لماذا ينجذب البعض إلى العلاقات السامة؟ وكيف له أن ينجو منها؟

علاقة سامة
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

تكمن الدوافع وراء الارتباط العاطفي عند البشر في تطلعهم إلى حياة مليئة بالطمأنينة والسكينة؛ لكن هذا لا يتحقق دائماً فأحياناً يتورط الشخص في علاقة سامة تجعله شريكه يستنزف مشاعره ويبذل جهده لإغراقه لا لإنقاذه.

ويمكن تشبيه العلاقة السامة بإدمان المخدرات، فهي تبدأ بوجود شخص يملأ حياتك العاطفية؛ ويتضمن ذلك نشوة البدايات، ومن ثم تنقلب العلاقة رأساً على عقب، فبدلاً من الدعم الذي يقدمه الشريك؛ تتحول العلاقة لمصدر ضغط، فتجد نفسك تتجاهل احتياجاتك النفسية والجسدية لتلبية رغباته.

مبدئياً لنفهم، ما هي العلاقة السامة؟

ربما يكون مصطلح “العلاقة السامة” غامضاً بالنسبة للبعض ويحتاج إلى توضيح، وذلك ما تساعدنا عليه الخبيرة النفسية ليليان غلاس (Lillian Glass) التي صاغت المصطلح في كتابها “الأشخاص السامون: 10 طرق للتعامل مع الأشخاص الذين يجعلون حياتك بائسة” (Toxic People: 10 Ways Of Dealing With People Who Make Your Life Miserable) الصادر عام 1995، فقد عرفت العلاقة السامة بأنها أي علاقة بين شخصين لا يتشاركان الدعم، ويعيشان دوماً في صراعات يسعى خلالها أحدهم إلى تحجيم الطرف الآخر، مع غياب الاحترام والثقة المتبادلة.

وتتفهم غلاس أن جميع العلاقات تمر بفترات صعود وهبوط؛ لكن العلاقة السامة تكون محبِطة على طول الخط وتفوق الأوقات السلبية فيها الأوقات الإيجابية بصورة واضحة، وذلك يجعل تأثيرها من وجهة نظر الطبيبة النفسية كريستين فولر (Kristen Fuller) يتجاوز العقل والعاطفة ويمتد إلى الضرر الجسدي لأحد الطرفين أو كليهما.

الانجذاب للعلاقات السامة قد يرتبط بالطفولة

ربما يتساءل البعض عما يجعلهم أكثر عرضة للوقوع في فخ العلاقات السامة، ويظنون أن الأمر محض مصادفة؛ لكن في الحقيقة هناك أسباب مختلفة أولها الحرمان العاطفي الذي يجعل الشخص مندفعاً لتلبية رغباته العاطفية دون التمهل للتحقق من ملاءمة الشريك له.

وأحياناً تصل جذور أسباب الانجذاب للعلاقة السامة إلى طفولة الشخص بحسب المعالجة النفسية كلير جاك (Claire Jack) التي تؤكد أنه إذا نشأت ضمن عائلة لم توفِ احتياجات الحب والأمان، وكان الوالدان فيها منتقدين وغير متقبلين أو تخلوا عن طفلهم، فذلك يزيد احتمالية اختيار شريك يتصرف بطريقة مقاربة لهذه التنشئة، لأن الشخص يرسخ في ذهنه لا إرادياً أن ما نشأ عليه هو الصواب حتى لو تسبب في تأذيه.

وهناك سمات شخصية تجعل الشخص يقع في العلاقة السامة بسهولة مثل أن يكون ضعيف الثقة بنفسه، أو مصاباً ببعض الاضطرابات الشخصية التي تجعله ينجذب لأشخاص لديهم أيضاً اضطرابات شخصية؛ مثل انجذاب الشخصية الاعتمادية للشخصية النرجسية.

بالإضافة إلى أسباب أخرى أهمها الشعور بعدم الأمان والترقب الدائم لنفسية الطرف الآخر، وكذلك الانطفاء وإخفاء المشاعر والخوف.

اقرأ أيضا:

10 علامات تشير إلى وقوعك في علاقة سامة

ربما يختلط عليك الأمر أحياناً فتظن أنك في علاقة صحية بينما أنت غارق في علاقة سامة أو العكس، لذا إليك علامات تساعدك على التعرف إلى العلاقات السامة:

  1. لامبالاة الشريك تجاه مشاعرك وقلة تقديره لها.
  2. الغيرة الزائدة ورغبة الشريك في عزلك عن أصدقائك وعائلتك.
  3. غياب الشريك المفاجئ وظهوره المفاجئ أيضاً دون أسباب منطقية.
  4. عدم وجود دعم نفسي من جانبه خلال الأوقات الصعبة التي تمر بها.
  5. شعورك بعدم القيمة في العلاقة.
  6. مهما قدمت لا يكون عطاء الشريك مقارباً لما تعطيه.
  7. كثرة الخلافات الحادة التي تتعرض فيها للتجريح.
  8. تقلب العلاقة المستمر وعدم استقرارها على حال.
  9. الشعور بالإنهاك النفسي نتيجة استمرار العلاقة.
  10. إيجاد الأعذار دوماً للطرف الآخر متحاملاً على نفسك.

فروقات واضحة بين العلاقة السامة والعلاقة الصحية

توجد العديد من الفروق التي يمكن من خلالها التحقق ما إذا كنت في علاقة صحية أو سامة؛ أولها أنه عندما نتحدث عن علاقة صحية فنحن نعني وجود مساحة كافية للحديث عن المشاعر بحرية، فالشريك والشريكة مستعدان ومرحبان بالاستماع إلى مشكلات الطرف المتضرر ولديه رغبة في بذل قصارى جهده من أجل حل المشكلات ورضا الطرفين عن العلاقة.

بينما في العلاقة السامة يتجنب الشريك التعبير عن احتياجاته لشريكه، لأن تفاعله معها سيكون محبطاً باعتبارها غير مهمة أو ليست أولوية بالنسبة له، ومن ناحية أخرى لا تتوافر الثقة المتبادلة اللازمة لتشارك تلك الاحتياجات.

ويرتبط ذلك بشكل مباشر بأن العلاقة الصحية تتسع لتقبل الاختلافات وتسمح لكل شخص أن يكون ذاته بحسب تأكيد الطبيب النفسي هاري كروفت (Harry Croft)، بينما في العلاقة السامة يبذل أحد الطرفين جهده دوماً لأن يتغير حتى يصبح أكثر قرباً لمعايير الشخص الآخر ويتجنب الاختلاف معه.

يشير كروفت أيضاً إلى فرق مهم هو أنه في العلاقة الصحية يمارس الشريكان أنشطتهما المعتادة مع العائلة والأصدقاء دون أن يؤثر ذلك في قوة العلاقة، بينما في العلاقة السامة يصبح أحد الشريكين مراقباً من جانب شريكه الذي يتحكم في حياته بصورة ضاغطة.

وفي حال تعبير الشريك الضحية عن استيائه من هذا الوضع المزعج فإن النقاش لا يكون صحياً، فالطرف السام في العلاقة يريد دوماً الانتصار لرأيه دون ترك أي فرصة لشريكه كي يعرض وجهة نظره.

كيف أنجو من العلاقة السامة؟

للأسف غالباً ما يدرك الشخص الذي تورط في علاقة سامة كارثية الوضع متأخراً؛ لكن مهما حدث فالإصلاح يظل متاحاً باللجوء إلى المعالج النفسي، الذي يضع له أهدافاً في خطته العلاجية تفك أولاً تعلقه المرضي بالشريك.

بالإضافة إلى تعزيز تقديره لذاته وتغيير معتقداته عنها، وكذلك تقديم التشجيع المستمر للتقدم في الخطة العلاجية، ومناقشته حول ما يدور في ذهنه من متغيرات خلال تلك الفترة.

وتوجد بعض الخطوات العملية التي تساعد بالتوازي مع المسار العلاجي؛ أبرزها وفقاً للطبية النفسية كريستين فولر أن يتخذ الشخص الواقع في علاقة سامة قراره تجاه العلاقة، ويحدد إذا كانت تستحق بذل المجهود لإصلاحها والاستمرار فيها أو أنه من الأفضل إنهاؤها، فهناك بعض الأشخاص السامين بحسب الاختصاصية النفسية إليزابيث سكوت (Elizabeth Scott) لا يكونون مستعدين للتغيير إلى الأفضل، بالأخص من يفتقرون إلى الوعي الذاتي في العلاقة.

ومن الضروري أيضاً وفقاً للاختصاصي النفسي سيث جيليهان (Seth Gillihan) أن يتحلى الشخص بالصبر مع نفسه للتأقلم على غياب العلاقة السامة عن حياته في حال إنهائها، وذلك بمنح نفسه الوقت والجهد الكافي للتعافي منها، مع عدم القسوة على نفسه وتعويضها عن المعاناة التي لاقاها خلال العلاقة بمختلف الطرق المتاحة؛ مثل ممارسة الأنشطة المفضلة أو شراء الهدايا المحببة لنفسه.

أخيراً لتكتمل الصورة لديك حول العلاقة السامة وتأثيرها في الصحة النفسية؛ أنصحك بمشاهدة هذا الفيديو للطبيبة النفسية كاتي هود (Katie Hood) عن الفرق بين العلاقة السامة والعلاقة الصحية، وإذا وجدت أنك واقع في علاقة سامة فلا تتردد أن تأخذ الخطوة الأولى على طريق تعافيك منها.