جريمة السرقة: المحنة التي يستخف بها معظم الناس

القلق الدائم
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

وجد ميخائيل شقته مقلوبةً رأساً على عقب. سُرقت آخر صور لوالدة سوسن. استيقظت سمر في منتصف الليل لتجد لصاً في منزلها. تركت هذه الحوادث الثلاثة أثراً فيهم لفترة طويلة. لا يجب الاستخفاف كثيراً بالصدمة التي تصيبنا عند تعرضنا للسرقة، فهي بالفعل محنة حقيقية تترك آثاراً نفسيةً من الضروري معالجتها. الهدف من المقالة: تفادي الإصابة بـ “القلق الدائم”.

“استيقظت ذات ليلة لأني استشعرت وجود شخص ما في شقتي. كنت أحدث نفسي بأن ذلك مستحيل ولا بد أنني شاهدت فيلماً مختلاً بعض الشيء عندما رأيته. كان يبعد عني ثلاثة أو أربعة أمتار ولم يكن لدي وقت لأخاف، فقفزت من فراشي وقلت له: “اخرج من شقتي أيها الوغد الغبي!”. قالت الضحية لين هذه العبارة بصوت مرتفع ثم تابعت غاضبةً: “سرق اللص حقيبتين وأوراقي وأربعين يورو وبضعة فرنكات سويسرية. تلك غنيمة زهيدة بالنسبة له، ومتاعب جمّة بالنسبة لي”. لكن المتاعب بالنسبة لها لم تقتصر على الخسارة المادية والمتاعب الإدارية.

غياب الإحساس بالأمان في المنزل

“عبثاً كنت أحاول أن أنام في الشقة بعد عملية السرقة بثلاثة أيام. لم أستطع البقاء هناك أكثر من ذلك؛ إذ غاب عني الشعور بالأمان في المنزل”. ثم أقامت مع والديها قبل أن تبحث عن منزل جديد لتسكن فيه. توضح المختصة النفسية “سيلفي تينينبام”: “يشعر العديد من الضحايا بالحاجة إلى الانتقال من المنزل لأنه أصبح مرتبطاً بذكرى سلبية، فتجدهم يقولون لم نعد نشعر بالأمان فيه، لقد اقتحمه شخص ما كأنه لم يعد ملكنا”. يبعث عقلنا البدائي الذي يشترط مفهوم البقاء لنا رسالةً مفادها أن المكان أصبح الآن خطيراً.

يعرف الناس الذين تعرضوا للسرقة شعور انعدام الأمن الدائم هذا تمام المعرفة. تتذكر كوثر: “حاول اللصوص اقتحام منزلي لكنهم اضطروا إلى التوقف لأنهم فشلوا في الدخول. لم يغمَض لي جفن لمدة عام، وكنت أقفز عند سماع أقل ضوضاء عندما أكون وحيدةً، وشعرت بالحاجة إلى تغيير شقتي وضبط جهاز إنذار زائف”. عانى مازن من الأعراض ذاتها عندما تعرض للسرقة قبل عامين؛ إذ يقول: “في الأيام الأولى التي تلتها كنت كلما خرجت للتنزه أعود بعد خمس دقائق لأتأكد أنني أغلقت باب منزلي بإحكام. عندما كنت في المنزل كان لا يفارقني إحساس بوجود شخص فيه، وأنه يمكن أن يقتحمه في أي لحظة”.

اقتحام خصوصيتنا

إن بيتنا هو المكان الذي نعيش فيه ونرى فيه مملكتنا الخاصة تماماً كما تحدد الحيوانات أرضها. كما أنه خصوصيتنا، فعندما نُريه لأصدقائنا لا ندخلهم إلى جميع الغرف أو نريهم محتويات الخزائن. لذا عندما نواجه صورة هذا المكان المخرَّب الذي نُبشت جميع أرجائه وقُلِب رأساً على عقب تكون الصدمة عنيفة. تفسر “سيلفي تينينبام” ذلك بقولها: “يؤثر الأمر فينا، فهو اقتحام حقيقي لخصوصيتنا”. اضطرت فهيمة أيضاً إلى شراء بعض الملابس الجديدة، فقد قالت: “عندما رأيت أنهم بحثوا في ملابسي شعرت بالاشمئزاز ولم يعد بإمكاني إعادة ما لمسوه، وتخيلت أنهم دنّسوه”. تكوّن الانطباع ذاته لدى مازن: “شعرت أنني جُرِّدت من ملابسي”.

شكل من أشكال الحداد

تقول سوسن: “سرقوا حاسوبي والقرص الصلب الذي بداخله الذي حفظت عليه جميع ذكرياتي؛ وأهمها آخر صور لوالدتي التي توفيت قبل أربع سنوات. لم يكن لدي أي نسخ منها وفقدت النسخة الوحيدة لها. هذا أكثر ما يؤلمني، فأنا لن أتذكرها مجدداً لأنني رأيتها مرةً واحدةً فقط. هذه خسارة لا تطاق”. توضح المختصة النفسية: “إن فقدان الإنسان ذكريات عن شخص متوفى تعيده إلى حالة حداده عليه، ويشعر بعض الضحايا كما لو أن أحباءهم قد ماتوا الآن”.

أمضى معظمنا سنوات في جمع الأثاث والأغراض  والتحف التي تمثل لنا محطات ولحظات عشناها وتذكرةً بتاريخنا. يُكسر بعضها ويختفي البعض الآخر أثناء عملية السرقة التي تعد عملياً دليل على سلب وجودنا منا. توضح “سيلفي تينينبام”: “إذا سُلبت أغراض ذات قيمة معنوية لا بد من المرور بفترة حداد، وهذا صعب جداً دون مساعدة مختص نفسي”. لذا من الضروري البدء من جديد وإعادة بناء كل شيء. لنحِط أنفسنا بملاذ واقٍ جديد يشبهنا يضم محطات حياتنا ونشعر فيه بالرضا.

تجنب ظهور القلق الدائم

قُدِّر عدد عمليات السرقة على المباني الرئيسية في فرنسا بنحو 243 ألف عملية وفقاً لوزارة الداخلية. تأثرت بها حوالي أسرة من بين كل 100 أسرة. تعد  هذه المحنة كارثةً وشيكةً تثقل كاهل كل منا ويمكن أن تحل علينا في أي لحظة، حتى لو كانت على شكل حادثة بسيطة. غالباً عندما يحدث ذلك يُنصح الضحايا بتغيير أقفال بيوتهم وطلب التأمين؛ لكن نادراً ما تُعرض عليهم متابعة نفسية حقيقية، مع أن تبعات الحادثة قد تكون بالغة بقدر ما هي طويلة الأمد. أدخِلَت فهيمة إلى المستشفى بعد تعرض منزلها للسرقة؛ إذ تقول: “كنت مستنزفةً من الناحية العائلية، وقد أثارت هذه الحادثة قلقي من جديد”. لا شك لدى الطبيبة “سيلفي تينينبام” في أن هذه الحادثة صدمة حقيقية يُستهان بها كثيراً ولا ينبغي الاستخفاف بها، وتشير إلى ذلك بقولها: “يُنصح باستشارة طبيبك العام بعد التعرض لهذه المحنة، والمسارعة بالذهاب إلى طبيب نفسي حتى لا يطول شعورك بالقلق. وهذا محبذ أكثر حتى بوجود الأطفال”.

عالج أعراض ما بعد الصدمة

“تراودني ومضات يظهر فيها المعتدي. يمكنني لغاية اليوم وصفه بوضوح؛ كان يلف حذاءً حول رقبته لكن لا يمكنني تصور وجهه مع أنني رأيته”. أما سوسن البالغة من العمر 30 عاماً أصيبت بنوبة هلع عندما مرت بشقتها المخربة. تتحدث الشابة عن تجربتها: “كنت أبكي وسط شقتي ولا أذكر حتى وصول الشرطة، لقد كنت مصدومةً”. توضح المختصة النفسية: “يعاني بعض الأشخاص من أعراض فقدان الذاكرة ما بعد الصدمة، وخاصةً عندما ترى الضحية اللص لأنها تكون قد خافت حينها على حياتها. لذا من الضروري تلقي علاج مقتضب (من نوع إزالة التحسس وإعادة المعالجة عن طريق حركة العين (EMDR) أو تقنية التعرف الحسي على مخاوف اللاوعي (TIPI)) لعلاج الأعراض المحتملة للتوتر المفرط ما بعد الصدمة، فالتعافي من تلك الحالة صعب جداً”. كما تنصح الأقارب باستيعاب الشخص المسروق في الأيام التالية للحادثة، فإن تلقي الدعم من الوسط المحيط بالغ الأهمية كما هو الحال دائماً. ستحتاج وقتاً حتى تتمكن من التعبير عن مخاوفك والتعافي منها.