد؟

تقول مستشارة التعليم وخبيرة تقنيات التعليم في المملكة العربية السعودية، دلال العباسي، في سلسة من الفيديوهات القصيرة التي نشرتها على حسابها في تويتر، إنه كلما زادت التوقعات الإيجابية تجاه شخص أو مجموعة من الأشخاص زادت إنتاجهم ونتائجهم، وهو أمر ينبغي استغلاله عند التعامل مع طلاب المدارس لأن توقعاتنا من طلابنا لها تأثير مباشر على توقعاتهم من أنفسهم ونتائجهم وهذا ما أثبتته البحوث العلمية.

ولتوضيح كيفية استخدام تأثير بجماليون في الصف، اقترح عالم النفس السلوكي روبرت روزنثال عام 1973 نظرية تتألف من 4 عوامل تفسر تأثير بجماليون، وهي المناخ والانطباعات والمدخلات والمخرجات. يشير المناخ إلى الجو الذي يخلقه المعلم وغالباً ما يتم توصيله بشكل غير لفظي عن طريق الابتسامة والإيماءات والتواصل البصري والتي من شأنها أن تخلق مناخاً ودياً وإيجابياً، في حين تشير الانطباعات إلى نوع الاستجابة والثناء وردود الفعل التي يبديها المعلم تجاه الطلاب الذين يتوقع منهم أداءً أفضل من غيرهم، أما المدخلات فتشير إلى مقدار الجهد والوقت الذي يستثمرها المعلم في الطلاب "الموهوبين"، في حين أن المخرجات هي ميل المعلمين إلى دعوة الطلاب "الموهوبين" لأن يكونوا أكثر تجاوباً.

اقرأ أيضاً: هل تفتقدين السعادة في عملك؟ ربما تعانين من متلازمة الخشخاش الطويل

ما أهمية تأثير بجماليون؟

إذاً، نستطيع أن نفهم مما سبق كيف تؤثر التوقعات في سلوكنا ونتائجنا اللاحقة؛ إذ يوضح هذا التأثير أن الانطباعات مهمة، ويمكن استخدامها لتحفيز الآخرين مثل الطلاب أو الموظفين أو الرياضيين أو غيرهم. كما يمكن أن يساعد تأثير بجماليون القادة على إدراك كيفية تأثير مواقفهم وتوقعاتهم في أداء مرؤوسيهم، بالإضافة إلى إمكانية تأثيره في مناخ مؤسسة العمل بكاملها.

ختاماً، ينبغي الانتباه إلى أنه وفي حال كنت أنت الشخص الذين تؤثر توقعاته على الآخرين، فيجب أن تحاول الحفاظ على توقعات إيجابية وأن تعبر عنها دائماً من أجل تحفيز الناس على تلبية هذه التوقعات. ومع ذلك، عليك أن تكون حريصاً على ألا تدع توقعاتك عن بعض الأفراد تلقي بظلالها على الأشخاص الآخرين الذين قد يكون لديهم أيضاً الكثير ليقدموه. بكلمات أخرى، ينبغي التأكد من حرصك على عدم تفضيل واحد أو أكثر من الطلاب أو الأفراد لمساعدته على النجاح، لأن هذا قد يترك الآخرين يشعرون بعدم التحفيز أو الإحباط.