كيف تمنحنا الشماتة شعوراً بالتفوّق على الآخرين؟

الشماتة
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

إن امتلاك ميزة تنافسية على الآخرين، والشعور بالتفوّق عليهم، هما شعوران متأصلان بداخلنا، وقد يجعلاننا في بعض الأحيان نسعد لرؤية الآخرين يتعثّرون في حياتهم.

فالبشر كائنات اجتماعية بالفطرة، تسعى للتميُّز وسط محيطها. لذلك، فشيء مثل رؤية الآخرين يتعرَّضون لموقف ما يضعهم في مكانة اجتماعية أقل منّا يغذّي ذلك الشعور بالتفوّق والرضا عن أنفسنا؛ ما يُعرف بـ “الشماتة”.

ما هي الشماتة؟

تأتي كلمة شماتة (Schadenfreude) من الكلمتين الألمانيتين “الأذى” (Schaden) و”الفرح” (Freude). معاً يكوّنان معنى “الفرح الخبيث”، وهي تلك المتعة المستمدة من مصيبة الآخرين.

إن الشماتة ليست أمراً غريباً؛ بل هي شعور مألوف للكثيرين. كذلك، فهي لا تنمّ عن حقد دفين نحو شخص ما أو رغبة في إيذائه في كل الأحيان، فحين يحدث أمر سيئ لشخص ما أو يقترف خطأً محرجاً، قد يشعر جزء منك بالتعاطف تجاهه؛ لكن جزءاً منك يضحك ويسعد أيضاً – وفقاً لجو شراند؛ الطبيب النفسي والمدرس في كلية الطب بجامعة هارفارد.

كذلك، فالشماتة يمكن أن تمنح الفرد شعوراً بالسيطرة حين يرى ذلك الشخص الذي يهدد مكانته الاجتماعية يتعرّض لأمر يضعه في مكانة اجتماعية أقل، ومن ثم يشعر هو بمزيد من الهيمنة لاحتفاظه بمكانته.

لماذا نحب أن نرى الآخرين يفشلون؟

إن البحث عن المكانة الاجتماعية هو أمر حيوي لنا، فنحن ندرك غريزياً أن هناك تسلسلاً هرمياً عاماً تحدد مكانتنا في الحياة بشكل عام، مكاننا بداخله. ونحن نريد أن نكون محبوبين وذوي شأن؛ إن ذلك جزء كبير من كيفية فهمنا لمكاننا في العالم.

ولكن نظراً لأن تحديد المكانة الاجتماعية مسألة نسبية وذاتية، فإن إحدى طرق تحسين الحالة الاجتماعية هي أن يتدنى الوضع الاجتماعي لشخص آخر – وفقاُ لعالم الأعصاب والمؤلف دين بيرنيت.

لذلك، فالحصول على تلك المكانة الاجتماعية يحدث من خلال طريقتين:

  1. تحقيق نجاح شخصي؛ مثل التفوّق في لعبة رياضية أو النجاح في اختبار أو الحصول على وظيفة مرموقة.
  2. رؤية المنافِس يتعثّر؛ ما يعني ارتفاع مكانتنا.

في الطريقة الأولى؛ يحفِّز تحقيقنا لنجاح شخصي مركز المكافأة في الدماغ الذي يخلق المتعة، بينما تحمينا الطريقة الثانية من الحصول على مكانة اجتماعية متدنية. فذلك أمر مرهق للغاية وسيئ لرفاهيتنا، ونحن نود أن نتجنّب مثل ذلك الشعور. كما أنه يجعلنا نشعر بالرضا مع رفع مكانتنا، دون أي تكلفة علينا.

دوافع الشماتة

ينظر علماء النفس إلى الشماتة من خلال ثلاث نظريات: الحسد والاستحقاق والصراع.

تركز نظرية الحسد على الاهتمام بالتقييم الذاتي ومحاولة تقليل المشاعر المؤلمة الناتجة عن الحصول على مكانة اجتماعية متدنية. يتحقق ذلك بالسعادة لرؤية الشخص الذي يُنظر إليه على أنه متفوّق علينا يتعثّر.

بينما تربط نظرية الاستحقاق والإنصاف بالاهتمام بالعدالة الاجتماعية، وأن ينال كل فرد جزاءَه، والشعور بأن شخصاً ما يستحق أن يحدث له ذلك الأمر السيئ نتيجة لأفعاله.

في حين تتعلق نظرية الصراع بين المجموعات بالهوية الاجتماعية والهزيمة التي قد تلحق بمجموعة منافسة، كما هو الحال في المنافسات الرياضية أو السياسية.

السعادة مختلطة بالشعور بالذنب

درس فريق بحثي من جامعة إيموري بأميركا كيفية ترابط تلك المفاهيم المذكورة بالشماتة، واستند الباحثون إلى أدلة من ثلاثة عقود من البحوث الاجتماعية والتنموية والشخصية، في مقالهم المنشور بدورية “الأفكار الجديدة في علم النفس” (New Ideas in Psychology).

تفترض الدراسة نظرية تحفيزية للشماتة؛ وهي أن مخاوف التقييم الذاتي والهوية الاجتماعية والعدالة هي الدوافع الثلاثة التي تدفع الناس نحو الشماتة. وما يبعدهم عن ذلك أو يقلل منه هي القدرة على الشعور بالتعاطف مع الآخرين.

يقول سكوت ليلينفيلد؛ المؤلف المشارك بالدراسة والذي يركز بحثه على اضطرابات الشخصية: “تشير مراجعتنا بقوة إلى أن الميل لتجربة الشماتة ليس فريداً تماماً؛ ولكنه يتداخل بشكل كبير مع العديد من السمات الشخصية المظلمة الأخرى؛ مثل السادية والنرجسية والاعتلال النفسي”.

ويضيف فيليب روشات؛ أستاذ علم النفس بجامعة إيموري المشارك بالدراسة والمتخصص في دراسة نمو الرضَّع والأطفال: “الشماتة هي عاطفة غريبة يصعب استيعابها. إنها نوع من التجربة الباردة الدافئة المرتبطة بالشعور بالذنب. يمكن أن تجعلك تشعر بالغرابة في تجربة المتعة عند سماع أشياء سيئة تحدث لشخص آخر”.

جذور مبكِّرة للتنافس

تشير الدراسة ذاتها إلى أن دوافع الشماتة تلك لها أصول تنموية. وتشير الأبحاث التنموية التي استندت إليها الدراسة إلى أن الأطفال الرضَّع الذين لا تتجاوز أعمارهم ثمانية أشهر يُظهرون إحساساً متطوراً بالعدالة الاجتماعية.

فعلى سبيل المثال؛ أظهرت نتائج دراسة بحثت في تجربة الشماتة والتعاطف بين الأطفال ونُشرت في المجلة البريطانية لعلم النفس التنموي (British Journal of Developmental Psychology)، أنه ابتداءً من سن الرابعة، تحدث ردود أفعال الأطفال العاطفية والسلوكية تجاه مصيبة طفل آخر بناءً على الهدف الذي يسعى إليه.

فإذا عانى الطفل من سوء الحظ خلال سعيه لهدف إيجابي أخلاقياً؛ يتعاطف الأطفال معه، بينما يتولّد شعورهم بالشماتة تجاهه إذا كان يسعى لهدف سلبي أخلاقياً.

كذلك، وفقاً لدراسة جامعة إيموري، فهناك جذور مبكرة للعدوان بين الأطفال؛ حيث تبيَّن أنه ببلوغ تسعة أشهر يفضِّل الأطفال الدمى التي تعاقب الآخرين الذين لا يشبهونهم ولا ينتمون لمجموعاتهم المفضّلة.

بالإضافة إلى ذلك؛ يظهر التنافس بين الأطفال في سن الخامسة أو السادسة، ويسعون حينها لتعظيم مكاسبهم على حساب الأطفال الآخرين، حتى لو اضطروا للتضحية بشيء يملكونه.

وببلوغهم سن الرشد، يتعلَّم الكثير منهم إخفاء أي ميول لتقديم تضحية لمساعدة الآخرين، فقط بدافع الحقد؛ لكنهم قد يكونون أكثر انفتاحاً بشأن تقديم التضحيات التي تُعتبر مؤيدة للمجتمع.

يقول روشات: “عندما تفكر في نمو الطفل الطبيعي، فإنك تفكر في أن الأطفال سيصبحون اجتماعيين وطبيعيين. ولكن هناك جانب مظلم لأن تصبح اجتماعياً، فأنت تنشئ أصدقاء ومجموعات أخرى لاستبعاد الآخرين”.

تعبير عن المخاوف الدفينة

إن فهم الدافع وراء شعورك بتلك الشماتة نحو شخص آخر يمنحك فرصة للرد والتفاعل بشكل مدروس أكثر من الاندفاع. فإدراك أنك تمتلك طيفاً كبيراً من المشاعر يشمل السعادة والحزن والخوف والغضب وغيرهم، هو الخطوة الأولى لاستخدام هذه المشاعر لصالحك.

يقول روشات: “نحن جميعاً نختبر الشماتة؛ ولكننا لا نحب التفكير فيها كثيراً، لأنها تُظهر مدى تناقضنا مع زملائنا البشر. لكن الشماتة تشير إلى مخاوفنا المتأصلة، ومن المهم دراستها بطريقة منهجية إذا أردنا فهم الطبيعة البشرية”.