لماذا سينتصر اللطف في النهاية؟ وكيف تصبح لطيفاً مع نفسك ومن حولك؟

5 دقيقة
اللطف
(مصدر الصورة: نفسيتي، تصميم: إيناس غانم)
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

ملخص: عادة ما نتعامل مع الآخرين وفقاً لحالاتنا المزاجية أو النفسية دون أن ننتبه إلى الأثر الذي نتركه في نفوسهم. قد تحصل على ما تريد ببعض الصرامة والقسوة، لكنّ اللطف قد يستعبد قلوب الآخرين ويجعلهم طوع يديك. ما حكاية خصلة اللطف أو الرفق؟ كيف يمكن أن يتحوّل اللطف إلى طاقة هائلة لإدارة العلاقات ومجابهة تحديات الحياة؟ وهل يمكن أن ننمّيه في نفوسنا؟ هذا ما يجيب عنه المقال التالي الذي يحاول تقريبنا من مفهوم اللطف وجذوره وآثاره. إليك التفاصيل.

ليس اللّطف مفهوماً تقليدياً من مفاهيم الفلسفة أو علم النفس مثل العدالة أو الفضيلة أو التحيّز المعرفي. ليس من السهل تعريفه أو فهمه، ولا يمكن فرضه ولا تصنّعه. اللطف أشبه بحيوان متوحش لا نستطيع سوى مراقبته من بعيد دون أن نتمكّن من الاقتراب منه، لكن قد يسهُل علينا أحياناً فهمه عندما نلاحظه من زوايا مختلفة.

عادة ما نتصوّر سمة اللطف خالية من أيّ جوهر حقيقي. نتصورّها مصطنعة غير صادقة، تعكس رغبةً في إرضاء الآخرين بأيّ ثمن ولو على حساب النزاهة الشخصية. وقد نرى فيها نوعاً من السطحية وطريقة للتهرّب من وقائع الحياة ومجابهة الآخرين، أو قد توحي بنوع من العاطفة الزائدة وغير المنضبطة، وتصبح صفة مميّزة للشخص “الإمّعة”.

“اللطف قوة لا تُقهر”

في الواقع ليس اللطف شعوراً مصطنعاً مشبعاً بالطّيبة الزائدة أو الرقّة، كما أنه ليس ضعفاً، وليس مجرّد حماية مرتبطة بالأمومة أو صفة أنثوية أو عاطفة مفرطة أو زائدة. إنه دينامية من ديناميات الحياة بالمعنى اليوناني لهذا المصطلح. اللطف قوّة حقيقية وطاقة مفعمة بالحياة ومحافِظة عليها.

لا أظن أنّ كائناً حيّاً يمكن أن يحافظ على بقائه في هذا العالم دون لطف في مرحلة من مراحل تطوّره. حتّى الحيوانات لا تستغني عنه (اكتشف العلماء المهتمّون بدراسة أسباب الأمراض أن الحيوان الذي لا تلعقه أمّه بما يكفي يموت بسبب غياب اللّطف)، بل حتّى الأفكار التي تخطر على بالنا قد تحتاج إلى لطف نفسي كي تنمو. إنّه كينونة قائمة الذات تسمح بالحفاظ على الحياة.

يقول الفيلسوف والإمبراطور الروماني ماركوس أوريليوس: “اللطف قوّة لا تُقهر

ترتبط بدايات الأحداث والأشياء كلّها ارتباطاً ضرورياً بصفة اللطف، لنأخذ على سبيل المثال لحظة الولادة أو بدايات قصص الحبّ. إنها لحظات تثير لدى الإنسان صدمات عنيفة تتطلّب بعض اللطف، فهو الذي يسمح لأيّ مبدأ حيوي بالاستمرار. اللطف هو الحدّ الأدنى من الوقاية التي يمكن أن تحافظ على الحياة مثلما تحافظ الشرنقة على الفراشة التي لم تولد بعد.

دعوة للتطوّر نحو الأفضل

“يبدأ اللطف بفرصة الحياة التي تنشأ في رحم الأم، في غلاف هذا الرحم الذي يصفّي العواطف والأصوات والأفكار، ويظهر أيضاً في الماء السَّلَوِي واللمسة على ظهر الجلد، وفي عينَي الجنين المغمضتين اللتين لا تبصران بعد، وفي رئته المحمية من قسوة الهواء الخارجي، لولا لطف هذه اللمسة الأولّية لما خرجنا إلى هذا العالم، من المؤكّد أنّ آثارها مستقرّة في كلّ خلية من خلايانا، تحفّزنا على العودة المستحيلة إلى عالم الرحم المفقود الذي كان يهدْهِدنا قبل ذراعَي الأمّ”.

وفقاً لوصف المحلّلة النفسية والفيلسوفة الفرنسية آن دو فورمانتيل (Anne Dufourmantelle). اللطف هدهدة أيضاً، أي ركيزة لتجاربنا الإنسانية وخيط ناظم لها، وعنصر مؤثّر فيها كلّها. اللطف هو الحضور الحسّاس الذي يتجلّى في لمسة الحنان، إنه يشبه تلاعب الألوان بضوء المساء أو علامات الصمت في لحن ما، كما أنّه يظهر في إحساسنا بفهم فكرة ما أو بلورتها وتحويلها إلى واقع أو من خلال ذكائنا في التعامل مع موقف أو مشكلة نظرية.

اللطف من الناحية الأخلاقية دعوة إلى معاملة الآخرين بطريقة أفضل، لأنه يشجعك على الإصغاء وإظهار التعاطف والصّفح. لا تنبع قوته من الحلول العديدة التي يتيحها فحسب، بل من قدرته على تحسين جودة التعامل مع الذات والآخرين، إلى درجة تسمح لنا بتذوق حلاوة الحياة على الرغم من صعوباتها. واللطف من الناحية السياسية شكل من أشكال السلبية الفعّالة التي يمكن أن تتحوّل إلى قوة رمزية واعدة، وقد تقلب فجأة نظاماً سياسياً برمّته. هذا اللطف هو النضال السلمي وبساطة الحياة ونهج التشبث بالحقّ الذي اختاره الزعيم غاندي وقاد إلى استقلال الهند، وقوّة الحلم التي عبّر عنها المناضل الأميركي مارتن لوثر كينغ.

سلاح مقاومة فعّال

يصف فيلسوف إرادة القوة فريدريك نيتشه في كتابه “هذا هو الإنسان” (Ecce Homo) اللطف بأنه قوّة مقاومة فعّالة وسلاح فتّاك. اللطف الحقيقي علامة صدق وعمق، لأنه ينبع من قوة داخلية ناتجة عن وعي حادّ وفهم متعاطف. اللطف الصادق ليس ضعفاً بل هو دليل على الحكمة وضبط النفس، إذ يمكّن صاحبه من تخطّي محن الحياة والشعور بالارتياح في عزّ الأزمات.

هل يمكن أن نتعلّم اللطف بأنفسنا؟

تكمن الخطوة الأولى في تعلّم كيفية تقدير العواطف الشخصية دون التّماهي معها. عندما نشعر بالحزن مثلاً علينا أن نؤمن أننا “لسنا” حزينين، بل نمرّ فقط بفترة حزن، والفرق الدقيق بين الحالتين أمر مهمّ. عندما نشعر بالحزن عادة فإننا لا نقع فريسة له فحسب، بل نقع أيضاً فريسة لضغط نفسي داخلي يمنعنا من الشعور الطبيعي بالحزن. إنها عقوبة مضاعفة: الشعور بالحزن والرغبة الجارفة في عدم الشعور به، وهي حالة تدفعنا إلى كبت عواطفنا. هنا يتدخّل اللطف ليصف الشعور وصفاً لطيفاً هكذا: “ينتابني بعض الحزن”. صحيح أن عدم إنكار هذا الشعور وتقبّله لا يبدّده فوراً، لكنه يجعلنا على الأقلّ قادرين على تحمّله.

كيف نحيي صفة اللطف الكامنة في نفوسنا؟

يمكنك إعادة اكتشاف ملامح اللطف في نفسك والسماح لها بالنمو، على الرغم من أنّ ذلك قد يكون مؤلماً بعض الشي في البداية. عندما تقضي حياتك مدافعاً عن نفسك في مواجهة ضغوط الحياة وعدوانية الآخرين بنوع من التجاهل والبرود العاطفي، فإن الرفق قد يمثّل صدمة بالنسبة إليك. إنه صفة تتطلّب اجتهاداً وسعياً، كما أن إحياءها يعني توقّفك عن التخوّف من حسّك المرهف وجسدك، والإصغاء إلى أحلامك وتذكّرها وتقبّل عواطفك الإيجابية أو السلبية. إنّ تقبّل ضعفك والإصغاء إلى حدسك وتعزيزهما ما أمكن، يعني أيضاً تعزيز التفاهم ببعديه: الإصغاء إلى الذات والتوافق معها.

تضيف المحللة النفسية آن دو فرومانتيل: “هناك لطف الأم بطفلها، ولمسة الحبيب، ولمسة الحيوان، وهناك أيضاً لطف الجو والحالة الذهنية، الفرق بين هذه الأشكال من اللطف ينبع من الاختلاف الدقيق بين سياقاتها، إن الأشياء التي نلمسها أو نحتفظ أو نشعر بها تبثّ طاقة من الصعب تحديد طبيعتها فوراً لكنّها تكتنف واقع حياتنا، كما أن المسافة المناسبة التي يخلقها اللطف بين الناس تسمح لكلّ فرد بالعيش في نطاقه الشخصي، لأن اللطف نقيض التطفّل”.

آفاق التعاون والتضامن والسلام

اللطف نسيم عليل في يوم صيفيّ حار، يجلب الراحة والهدوء حيث تسود عادة أجواء القسوة والتشدد. يتجلّى اللطف بالإنسان في العطف الصادق والحنان العفوي الذي يريح القلوب الجريحة ويطمئن النفوس المضطربة، له قدرة مذهلة على تهدئة الأزمات النفسية وتلطيف معاناة الحياة اليومية. يحتضن الإنسانية في حضنه الدافئ تارةً باللمسات الرقيقة وتارة بالنظرات المتعاطفة.

عندما نتعامل مع الآخر فإن اللطف يتيح لنا خيارات غير متوقعة، فهو مفتاح التواصل الصادق والحوار الذي يسوده الاحترام والتفاهم، يساعدنا على بناء علاقات دائمة قائمة على الثقة المتبادلة والمودّة، ويقودنا إلى آفاق التعاون والتضامن والسلام. في عالم تسوده الفظاظة وتنعدم فيه الثقة مثل عالمنا هذا يصبح اللطف منارة تضيء في الليل طريقنا إلى التفاهم وتقبّل الاختلاف. إنه يلهمنا الإصغاء بعناية بدلاً من الصراع العقيم، والتعامل بودّ بدلاً من الشكّ، والتسامح بدلاً من الشِّدة. يستحق اللطف أن نحتفي به باعتباره فضيلة لا تقدّر بثمن، فهو يمثّل جوهر الإنسانية ومنارة نور وسط الظلام وواحة هدوء وسط عالم مضطرب. عندما نتحلّى باللطف فإننا نقبل أداء أدوارنا باعتبارنا كائنات رحيمة، لذا؛ أرجو أن تسمحوا للطف أن يهَدْهد نفوسكم.

اقرأ أيضاً:

المحتوى محمي !!