الواتسو: علاج مائي يخلصك من التعب والألم النفسي والجسدي

الواتسو
(مصدر الصورة: نفسيتي، تصميم: إيناس غانم)
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

الواتسو (watsu) هو أحد أساليب العلاجات المائية التي تعتمد على الطفو في بركة ماء حرارتها 34 درجة مئوية؛ حيث يدلك المعالج المختص جسدك ويمدده ويهزه برفق خلال ذلك لمدة 45 دقيقة لتشعر بنهايتها بالاسترخاء التام. ولتتعرف إليها من كثب؛ جربتْ إحدى صحفيات موقعنا هذه الطريقة العلاجية بنفسها ونقلت تجربتها إلينا.

تساعد تقنية الواتسو على تخليص المرء من التوتر الجسماني والنفسي؛ إذ يخرج من الجلسة في حالة استرخاء وراحة تامة، وتُعد طريقة مثالية لحالات الإرهاق أو الاكتئاب أو هشاشة العظام التي تصيب كبار السن أو القلق الذي يحيط بفترة الحمل والولادة. وعلى الرغم من أنها تشبه جلسات التدليك التقليدية من حيث المبدأ فإن فوائدها أكبر، وهذا ما لمسته من تجربتي الشخصية. في البداية يجب أن أذكر لكم أنني أعاني خوفاً شديداً ودائماً من الماء؛ ما جعل حالتي مثالية لتجربة هذه الطريقة إذ يُزعم أن تقنيات الشياتسو المستخدمة فيها يمكن أن تساعد أي شخص على الدخول في حالة استرخاء عميق في الماء، ومن المفاجئ بالنسبة إليّ أن أتمكن من ذلك إذ يصعب عليّ تخيل نفسي مسترخية في وضع كهذا لأن جسدي يرتعش بالكامل بمجرد التفكير في حوض السباحة ورائحة الكلور وصخب السباحين وتيارات الهواء الباردة القادمة من غرف تغيير الملابس.

قصة خوفي من الماء

كانت سارة هي معالجة تقنية الواتسو التي سترافقني في الجلسة الأولى. كنت مذهولةً عندما وصلت، فقد كان حمام السباحة صغيراً ومعزولاً بعيداً عن ضجيج غرف تغيير الملابس. لم أشم أي رائحة كلور وكانت تزين الجدران أحجار نافرة جميلة، وكان المكان مريحاً ودافئاً وهادئاً تماماً لا يُسمع فيه إلا الأزيز اللطيف الصادر عن نظام تسخين حوض السباحة، الذي جعلني مظهره أنسى خوفي للوهلة الأولى فقد كانت أرضيته تميل إلى اللون الأخضر وبدا كمربع خرَسانيّ ناعم جميل وكبير بما يكفي للاستلقاء فيه دون الشعور بأنني أضيع في مياهه وتخيلت نفسي أنساب معها دون أن أغرق.

كانت سارة تبتسم بهدوء وأوضحت لي أن مياه البركة التي تبلغ حرارتها 34 درجة مئوية نظيفة تماماً لذا كان عليّ أن أستحم قبل أن أدخلها، وقالت لي إنّ بإمكاني أخذ جولة في المكان ثم الانضمام إليها في الماء عندما أشعر أنني مستعدة لذلك، لا أعرف إن كنتُ مستعدةً لكن لم يكن لديّ خيار. حالما ارتديت ملابس السباحة تذكرتُ عندما دفعني المنقذ إلى حوض السباحة الكبير ذات مرة ليثبت لي أن الأمر لا يستحق الخوف، كنتُ في الثامنة من عمري آنذاك واستمر خوفي حتى اليوم وأنا في الثامنة عشرة وأتذكر أيضاً صديقاتي اللواتي كن يمرحن في أمواج البحر عندما صرخن في وجهي: “هيا، ألا تريدين النزول في الماء؟ لا تكوني حمقاء!”؛ لكنني لست حمقاء بل خائفة وهو الأمر الذي لا يمكن لمن لا يشعرون به أن يفهموه.

بينما كنت أستحم بالماء الساخن تذكرتُ جولييت بينوش في فيلم “ثلاثة ألوان زرقاء” (Trois Couleurs, Bleu)؛ التي كانت تتخلص من حزنها بالسباحة لمسافات طويلة في بركة سباحة كبيرة، كم آمل أن أفعل مثلها يوماً ما. اتبعتُ في إحدى المرات دورةً لتعليم السباحة وكنت أشعر بالسرور كلما نزلتُ إلى الماء في البداية ثم سرعان ما تسيطر عليّ حالة هلع شديد، وحتى عندما كنت أطفو فإنني كنتُ أصاب بالهلع بمجرد سقوط قطرة ماء على أنفي أو رؤية دوامة صغيرة أو بعض الفقاقيع.

هكذا تركتُ جسدي ينساب مع الماء

كانت هذه الأفكار كلها تجول في رأسي عندما انضممتُ إلى سارة في الماء وكانت معدتي متشنجة بسبب الخوف، وصرت أقول لنفسي: “ما الذي حملني على خوض هذه التجربة؟ وما الذي أفعله هنا؟ وبينما نحن مغمورتان حتى العنق في هذا الماء الساخن مدت سارة يديها إليّ مبتسمةً فأمسكتُ بهما بأطراف أصابعي وقلت لها إنني خائفة ثم انهالت دموعي على وجنتيّ، فطلبتْ مني أن أحدد مكان الخوف في جسدي فقلتُ لها إنني أشعر وكأن فقاعة عالقة في قفصي الصدري تسيطر عليّ وتضيّق أنفاسي، وعندما ركزتُ على شعوري وأدركته بدأت نبضات قلبي تهدأ وهكذا فهمت أنني يجب أن أطلق العنان لمشاعري وهذا ما اقترحته سارة عليّ فقالت لي: “لا تضعي رأسكِ تحت الماء إن لم ترغبي، فقط تنفسي بهدوء واغمضي عينيكِ واتركي نفسكِ تنجرفين بعيداً “وتذوّقي” كل الأحاسيس التي تنتج من ذلك”.

عندما وضعت سارة ذراعها تحت رقبتي ارتفع جسدي بلطف أفقياً وشعرتُ بالخفة والانسيابية التي لطالما حلمتُ بها وغمرتني تلك الأحاسيس كلياً فتركت الماء يحملني وطفوت على وجهه خفيفة كريشة، وكان شعوراً رائعاً جعلني مسترخية تماماً. كانت سارة تأخذني بجولة في المسبح وعيناي مغمضتان وكأنني عشب بحري طري وهادئ يتحرك مع التيارات، وشعرت بعضلات ظهري تسترخي ونفسي يتباطأ وكانت الغبطة تسري في أنحاء جسدي، لقد كنت بأفضل حال يمكنني تخيله.

شعور بالأمان

كنت أشعر بالأمان في المياه التي لطالما أرعبتني وكان حزني العميق يتلاشى شيئاً فشيئاً تماماً كما حدث مع جولييت بينوش. ضغطت سارة برفق على طول فقراتي ثم على طول ذراعيّ ومفاصلي ثم شدت عضلاتي وهزتني بلطف، وكان بإمكاني سماعها تهمهم قليلاً ودون أن أحاول معرفة الترتيب الذي تتبعه، كنتُ أستمتع فقط بحركاتها اللطيفة التي كنتُ بأمس الحاجة إليها؛ وكأن أحداً يعانقني عناقاً رقيقاً مطولاً. خلف عينيّ المغلقتين كنتُ أشعر بالراحة والاسترخاء وأتخيل حوض السباحة الأخضر الحميم هذا وهو يحتضن جسدي بحب. عندما أنزلتْ سارة جسدي ببطء نحو الأسفل وشعرتُ بقاع حوض السباحة تحت قدميّ والحافة على ظهري لم أكن مدركةً كم من الوقت استغرقت “رحلتي” هذه وفي أي جزء من المسبح استقريت. انتهت الجلسة الآن، وأخذت وقتاً قبل أن أفتح عينيّ لأستمتع بشعور الرفاهة العميق الذي يغمرني. . .

الواتسو تجربة استشفائية

بعد هذه الجلسة تلاشى الخوف والتوتر اللذين شعرت بهما في البداية تماماً وكنت أشعر بالخفة حتى بعد خروجي من المياه. لقد فهمت الآن وبالتجربة العملية كيف يمكن لممارسة الواتسو أن تخفف الألم والتعب الجسدي والنفسي لأي شخص سواء كنا نتحدث عن النساء الحوامل أو اللواتي وضعن حديثاً أو كبار السن أو المرضى أو أولئك الذين يقضون فترة نقاهة أو الذين يعانون حزناً لخسارة عزيز، فقط أطلق العنان لمشاعرك وثق بهذا المعالج الذي يتحلى بالمعرفة والإنسانية.

للتأكد من أن ما شعرت به لم يكن مجرد تأثير سحري لسارة فقد ذهبتُ بعد بضعة أيام لحضور جلسة واتسو أخرى، وهذه المرة في صالون تجميل، وكانت أحاسيسي أقل عمقاً وتجربتي أقل إثارة لكنني مع ذلك شعرت بتلك المتعة الاستشفائية وبالتآلف الكبير مع جسدي.

ما زلت لا أستطيع السباحة لكنني قررت أن أعود لرؤية سارة مرة أو مرتين في الفترة القادمة لمواصلة استكشاف هذا الإحساس المائي اللطيف معها ومحاولة فهم جذور مخاوفي، وهذه قصة أخرى.