هل يجعلنا الإجهاد أكثر أنانيةً؟

تأثير التوتر والإجهاد
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

هل تعرضت لموقف ضاغط أثار توترك مؤخراً؟ هل لاحظت التغيرات الجسدية التي حدثت لك نتيجة زيادة مستويات هرمون الكورتيزول؛ الذي يُسمى أيضاً “هرمون التوتر”، من ارتفاع في ضغط الدم، وزيادة معدل ضربات القلب وتشنُّج العضلات؟

ربما تكون تلك الآثار هي الأكثر وضوحاً لكن تأثير التوتر والإجهاد يمتد لأبعد من ذلك؛ حيث يتأثر سلوكنا أيضاً بمدى تعرُّضنا للضغوط الحياتية. فبينما قد نتقبَّل الانتقادات بصدر رحب ونحن بحالة مزاجية جيدة ونستشعر في نصيحة الآخرين أمراً جيداً، قد نشعر بالتهديد من الانتقادات ذاتها إذا كنا نمر بحالة مزاجية سيئة.

لا يقتصر الأمر على ذلك، فقد يدفعنا الإجهاد لأن نكون أكثر أنانيةً ويقلل من مشاعر الإيثار لدينا وفقاً لدراسة حديثة أجراها فريق بحثي من جامعات هامبورغ بألمانيا، كوينز بكندا، معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا وجامعة التقنية في دريسدن بألمانيا.

انتشار التوتر في المنطقة العربية وشمال إفريقيا

بحسب الشبكة البحثية “الباروميتر العربي” (Arab Barometer)؛ تبيّن في بحث أُجري عام 2020 شمل أسئلة حول الصحة النفسية وشارك به أكثر من 25,000 مواطن في جميع أنحاء الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، أن نحو 35% من المشاركين يشعرون بالتوتر بشكل متكرر؛ حيث ذكر 53% من المواطنين التونسيين المشاركين أنهم يعانون من التوتر في كثير من الأحيان، ويليهم العراقيون بنسبة 49% والأردنيون بنسبة 42%.

وفي الوقت ذاته؛ كان المصريون والجزائريون أقل عرضة للإجهاد المتكرر بنسبة 27% لكليهما، يليهم السودانيون بنسبة 22%، ثم الكويتيون بنسبة 12%.

وبمقارنة سكان الريف والمدن؛ أوضح البحث أن سكان الحضر في تونس واليمن وليبيا ومصر والسودان هم أكثر عرضة للإبلاغ عن الإجهاد، بينما في العراق ولبنان والمغرب والجزائر كان سكان الريف أكثر عرضةً للمعاناة منه.

كيف يؤثر التوتر في تعاملنا مع الأشخاص؟

يؤثر التوتر والتعرُّض لضغط كبير سلباً في كيفية تعاملنا مع الأشخاص من حولنا؛ حيث يمكن أن يجعلنا أكثر أنانيةً وجشعاً.

في دراسة سابقة أجراها باحثون من المركز الطبي الجامعي (University Medical Center) و”معهد رودولف ماغنوس” ( Rudolf Magnus Institute of Neuroscience, Utrecht University) بأوترخت في هولندا وجامعة “هاينريش هاينه دوسلدورف” (Heinrich-Heine University Düsseldorf) بألمانيا، لتحديد مدى أهمية عامل الوقت في اتخاذ القرارات الاقتصادية بعد مرور الفرد بحالة من الضغط والتوتر، تبيّن أنه بعد التعرُّض للإجهاد الحاد بفترة قصيرة -نحو 75 دقيقة- تصرَّف المشاركون بشكل أكثر اتساقاً مع مصلحتهم الذاتية المادية؛ ما يعني تفضيل مصلحتهم الشخصية على الآخرين، وأنهم كانوا أكثر أنانيةً.

بناء على هذه النتيجة؛ حدد الباحثون بعض النقاط للتركيز عليها في الدراسة الحديثة والمتمثِّلة في كيفية عمل هرمونات التوتر واستجابات الدماغ لها للتوصُّل لكيفية دفع التوتر للأشخاص لأن يكونوا أكثر أنانية؛ حيث أن لهرمون الكورتيزول الذي يُفرز نتيجة للإجهاد والتوتر دوراً مهماً في التأثير في العمليات الإدراكية العصبية المرتبطة بالعقل.

كذلك، فلقد بحثوا ما إذا كان ذلك التأثير السلبي يحدث لدى الجميع بنفس الدرجة، أو أن هناك عواملَ تتحكَّم في ذلك الأمر.

رغبتنا في مساعدة الآخرين مرتبطة بمعدلات التوتر لدينا

طلب الباحثون من المشاركين في الدراسة التبرع لجمعيات خيرية مختلفة قبل وبعد التعرض لضغوط اجتماعية، وذلك بعد منح 20 يورو لكل مشارك مع إخبارهم أنه يمكنهم الاحتفاظ بأي أموال قرروا عدم التبرع بها.

في البداية كان معظم المشاركين على استعداد لدعم القضايا الخيرية؛ لكن بعد تعرضهم لضغط اجتماعي كانت استجاباتهم البيولوجية للضغط وارتفاع مستوى هرمون الكورتيزول مرتبطة بشكل سلبي بعطائهم؛ أي أنه كلما زادت استجابات الإجهاد الجسدي قل الإيثار.

لكن ذلك لم يحدث للجميع بنفس الدرجة؛ كانت قابلية المشاركين للإصابة بآثار التوتر السلبية مرتبطة بقدرتهم على فهم احتياجات الآخرين أو معتقداتهم أو أهدافهم أو وجهات نظرهم؛ حيث كان المشاركون ذوو المهارات العقلية العالية هم الأكثر عرضة لأن يصبحوا أكثر أنانية تحت الضغط.

الأنانية كاستجابة للتوتر

تساعد تلك الدراسة على فهم الرابط بين استجابات الجسم للضغط والتوتر، والتغيير في رغبتنا في مساعدة الآخرين؛ حيث أن تراجع البعض عن مساعدة الآخرين في بعض الأحيان قد يكون مرتبطاً بحالتهم النفسية، وقد لا يكون هو سلوكهم المعتاد؛ ما يعني أن التوتر هو عامل خطر للتنبؤ بتدني سلوك الإيثار وتفضيل الأنانية في المقابل.

كذلك، فقد يؤدي تطوير تدخلات مستهدفة لتقليل مستويات التوتر إلى تحسين الإيثار في المجتمعات؛ ما يؤتي بنتائج إيجابية شاملة.

لذلك إذا لازم شعورك بالتوتر مؤخراً قلة الرغبة في التطوع والعمل الخيري أو مساعدة الآخرين، فذلك الأمر قد يكون عابراً، ويلزمه زيادة الوعي بالتغيُّرات التي تحدث حولك وكيفية استجابتك لها، وقد يكون هذا الوعي جزءاً مهماً من حل المشكلة.