كيف أهيئ طفلي لتقبل فكرة الطلاق؟

استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

يُعد انفصال الوالدين حدثاً صعباً على الأطفال، ومع ذلك؛ يمكن للوالدين اللذين اتخذا هذا القرار، انتقاء الكلمات المناسبة عند إبلاغ أطفالهما به، بغية تهدئة مشاعرهم والتخفيف من وطأة الموقف عليهم، ويوضح لنا مختص التحليل النفسي دانييل دالوز، ومختص العلاج الزوجي سيرجي هيفيز، هذا الموضوع بالتفصيل.

سيكولوجي: ماذا يمكن للوالدين اللذين قررا الانفصال أن يقولا للطفل؟

إن أهم رسالة يجب إيصالها للطفل، هي أن والديه قد قررا الانفصال لأنهما غير سعيدين بالعيش معاً، وأن استمرار هذا الحال سيكون له أثر سيئ في حياتهما وحياته أيضاً. من الجيد أن يعيش الأشخاص الذين يتبادلون الحب معاً؛ لكن عندما يختفي هذا الحب، ويجتاح جحيم النزاعات المستمرة الحياة الزوجية، فإن هذا الوضع لن يعود صالحاً للعيش المشترك.

كما يجب أن يوضح الوالدان للطفل، أن مكانته لدى كل منهما لن تتغير: “هذه مشاكلنا نحن كبالغين، ولا ذنب لك فيها، وسنتأكد دائماً من أن كل شيء يسير على ما يرام بالنسبة لك. وعلى عكس العلاقات العاطفية، فإن علاقة الشخص بوالديه وأشقائه تدوم مدى الحياة، وهكذا سنبقى والدك ووالدتك دائماً، وعندما تكوّن عائلةً في المستقبل، سنكون أجداد أطفالك أيضاً”.

كيف تُطمئن الطفل؟

الفكرة الجوهرية التي يجب توضيحها للطفل هنا، هي أن الأب والأم، وإن انفصلا عن بعضهما البعض، فهما لا ينفصلان عن أطفالهما؛ إذ يحافظان على حالة التآزر بينهما كوالدين، وإن كانت علاقتهما كزوجين تمر بأزمة.

وكي لا يشعر الطفل بأنه فقد الأمان الذي يحتاجه في حياته، فإن سلامة العلاقة بين الأب والأم كوالدين هي أمر ضروري بالنسبة له، ليطمئن أنه سيكبر محاطاً بدعم كل منهما رغم خلافاتهما.

يحتاج الطفل إلى معرفة أن كليهما سيكون مسؤولاً عن تعليمه، وبيئته المعيشية، واتخاذ القرارات المتعلقة به، وأنه سيكون بمقدوره رؤية والده ووالدته وقتما شاء، وأنهما سيحافظان على الحوار المشترك بينهما قدر الإمكان.

لذلك من الضروري الاتفاق على التنظيم العملي لحياة الطفل المستقبلية، قبل التحدث معه عن الطلاق، وطالما كان هناك خلاف حول ترتيبات رعاية الأطفال، فمن الأفضل عدم قول أي شيء له.

اقرأ أيضا:

ما هو الوقت الملائم لإبلاغ الأطفال بقرار الانفصال؟

يمر جميع الأزواج بالأزمات، وقد يجدون أنفسهم في يوم من الأيام على وشك الانفصال. وخلال هذه الأزمات؛ يهدد الكثيرون تحت تأثير الغضب والانفعال بالانفصال عن الآخر، لذا ما لم يتخذ الوالدان قراراً نهائياً بالانفصال، فلا فائدة من إثارة الموضوع. خلاف ذلك؛ لن يتمكن الطفل من فهم ما يجري، وسيعتقد أنه مسؤول عن إصلاح الموقف؛ إذ يتطور لديه شعور بالقدرة المطلقة، ثم يشعر بالذنب إذا انتهى الأمر بوالديه إلى الانفصال.

خلال الفترة التي تتدهور فيها العلاقة بين الوالدين، وحيث لم يُتخذ قرار الانفصال بعد؛ يمكن للمرء أن يتحدث إلى الطفل بصيغ مثل: “أنت ترى أن الأمور لا تسير على ما يرام بيني وبين والدك، لذا سنفكر كلانا فيما سنفعله وسنخبرك بقرارنا حول ذلك”، ومن المستحسن أن يُبلغ الوالدان معاً طفلهما بقرار الانفصال حالما يتخذانه.

هل يجب أن نأخذ كل طفل على حدة ونكيف حديثنا معه وفقاً لسنّه؟

من المهم أن تُفصح عن الأمر ببساطة قدر الإمكان، وأمام جميع الأطفال معاً؛ إذ يحق للصغار والكبار على حد سواء معرفة الحقيقة. إن هذه المعرفة المشتركة بالموقف، وحقيقة قدرتهم على التحدث عنه معاً وطرح جميع الأسئلة التي تزعجهم، ستساعد الأشقاء في تحمل آثار هذه المحنة بصورة أفضل.

ألا يمكن تهيئة الطفل لهذا الموقف بالتحدث معه حول قرار بالانفصال المؤقت مثلاً؟

قد نعتقد أنه يمكن لنا أن نُجنّب الطفل الألم الناجم عن قرار الانفصال، عبر إبلاغه مبدئياً بأننا قررنا الانفصال مؤقتاً؛ لكننا بهذه الخطوة نحمله المسؤولية ضمنياً، ليرتب بنفسه للم الشمل المحتمَل هذا، ويوحد والديه مجدداً. وليتمكن من تحقيق ذلك؛ “يولّد” الطفل بعض الأعراض مثل الامتناع عن الذهاب إلى المدرسة، أو قد يعاني من الكوابيس، أو يبلل فراشه ليلاً، فهو سيحاول أن يخلق مصدر قلق كافٍ لوالديه ليجمعهما معاً مرة أخرى.

اقرأ أيضا:

هل يجدر بالوالدين سؤال الطفل عن رأيه بشأن كيفية تنظيم حياته الجديدة؟

لا؛ إذ يجب أن يعلم الطفل أن والديه هما من يختار الحل الأفضل له. عندما نسأل الطفل أن يقرر مع من يريد البقاء، فإن ذلك يعني بالنسبة له تخييره بين والديه، وهو ما سيُشعره بعدم الأمان. قد يعتقد البعض خطأ أن منح الطفل إمكانية اتخاذ القرارات سيساعده في التغلب على حالة القلق والاكتئاب المرتبطة بانفصال والديه، بينما على العكس من ذلك؛ يعزز هذا الأسلوب لديه “ضمنياً”، صراع الولاء تجاه والديه، والشعور اللاواعي بالذنب تبعاً لذلك.

يجب ألا يضطر الطفل أبداً إلى الاختيار بين والده ووالدته. من ناحية أخرى، فإن للطفل كل الحق في أن يقول: “أريد أن أبقى مع أبي، أو مع أمي”؛ إذ يميل الطفل تجاه أمه أو أبيه وفق مراحل نموه النفسي، ويمر خلال هذه المراحل بحالات صراع داخلي يستبدل فيها الأب بالأم أو العكس، ولهذا السبب، فإننا نحرم الطفل من لحظات المواجهة هذه التي تعد ضروريةً لنموه النفسي، إذا اتبعنا رغبته في البقاء مع أحد الوالدين.

اقرأ أيضا:

هل هناك عواقب وخيمة لانتقاد أحد الطرفين للآخر أمام الطفل؟

إن التقليل من قيمة والدة الطفل أو والده أمامه، يعني أننا نقلل من قيمة أحد “نصفيه”؛ إذ إن احترامه لذاته يُداس بهذه الطريقة، من قبل نفس الأشخاص الذين وهبوه الحياة؛ الأمر الذي يحمل تأثيراً سلبياً كبيراً في تطوره، وخياراته العاطفية المستقبلية. عندما تقولين لطفلك: “لا أنسى أبداً أنني ووالدك قد أحبننا بعضنا البعض، وأنا أحترم هذا الرجل”، فإن هذا يعني احترام هذه الحياة (الطفل) التي تنمو. ومن الضروري معرفة أن ذكر هذا الاحترام المتبادل، سيساعد الطفل خلال محنة الانفصال القاسية، وحتى لو أثارت هذه المحنة صراعات حادة، فإنه بحاجة لأن يعرف أنه ثمرة رغبة واتحاد والديه، وأنهما لا يشعران بالندم لإنجابه.

هل من المهم أن يرى الوالدان بعضهما البعض مرة أخرى مع الأطفال؟

عندما ينفصل الوالدان كشخصين راشدين، دون حدوث شرخ جذري بينهما، ودون أن يكون هذا الانفصال ناجماً عن تسرع أو كراهية، فإنه يمكن لهما قضاء بعض الوقت مع أطفالهما معاً بعد الطلاق. لكن الوضع يجب أن يكون واضحاً جداً، وذلك لأن الطفل يحتفظ، لسنوات، بالأمل في أن يراجع والداه حساباتهما ويعودا للعيش معاً مرةً أخرى؛ إذ يطور وهماً حول لم شملهما، عندما يحتفظان بصداقتهما بعد الانفصال.

هل يجب أن تخفي حزنك عن طفلك وأن تتحمله بصمت؟

يمكنك أن تكون صادقاً مع طفلك، وأن تخبره أن هذه المرحلة صعبة وأنك تتألم بسببها. لكن قبل كل شيء؛ يجب أن توضح له أنك لا تشعر بالحزن بسببه، وعلى العكس من ذلك؛ من الضروري أن تؤكد له أنك ستجد الشجاعة اللازمة للخروج من هذه المحنة بفضله، وأنه لا داعي للقلق حتى إذا كانت الروح المعنوية منخفضة إلى حد ما في الوقت الحالي. يميل الطفل إلى الشعور بالذنب وحمل حزن والديه على عاتقه، وعلى أي حال؛ حتى لو كان من الصعب بالنسبة لك التعايش مع الموقف، فيجب أن تعطي أولويةً لحزن طفلك.

كيف توضح للطفل الجوانب الجيدة من حالة الانفصال؟

حاول أن توضح ذلك له بطريقة إيجابية ومبهجة باستخدام عبارات مثل: “سيكون لديك منزلان اثنان، وستحصل على ضعف عدد الهدايا في عيد الميلاد!، وستغير المدرسة وسيكون لديك أصدقاء جدد”. وعلى الرغم من أن الطفل قد يبدي مشاعر جيدة في البداية، فإن ذلك هو غالباً محاولة إنكار منه لما يمر به.

ونتذكر هنا فيلم “جينال، طلاق والديّ” (Génial, mes parents divorcent) (فيلم باتريك بروديه، 1990)، وهو كغيره من الكثير من الأفلام التي تنطوي على بعض “الخبث” وتحاول التقليل من أهمية عملية الانفصال، والتخفيف من ذنب الوالدين.

ويبدي بعض الأطفال تقبلاً جيداً للموقف، و يعبر بعض الآباء بسعادة عن ذلك قائلين:” إنه يتقبل الموقف تماماً، ليست هنالك مشكلة”.

في الواقع، يُظهر رد الفعل هذا أن الطفل يطور آليات لإنكار معاناته، ويجب على الآباء الانتباه إلى مثل هذه السلوكيات. ومن الأفضل أن نوضح الأمر للطفل بأن نقول له: “الطلاق أمر يصعب تقبله، ويمكنك دائماً أن تخبرني عندما تشعر بالحزن”.

غالباً ما يرى المختصون، مراهقين أو بالغين يقولون إنهم تقبلوا موقف انفصال الأبوين بطريقة جيدة جداً، حتى أنهم بدَوا سعداء آنذاك. لكن الواقع هو أن جرحهم النفسي كان مخفياً، وظهر مرةً أخرى بعد سنوات عديدة. يحاول الطفل آنذاك دعم والده أو والدته خلال حالة الانهيار النفسي التي يمران بها بسبب الانفصال ، ويخفي حزنه لحمايتهما، دون أن يتمكن من مواساة نفسه .

ألا يشعر الطفل بالارتياح لأنه لم يعد يعيش مع أبوين يتشاجران طوال الوقت؟

عندما تشتد الخلافات الهدامة بين الزوجين، فإن الانفصال قد يخفف من الأعراض النفسية التي يعاني منها الطفل نتيجةً لما يعيشه؛ ولكن ذلك لا يمنع من ضرورة مروره بحالة “الحداد” على عائلته المثالية. سيختبر الطفل فيما بعد علاقات أخرى؛ ولكن سيتعين عليه أولاً المرور بفترة الحزن على هذه العائلة الأولى.

هل يجب استشارة معالج نفسي عند اتخاذ قرار الطلاق ؟

وفقاً لمختصة التحليل النفسي كاثرين ماثيلين، فليس هنالك ما يُلزم باستشارة طبيب مختص عند الطلاق؛ إنما يمكن للمعالج النفسي تقديم المشورة لتنظيم النزاعات وإيجاد اتفاق بين الطرفين، كما يمكن أن يساعد في تجنب عدد من الأخطاء الجسيمة المرتبطة بالانفصال، والسماح للجميع بالتعبير عن معاناتهم. لكن يجدر بالآباء أن يُخرجوا من رؤوسهم الفكرة السائدة على نطاق واسع، وهي أن استشارة معالج نفسي تُجنّب الطفل آثار انفصال الوالدين، ففي كلتا الحالتين؛ يكون الأمر صعباً ومؤلماً بالنسبة له.