ما هو دور العلاج بالرقص والحركة في تعزيز الصحة النفسية؟

العلاج بالرقص والحركة
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

تختزن أجسادنا -كما عقولنا- التجارب التي نمرُّ بها، وعلى الرغم من ذلك؛ نلجأ في كثير من الأحيان عند الرغبة في التعبير عما نشعر به، للتعبير اللفظي دون الحركي. هل سمعت عن العلاج بالرقص والحركة؟ تابع قراءة هذا المقال لتتعرف على هذا المفهوم وكيف يعمل.

يُعتبر الرقص واحداً من الوسائل التعبيرية عن المكنونات الداخلية، ويستطيع أن يُجسِّد ما نشعر به أكثر من الكلمات، ذلك لأن غالبية اتصالاتنا اليومية غير لفظية. لعدّة أسباب؛ يجد العديد من المعالجين الذين يعالجون القلق بالرقص والحركة، أن للرقص قدرةً فعّالةً في علاج القلق؛ حيث يمكن للرقص أن يكون منفذاً وطريقةً للوصول إلى حالة ذهنية مسالمة، وقد يكون الأداء الحركي غير اللفظي للتعبير عن العاطفة آثار علاجية رائعة.

ما هو العلاج بالرقص والحركة؟

الرقص هو أحد السلوكيات التعبيرية والتواصلية التي تُبرز ما بداخل الإنسان، والعلاج بالرقص والحركة (DMT) هو استخدام العلاج النفسي للحركة لتعزيز التكامل العاطفي، والمعرفي، والجسدي للفرد؛ وذلك بالتركيز على السلوك الحركي.

في هذا النوع من العلاج، توفر حركة الجسم – باعتبارها المكون الأساسي للرقص – وسيلةً لتقييم الحالة النفسية للفرد، وطريقة التدخل للعلاج، وهو يُمارس في عدة مجالات؛ مثل الصحة النفسية، وإعادة التأهيل، والتعليم، وفي دور رعاية المسنين والوقاية من الأمراض، بالإضافة إلى برامج تعزيز الصحة.

كذلك، فهذا النوع من العلاج يكون فعّالاً للأفراد الذين يعانون من إعاقات في النمو، والتطور، وتطوير مهارات التأقلم. علاوةً على ذلك، فإنه يعمل على تعزيز جودة الحياة من حيث قدرته على تعزيز الشعور بالراحة والسعادة.

أيضاً؛ وجدت دراسة أن حضور حصص العلاج بالرقص والحركة لمدة 10 أسابيع يقلل من التوتر، ويقوي العلاقات الاجتماعية، ويعزز الشعور بالرضا العام عن الحياة، وكذلك يحسن الصحة الجسدية والنفسية، لأنه يعمل على الحد من التوتر وتخفيف الأعراض في حالات مثل القلق والاكتئاب.

كيف يعمل العلاج بالرقص والحركة؟

للجسد تأثير عميق على العقل والعكس صحيح. في أثناء حصص العلاج بالرقص، فإن الشخص يعود إلى حالة ذهنية أكثر تحرراً؛ يتحقق ذلك بتوجيه الأفكار لتنصب على الجسد وحركاته والوعي بها بدلاً عن المؤثرات الخارجية.

من خلال حصص الرقص؛ يساعد الرقص الجسم على إطلاق مساحة للفرد للتواصل مع عواطفه العميقة من خلال ربط التنفس بتمارين الوعي الجسدي المختلفة، ومجالات الحركة الحرة، فيصبح أداةً مفيدةً لاستكشاف الأفكار والأحاسيس الصعبة.

فعالية العلاج بالرقص والحركة في علاج المشكلات النفسية

إن حركة الجسم بشكل عام لها العديد من الفوائد؛ مثل تقليل الإجهاد والالتهابات في الجسم، بالإضافة إلى تعزيز صحة الدماغ. ولما كان الإجهاد والصدمة يعيشان في الجسم، فإنه من خلال الممارسات الموجهة؛ يمكن الاستفادة من الحركة لسرد القصص، وتجسيد العواطف وإطلاقها، ومساعدة الأشخاص على تخطّي المواقف الحياتية الصعبة التي يمرون بها.

كذلك، فإن هذا النوع من العلاج يساعد في تخفيف أعراض أمراض واضطرابات نفسية؛ كالاكتئاب، والتوتر، واضطراب ما بعد الصدمة، بالإضافة إلى اضطرابات الأكل، وتدني الثقة بالنفس، علاوةً على تحسين جودة حياة الأفراد.

القلق والاكتئاب

في مراجعة منهجية للدراسات التي هدفت إلى استكشاف فعالية استخدام العلاج بالرقص والحركة مع الأشخاص المصابين بالاكتئاب، أظهرت النتائج أنه تدخل فعّال في علاج البالغين المصابين به.

أيضاً؛ أشارت نتائج دراسة لبحث آثار العلاج بالرقص والحركة في علاج الاكتئاب في فنلندا على 109 مشاركاً، أنه بالنسبة للمشاركين المصابين بالاكتئاب، فإن المشاركة في مجموعة العلاج بالرقص والحركة، يمكن أن تقلل من أعراض الاكتئاب، بالإضافة إلى الأعراض النفسية والجسدية الأخرى.

علاوةً على ذلك؛ خلصت مراجعة أُجريت عام 2019 لعدد من الدراسات في هذا المجال، إلى أن العلاج بالرقص يساعد في تقليل القلق والاكتئاب، كما أنه يعزز مهارات التعامل مع الآخرين، والمهارات المعرفية، وكذلك جودة الحياة.

اضطرابات الطعام

تُعد اضطرابات الطعام تحدياً حقيقياً للصحة العامة، لانتشارها في جميع أنحاء العالم، وخاصةً لدى النساء. أظهرت مراجعة منهجية سلّطت الضوء على مجموعة من الدراسات حول اضطرابات الطعام خلال الفترة ما بين 2000-2018، زيادة انتشار تلك الاضطرابات من 3.5% للفترة ما بين 2000-2006، إلى 7.8% للفترة ما بين 2013-2018.

من هنا تنبثق أهمية دراسة حديثة أُجريت عام 2020؛ والتي تشير نتائجها إلى أنه يمكن استخدام العلاج بالرقص والحركة كعلاج تكميلي لهذه الحالات من اضطرابات الطعام، فقد لاحظ الباحثون تحسُّناً ملحوظاً لدى المشاركين في مجموعة العلاج بالرقص في الرضا عن شكل أجسامهم، كما لوحظ انخفاض في مستوى الانشغال بالوزن الزائد. كذلك؛ أبلغ المشاركون عن تحسن في حالاتهم المزاجية، وزيادة وعيهم الذاتي، كما أعربوا عن تقديرهم الانتماء للمجموعة التي يشاركون بها.

اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD)

في دراسة هدفت للتحقق من مدى فعالية العلاج بالرقص كعلاج مساعد لكرب ما بعد الصدمة عند بعض المحاربين القدامى -تتمثَّل أعراضه النفسية والجسدية في ردود أفعال عنيفة، والأفكار والمشاعر السلبية عن النفس أو الآخرين، والخوف المستمر أو الرعب أو الغضب، والشعور بالانفصال أو الاغتراب عن الآخرين- وجدت أن ذلك العلاج له تأثير فعّال في المساعدة على تقليل أعراض التوتر لدى المحاربين القدامى المصابين بكرب ما بعد الصدمة، بالإضافة إلى تعزيز التعاطف مع الذات والثقة بالنفس، وأيضاً الشعور بالانتماء.

علاج الصدمات لدى الأطفال

من جانب آخر؛ بالنسبة للأطفال، فقد كان التدخل الأكثر شيوعاً لمساعدة الأطفال الذين عانوا من الصدمات هو العلاج السلوكي المعرفي (CBT) لمعالجة محتوى الفكر وتغييره للتخفيف من أعراض الصدمة؛ إلا أن العلاج بالرقص والحركة قد أظهر آثاراً إيجابيةً في علاج الأعراض المرتبطة بالصدمات وتخفيفها، ذلك لما تمثّله الطبيعة الجسدية للعلاج بالرقص والحركة؛ حيث تسمح للجسم بالاسترخاء، فالطبيعة الفيزيائية للحركة يمكن أن توفِّر منفذاً تعبيرياً للأطفال للتخلص من التوتر الجسدي المختزن داخل أجسامهم.

كما أن الطبيعة التعاطفية للعلاج تمكِّن الأطفال من تطوير علاقة إيجابية مع أجسادهم، وتعزيز صلاتهم مع الآخرين. كذلك يمكن أن يوفِّر دمج العقل والجسم في علاج الصدمات فرصةً للأطفال لفهم تجربتهم، وإيجاد طرق لتهدئة النفس عن طريق ملاحظة عواطفهم.

أيضاً؛ يمكن للعلاج بالرقص والحركة أن يبني شعور الأطفال بقيمة الذات، ويحسِّن من قدرتهم على تنظيم عواطفهم وردود أفعالهم، ويمكنهم من التغلُّب على العقبات.

تدنّي احترام الذات

جدير بالذكر أن مرحلة المراهقة هي فترة انتقالية تحدث بها الكثير من التغيرات الفيزيولوجية والنفسية، وتكون وقتاً مهماً لاكتشاف الذات. خلال هذه المرحلة؛ تُعد تنمية احترام الذات لدى المراهق أمراً بالغ الأهمية. أشارت نتائج دراسة عن مدى تأثير العلاج بالرقص والحركة على تعزيز الثقة بالنفس لدى المراهقات، إلى أنه ذو أثر حقيقي على زيادة تقدير الذات لهن بنسبة وصلت إلى ثلاثة من كل أربع مشاركات.

وأخيراً؛ إن تقنيات العلاج بالرقص والحركة لا تركز فقط على حركة الجسم؛ بل تساعد أيضاً في تطور الفهم العاطفي، وتنمية التعاطف مع الذات والآخرين، وزيادة معرفة الذات، وكذلك الشعور بالانتماء؛ كل ذلك يحدث أثناء الانخراط المعرفي والجسدي والعمليات العاطفية، فهذا النوع من العلاج له آثار فعّالة حقاً في علاج المشكلات النفسية العميقة.