ما الذي يضمره المتلاعبون عاطفياً في صدورهم؟ وكيف تتعامل معهم؟

4 دقيقة
المتلاعبون
(مصدر الصورة: نفسيتي، تصميم: إيناس غانم)
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

ملخص: قد لا نغفل عن أولئك الذين يحاولون التلاعب بنا لبيعنا منتج ما أو الحصول على دعمنا على الإنترنت، لكن ماذا عن أولئك المقربين منا؟ كيف يتلاعب بنا صديق أو فرد من أفراد العائلة أو شريك الحياة؟

من خلال فهم الدوافع الخفية لهؤلاء الأشخاص، يمكننا الحفاظ على إرادتنا الحرة وحماية أنفسنا من حيلهم. لكن الجدير بالذكر أن محاولة تفسير هذه السلوكيات قد تقودنا إلى تبريرها أحياناً وذلك وفقاً لمختصة العلاج النفسي آن لور بوفيه (Anne-Laure Buffet)، إذ توضح أن هدف المتلاعبين الأول هو تسويغ سلوكياتهم، لذا من الأفضل أن تكشف سلوك التلاعب دون محاولة معرفة أسبابه أو تحليله من الناحية النفسية.

التلاعب حاجة وجودية لدى المتلاعب

لتتبين الموقف، من المهم أن تفهم هدف المتلاعب المُعلَن إلى حد ما، وتقول مختصة العلاج النفسي آن لور بوفيه: “هنالك عدة أهداف لسلوك التلاعب”، قد يحاول المتلاعب زيادة نفوذه وسيطرته وإحساسه بالقوة ليعزز إحساسه بوجوده، أو ليحافظ على رابطة تهمه أو يتجنب القلق الذي تثيره الوحدة في نفسه. في حالات أخرى يمارس التلاعب بغية تعويض شعوره بالفشل، فيحاول الاستحواذ على صفات ضحيته ومهاراتها، أو يحاول أن يمنح أفعاله وأفكاره المعنى الذي تفتقر إليه فيستمتع بتأثيره في الآخرين.

تتابع بوفيه: “باختصار، يسعى المتلاعبون إلى وضع حد لصراع داخلي عميق وشعور بالقلق لا يمكنهم السيطرة عليه إلا باستغلال الآخرين”. قد نظن أن سلوكيات المتلاعبين تنبع من ثقة كبيرة بالنفس، لكن الأمر عكس ذلك تماماً، وتضيف مختصة العلاج النفسي: “تعبر سلوكياتهم عن افتقار عميق ووجودي لتقدير الذات، إلى جانب رفض مفهوم الآخر ومفهوم الإنصاف”. لدى هؤلاء حاجة إلى ملء فراغ عميق للغاية ويحاولون تعويض شعورهم بالنقص والإحباط والحرمان من القيم التي يعتبرونها ضرورية، من خلال تملك الآخر ثم السيطرة عليه، وكلما جردوه من تقدير الذات ازداد شعورهم بالقوة والتفوق.

ما هي العوامل الداخلية والخارجية لسلوك التلاعب؟

إذاً، يتسم المتلاعبون بتدني تقدير الذات ويرجع ذلك إلى عوامل مختلفة داخلية وخارجية، تتضمن العوامل الداخلية مزاج كل شخص أو شخصيته، وتقول مختصة العلاج النفسي: “لا يتمتع كل شخص بالكاريزما أو موهبة الخطابة أو القدرة على جذب الآخرين، وفي حين أن تمتع المرء بهذه السمات لا يعني دائماً أنه متلاعب، فإنها تمثل أرضاً خصبة لهذا السلوك عندما يستخدمها المتلاعب لإغراء الضحية”.

أما العوامل الخارجية فتتمثل في التربية والبيئة الأسرية والعلاقات التي نشأت بين المتلاعب والآخرين في مرحلة مبكرة من حياته. فمن نشأ وهو يعاني نقصاً عاطفياً سيسعى غالباً إلى تعويضه للتغلب على ضعفه أو التخلص منه. كما أن هنالك تأثيراً للمجتمع، وتقول مختصة العلاج النفسي: “ينطلق المجتمع من الفردانية والتنافس، ومن ثم فهو يعزز الأنا ويقدّر المهارات المرتبطة بالنجاح والزهو”. يرغب الجميع في إظهار نفسه والحصول على تقدير الآخرين والتأثير فيهم، ولذلك صار البعض يتلاعبون بمن حولهم لاستعادة صورتهم في المجتمع. وأخيراً، يضاف إلى العوامل المحتملة أيضاً الصدمات وحوادث الحياة، إذ تؤدي الصدمات التي يتعرض إليها الإنسان خلال مرحلة الطفولة والمراهقة، مثل العنف والفجيعة، إلى عواقب عندما لا يتمكن من التعافي منها، فيلجأ إلى آلية عكسية تتمثل في أخذِ دور المعتدي.

“تمثل الوحدة أكبر مخاوفهم، ووجودهم مرتبط بهيمنتهم على الآخرين، مختصة العلاج النفسي آن لور بوفيه.

المتلاعب يركز على نفسه فقط

وفقاً لمختصة العلاج النفسي، لا يعي المتلاعب دائماً ما يفعله وتأثير سلوكه في الآخرين، وتوضح قائلة: “من الصعب معرفة ما يفكر فيه حقاً، خاصة أن هنالك فجوة فاصلة بين أفكاره الواعية واللاواعية، وفي الواقع يتعلق الأمر بمشاعره أكثر من أفكاره”. يتصرف المتلاعب مدفوعاً بمشاعر الغضب والحسد والخوف وهي تزعجه إلى درجة أن سلوك التلاعب يبدو له ضرورياً للحفاظ على توازنه المتزعزع جداً، وبمجرد تبني هذا السلوك يصبح هدفه الأساسي الحفاظ على قوته أو تعزيزها، ومن ثم فإنه يركز فقط على نفسه وعلى كيفية الحفاظ على هذه الآلية التي أنشأها.

يركز المتلاعب على هدفه ولكنه من النادر أن يعترف به وخلال سعيه هذا لا يمنح أي اعتبار للآخر على الرغم من حاجته الشديدة إليه. “تمثل الوحدة أكبر مخاوفهم، ووجوده مرتبط بهيمنته على الآخر، لكنه لا يعي ذلك تماماً ومن ثم لا يمكن القول إنه يؤذي ضحيته عمداً فهو لا يعي بالضرورة عواقب سلوكه على الآخرين، فكل ما يفكر فيه هو النتيجة التي سيحصل عليها أي الحد من قلقه وزيادة رضاه، وملء الفراغ الوجودي في داخله من خلال الهيمنة ليتحول سلوك التلاعب لديه بعد ذلك إلى حلقة مفرغة.

وعود وهمية

يغري المتلاعب الآخرين بوعوده وتقول مختصة العلاج النفسي آن لور بوفيه: “يحفز كلامه الآخرين ويجذبهم ويثير تعاطفهم واهتمامهم، حتى أنه يولد لديهم شعوراً بأنهم يعانون صعوبات وأن هذه العلاقة القائمة على التلاعب هي الحل لمشكلاتهم”. وعلى الرغم من ذلك، تتناقض أفعال المتلاعب مع كلامه فهو لا يفي بأي من وعوده الطيبة بالرفاهة والحماية والأمان والحب والتآزر والمشاركة، تضيف بوفيه: “يتذرع المتلاعب دائماً بظروف معينة يحددها ضمنياً مسبقاً أغلب الأحيان، ويدفع من حوله إلى الظن بأنهم ارتكبوا أخطاء أو لم يفهموه كما يجب وهذا ما منعه من تحقيق وعوده، حتى أنه قد يستعيض عن هذه الوعود بعقوبات عندما يخشى أن الكلام اللطيف قد يؤدي إلى فقدانه السيطرة أو فقدانه اعتباره”.

يرى المتلاعب أن الآليات النفسية والعاطفية التي يستخدمها مباحة طالما أنها تحقق الهدف المنشود، ومن ذلك إظهار اللطف والتواضع الزائف والثناء، أو الأوامر المباشرة وغير المباشرة أو تهديد الضحية أو التقليل من قيمتها أو انتقادها أو جعلها في حالة عزلة، كما يمارس المتلاعب السخرية أو السادية أو مزيجاً مروعاً من الاثنتين أحياناً، ويحاصر ضحيته في شباكه كما ينسج العنكبوت شباكه حول فريسته، وكلما ازدادت معاناة الضحية أحكم قبضته عليها أكثر.

المتلاعب يسعى باستمرار إلى زيادة سلطته

لذلك قد نرى أنه لا جدوى من المقاومة وأن الاستسلام للمتلاعب أفضل طريقة لحماية أنفسنا منه، ولكننا بهذه الطريقة نزيد من قوته ومن رغبته في تعزيز سيطرته، وتقول آلان بوفيه: “يشعر المتلاعب بذلك بنوع من المتعة سيسعى إلى تجديدها، وعلى هذا النحو ستفقد ضحيته قدرتها على المقاومة”.

علاوة على ذلك، فإن الاستسلام له لا يؤدي إلى إصلاح العلاقة المضطربة، بل على العكس تماماً. في البداية قد يبدو للضحية أن المتلاعب يكافئها على امتثالها لأوامره لكن سرعان ما سيظهر أن هذه المكافئة ليست إلا ترسيخاً للمشكلة لأن استسلام الضحية يقلل من قيمتها أكثر إذ إنه دلالة على ضعفها وعجزها وافتقارها إلى الإرادة الحرة أو الاستقلالية. لكن التمرد محفوف بالمخاطر، فإذا لم تستسلم الضحية للمتلاعب، سيصاب هذا بالإحباط بسبب فقدانه سيطرته الأمر الذي يهدد وجوده ومن ثم فإنه قد يغضب ويظهر قسوة أو حتى أفعالاً إجرامية وتقول مختصة العلاج النفسي: “لا يتقبل المتلاعب أي تصرف يخل بقوته أو ينكرها حتى أنه مستعد لتدمير الآخرين نفسياً في سبيل استعادة سلطته”. إذا تعرض إلى الرفض فإنه سيحاول غالباً إعادة بناء الرابطة أو على العكس سيتابع مضايقة ضحيته إلى أن تستسلم.

الحل الأفضل هو الابتعاد عن المتلاعب نفسياً على الأقل، إذ تحتاج الضحية إلى الوقت وإلى رؤية الأمور من منظور آخر للتعافي من الجروح الجروح الناجمة عن التلاعب، وفهم ما مكّن العلاقة وعززها، واستعادة حريتها وهويتها. وتختتم مختصة العلاج النفسي قائلة: “المتلاعبون فقط هم الذين يمكنهم أن يدركوا نطاق أفعالهم، ويتخذوا قراراً بوضع حد لها، أو على الأقل العمل على تغيير نظرتهم إلى الحياة”.

اقرأ أيضاً: 

المحتوى محمي !!