لماذا يضحك بعض الناس في المواقف الحزينة؟ وكيف تتعامل مع هذه الحالة؟

الضحك في العزاء
(مصدر الصورة: نفسيتي، تصميم: إيناس غانم)
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

ملخص: في حين يعيش البعض ألماً وحزناً كبيرَين على فقدان عزيزٍ، قد تنتاب الآخرين نوبات ضحك هستيرية في العزاء. فكيف يفسّر الخبراء سلوك الضحك في مثل هذه المواقف؟

يرى الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه أن الضحك هو المرهم الضروري في وجه عالم لا معنى له، فمن خلاله يمكن أن نُنير الظلام. عندما نسخر من أمرٍ، فإننا نقوم بتقليص حجمه وتأثيره، فالضحك هو أعظم دواء وسلاح ضدّ الأفكار السيئة بحسب رأيه.

هل أنت من الأشخاص الذين قد تنتابهم نوبات من الضحك في العزاء؟ ربما لا، فقد تستغرب وجود شخص يضحك في هذا الموقف! بغض النظر عما إذا كنت تشجّع هذه الطريقة في التعامل مع الحزن أو لا، فثمّة أبحاث وعلماء نفس يؤكّدون إن الضحك هو بالفعل آلية تكيّف جيدة للتعامل مع آلامنا.

 هل يمكن أن يكون قمع مشاعر الحزن مفيداً؟

على عكس ما هو شائع، وجد أستاذ علم النفس الإكلينيكي بكلية المعلمين في جامعة كولومبيا، جورج بونانو (George Bonanno)، من خلال بحثه أن الأفراد الذين يقمعون المشاعر السلبية الشديدة يتعافون عادةً من الحزن بنجاح أكبر من أولئك الذين لا يفعلون ذلك. وهي نتائج مخالفة لما هو متعارف عليه في مجال علم النفس؛ حيث ينصح العديد من المعالجين بمواجهة مشاعر الحزن والتعبير عنها.

يشير بحث بونانو أيضاً إلى أهمية التعبيرات العاطفية الإيجابية في أثناء الفجيعة؛ حيث وجد أن الأشخاص الذين يبتسمون ويضحكون عند التحدّث عن أزواجهم المتوفين يعانون حزناً أقل بمرور الوقت. وتميل هذه التعبيرات إلى إثارة المشاعر الإيجابية لدى الآخرين كذلك؛ إذ يمكن أن يؤدي التعبير الطويل المدى عن المشاعر السلبية مثل الحزن والغضب إلى تقويض العلاقات وتثبيط التفاعل الاجتماعي بين الأفراد.

ولا يعني هذا الاكتشاف إنكار مشاعر الألم، فالبحث يؤكّد وجود تنوّع في آليات التكيّف من شخص لآخر. فلا يمكن أن نفترض أن الأفراد جميعهم سيستفيدون من الطريقة نفسها في التعامل مع الحزن؛ كما أن بعض استراتيجيات التعامل مع الحزن المعروفة قد لا يكون فعالاً على النحو المتوقع، وقد يؤدي في بعض الأحيان إلى تفاقم الألم لدى بعض الأفراد.

ووفقاً لبونانو؛ ثمة عامل آخر يؤثّر في عملية التعامل مع الحزن وهو الاختلافات الثقافية. فعلى سبيل المثال؛ تميل الثقافة الغربية إلى عدم تشجيع الضحك في أثناء الفجيعة، على عكس العديد من الثقافات الأخرى التي إما تثني على البكاء المفرط والنحيب وإما تشجّع على التعبير عن السعادة.

اقرأ أيضاً: ما أهمية مشاعر الحزن المرافقة لفترة الحداد؟

ما التفسير وراء ضحك بعض الأشخاص في العزاء؟

نعتبر في الغالب الضحك في الجنازة أو مراسيم العزاء ردّ فعل غير معتاد لا يحترم شعور الآخرين أو الطبيعة الحزينة للموقف؛ إلا أن عالمة النفس الإكلينيكية أبيغيل سان (Abigael San)، توضّح إن هذا السلوك أكثر انتشاراً مما نتوقع، وفي بعض الأحيان يكون رد فعل لا تمكن السيطرة عليه لدى البعض؛ حيث يصبح إحدى صور الدفاع الهوسي (Maniac Defense)، واستراتيجية مواجهة دفاعية على نحو أساسي.

ويُستخدم هذا السلوك بحسبها لصرف الانتباه عن الواقع القاسي المتمثّل في الخسارة والضعف البشري ونهاية الحياة، فهو ردّ فعل طبيعي لتجنب الانخراط في مشاعر غير مريحة. وعلى الرغم من أنه قد يكون محيّراً، فإنه مجرد واحدة من العديد من آليات الدفاع التي يستخدمها الناس.

كيف نتعامل مع الفقدان والمواقف الحزينة؟

وإن كان الضحك في العزاء رد فعل طبيعياً، فقد يكون من المحرج أن نضحك في مكان جنازة حيث يكون الآخرون منزعجين وحزينين بوضوح. ولإدارة مثل هذه الاستجابة، توصي أبيغيل سان بالتركيز على تمارين التنفس بعمق أو التركيز على الأحاسيس الجسدية مثل استشعار القدمين وهز الأصابع؛ إذ يساعد ذلك على تحويل التركيز إلى اللحظة الحالية عوض التصرّف وفقاً للمشاعر الداخلية مثل الرغبة في الضحك.

أما المستشارة النفسية والتربوية والأسرية الأردنية، رندة عبد العزيز، فتشير إلى الموت والفقدان بوصفهما حقيقة مؤلمة يجب الوعي بالطريقة الصحيحة للتعامل معها؛ حيث توصي بضرورة تغيير نظرتنا النمطية إلى فكرة الموت والفناء والتصالح معها.

اقرأ أيضاً: 5 اختلافات جوهرية توضح الفرق بين الحزن والاكتئاب

وأخيراً، يُنظر إلى الضحك في العزاء أو المواقف الحزينة بشكلٍ عام بوصفه سلوكاً غير لائقٍ، لا سيما أنه قد يجرح مشاعر أشخاصٍ آخرين. لكن المختصين يوضحون أنه آلية تكيّف طبيعية ومنتشرة للتعامل مع المشاعر الصعبة؛ حيث يستخدم الناس أشكالاً مختلفة من الاستجابات العاطفية للتعامل مع الحزن.