الضغوط الصغيرة: كيف تؤثر في صحتك النفسية؟ وكيف تواجهها؟

الضغوط الصغيرة
(مصدر الصورة: نفسيتي، تصميم: إيناس غانم)
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

ملخص: عندما نتعرض للانهيار النفسي، فغالباً ما نلجأ إلى البحث عن الأحدث أو الأسباب الجسيمة التي تقف وراءه، ونغفل حصر الضغوط الصغيرة التي مررنا بها مؤخراً على الرغم من أن تأثيرها في صحتنا النفسية يمكن أن يصل إلى حد أن تصبح “القشة التي قصمت ظهر البعير”، لذلك يتناول مقالنا كل ما تود معرفته عن الضغوط الصغيرة وكيفية التعامل معها.

نمر خلال حياتنا اليومية بنوع من الضغوط يمكن وصفه بالضغوط الصغيرة غير المرئية، فتلك الرسالة التي وصلتك في أثناء اجتماع عمل لتخبرك بضرورة دفع قيمة مخالفة مرورية ارتكبتها، أو ذاك الصديق الذي شارك معك تجربة سلبية في وقت لم تكن مستعداً فيه لسماعها، أو غياب زميلك عن العمل الذي أثر في سير مهامك؛ جميعها ضغوط غالباً لن تسترعي انتباهك لتتوقف عندها وتحللها وتتخذ موقفاً واضحاً حيالها.

لكن دعني أخبرك بكل وضوح إن تراكم الضغوط السابقة يؤدي إلى انهيارك نفسياً في توقيت غير متوقع، وحتى أسهّل عليك فهم ما يحدث؛ سأشبه لك ما تفعله هذه الضغوط النفسية بقطرات ماء تسقط بانتظام في كوبٍ بعدَ امتلائه سيلقي بالماء خارجه، وما يحدث معك أن هذه القطرات الزائدة ربما ستكون دموعاً منهمرة أو تصرفات غاضبة أو قرارات متهورة. وحتى تكون في مأمن من الوصول إلى هذه المرحلة الضارة؛ نقدم لك هذا المقال الشامل الذي يساعدك على فهم ضغوطك الصغيرة ومواجهتها.

ما هي الضغوط الصغيرة؟ وما أنواعها؟

يبسط لنا أستاذ القيادة بكلية بابسون الأميركية للأعمال (Babson College)، روب كروس (Rob Cross) في كتابه “تأثير الضغوط الصغيرة” (The Microstress Effect)، مفهوم الضغوط الصغيرة فيشير إلى أنها تلك الضغوط غير الملحوظة التي لا نأخذها في عين الاعتبار عندما نتفكر في أسباب انهياراتنا النفسية، مؤكداً إن صغرها لا يعني أنها لن تؤدي إلى خسائر جسيمة عند تراكمها.

وتختلف الضغوط الصغيرة عن الضغوط الكبيرة مثل تعرضنا للفصل من وظيفة أو انتقالنا إلى مكان جديد، فالضغوط الصغيرة تمر علينا بسرعة تجعلنا نظن أنها لم تُحدث شيئاً؛ لكن سر نجاحها في اختراقنا نفسياً هو تكرار تعرضنا لها.

وأحياناً، قد ننظر إلى الضغوط بإيجابية؛ مثل أخذنا وقتاً إضافياً لمساعدة زميل عمل، فتتسبب هذه المساعدة في تأخر قيامنا بهمة عائلية عند العودة إلى المنزل، ومن ثَمّ تأخر موعد نومنا لنشعر بالإرهاق في اليوم التالي. إذاً؛ هي حلقات متتالية يمكن عند وقف الحلقة الأولى منها أن نتجنب تأثيرها غير المتوقَّع.

بكل تأكيد لن ننهار نفسياً جرّاء تعرّضنا للضغوط الصغيرة بين يوم وليلة؛ إنما سيأخذ الأمر عشرات الأيام، والمثير للانتباه أنه عند انهيارنا، سنظن أنه لا يوجد سبب يستحق الوصول إلى ذلك الوضع المزري نفسياً؛ لكن مثلما يقول المثَل: “الشيطان يكمن في التفاصيل”، فعدم تدارك الضغوط الصغيرة مبكراً يؤدي إلى تسببها في أزمات نفسية كبيرة لاحقاً.

وقسّم كروس الضغوط الصغيرة إلى 3 فئات رئيسة؛ وهي:

الفئة الأولى: الضغوط الصغيرة التي تستنزف قدرتك على الإنجاز

    1. عدم التناغم مع فريق عملك .
    2. تصرّف مديرك أو شخص في منصب أعلى منك بصورة غير متوقعة.
    3. زيادة مسؤولياتك في العمل أو المنزل.

الفئة الثانية: الضغوط الصغيرة التي تستنزفك عاطفياً

  1. الشعور بالمسؤولية عن نجاح الآخرين ورفاهيتهم.
  2. عدم الثقة في مَن حولك.
  3. وجود  أشخاص حولك يحفزون التوتر بداخلك.

الفئة الثالثة: الضغوط الصغيرة التي تهدف إلى تقويض ذاتك

  1. سعيك إلى تحقيق أهداف لا تتوافق مع قيَمك الشخصية.
  2. التعرّض للانتقادات نتيجة ثقتك في نفسك.
  3. مشاركتك في نقاشات سلبية مع عائلتك أو أصدقائك.

لماذا لا نلاحظ الضغوط الصغيرة؟

يفسر لنا روب كروس سبب مرور الضغوط الصغيرة علينا مرور الكرام، فيوضح إنها تكون قابلة للإدارة على المدى القصير دون أن تسبب أي إشكالية واضحة؛ لكنّ الإشكالية الحقيقية تتمثل في تراكمها على المدى البعيد وتسبُّبها في عواقب مضاعفة تمنع سير حياتنا بسلاسة.

كما يضيف المختص النفسي السعودي عبد الله الجطيلي إننا غالباً ما نغفل عن تأثير الضغوط الصغيرة اليومية التي نتعرض لها ولا نستوعب مقدار تأثيرها فينا؛ وهذا ما يجعل تكرار تعرضنا لها سبباً في تدني حالتنا المزاجية وعافيتنا النفسية بشكل عام.

ومن أسباب عدم ملاحظة الضغوط الصغيرة أنها عادة ما تتعلق بمهام قد يُعد التراجع عنها في نظر مَن حولنا تخاذلاً عن دعمهم؛ مثل أن يفشل زملاء عملنا في تسليم إحدى المهام فيطلبون مساعدتنا فنقدمها على الرغم من عدم وجود مساحة لها وازدحام جدولنا اليومي، لذا فالأمر يحتاج إلى حسم عقلاني بحت بعيداً عن وزن الأمور بميزان العاطفة فقط.

وفي ظل العيش ضمن عالم قائم على التواصل إلكترونياً، يزداد تعرضنا للضغوط الصغيرة، فعادةً ما نكون متاحين للآخرين بوسيلة إلكترونية أو بأخرى، وهنا يحوّل عدم وضع حدود واضحة حياتنا إلى مرتع للضغوط الصغيرة التي ستجعلنا ننهار حتماً في أحد الأيام.

ما الذي يمكن أن تفعله الضغوط الصغيرة بنفسيتك وجسدك؟

تمتد الاختلافات بين الضغوط الكبيرة والصغيرة إلى كيفية تعامل أدمغتنا معها، فهي قد مُرّنت جيداً للتعامل مع الضغوط التقليدية وتتخذ تجاهها ردود أفعال واضحة.

لكن وفقاً لطبيب المخ والأعصاب جويل ساليناس (Joel Salinas)؛ إن أنظمة الردار الخاصة برصد الضغوط في أدمغتنا لا ترى الضغوط الصغيرة ما يجعلها لا تقوم برد معين تجاهها، وهذا ما يجعل تأثيرها مدمراً!

فيشير ساليناس إلى أن هذا التأثير أشبه بعوامل التعرية للجبال، فالرياح التي تصطدم بالجبل لا تُسقطه فوراً لكن استمرارها في الاصطدام به قد يعرضه للانهيار لاحقاً.

ويضيف إن الضغوط البسيطة تسهم أيضاً في الإصابة بأعراض جسدية مشابهة لأعراض الضغط النفسي، فهي تزيد معدل ضغط الدم وضربات القلب، وقد تجعلنا نعاني من انخفاض جودة النوم واضطراب هرموناتنا وميلنا إلى العصبية.

كيفية مواجهة الضغوط الصغيرة

ثمة العديد من الخطوات العملية التي يمكنك باتباعها أن تدير معركتك مع الضغوط الصغيرة وتحجّم تأثيرها في حياتك؛ وأهمها:

  1. حدّد مصادر ضغوطك الصغيرة: ستمكّنك هذه الخطوة الأولى من حصر مداخل الضغوط الصغيرة، ومن ثَمّ تصبح متبصراً بها عندما تظهر في يومك.
  2. تعلَّم آليات المواجهة: يمكنك بالمحاولة والتجربة أن تتوصل إلى آليات فعالة تدعمك في الحد من تراكم الضغوط الصغيرة؛ مثل تعلُّم قول “لا” للأمور غير الملائمة لك، أو الحد من وجودك إلكترونياً على مدار اليوم، أو ضبط علاقاتك مع الآخرين لمنع التجاوزات.
  3. إيجاد متنفَّس: الأشخاص الأكثر سعادة هم الذين لا يسمحون للضغوط بمختلف أنواعها أن تسيطر على حياتهم، فأحياناً لا مفر من التعرض للضغوط؛ لكن يتمثل الذكاء في الاستمرار بالاستمتاع بالحياة والبحث عن أنشطة مفضلة ليتوازن الشخص نفسياً.
  4. الانتباه إلى الضغوط الصغيرة التي تسببها لمن حولك: فانعكاسات هذه الضغوط بكل تأكيد ستؤثر في علاقاتك بهم، فمثلاً إذا تصرفت بشكل مثّل ضغطاً صغيراً على شريكك ستتراجع علاقتكما، وهذا سيؤدي بالتبعية إلى تأثُّر حياتك سلباً.

أخيراً، من المهم أن نعلم بأنه مع المرور بمنحنيات الحياة المتنوعة، سنظل دائماً عرضة للوقوع في فخ الضغوط الصغيرة؛ لكن عندما يزداد وعينا بها وبكيفية التعامل معها، سنحد بكل تأكيد من تأثيرها في حياتنا وتكرار تعرضنا لها.