كيف يؤثر التأمل في حالتنا الذهنية؟

الشرود الذهني
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

يشرح الطبيب المتقاعد، زن هي تجن (Dinh Hy Trinh) كيف تتداخل وظيفتان نفسيتان عصبيتان رئيستان، وهما الشرود الذهني والانتباه، أثناء عملية التأمل.

كيف نفسر الشرود العقلي؟

زن هي تجن: يتعلق الأمر بحالة نفسانية تظهر بشكل تلقائي عندما لا نكون ملزمين بأداء مهمة محددة؛ كأن تجيل بصرك في مشهد أو تطل على السماء من نافذة وتسرح بنظرك. إذاً فالشرود الذهني (أو التشتت الذهني، ومقابله بالإنجليزية mind-wandering) يحصل حين يسرح الذهن وينتقل من الأفكار المرتكزة على هدف معين وآني إلى أفكار خيالية تدور في فلك الماضي أو المستقبل، وقد أوجد العلماء لهذه الحالة اختصارَ (REST)، وهو أيضاً كلمة إنجليزية تعني “استراحة”، إيجازاً لعبارة (random episodic silent thinking)؛ أي “التفكير العشوائي العَرَضيّ الصامت”. صحيح أن هذا النشاط يبقى غير ملحوظ لمن يراقب الوضع من الخارج إلا أنه يستحوذ على جزء مهم من حياتنا الذهنية؛ جزء يتراوح ما بين ثلث إلى نصف ساعات يقظتنا.

هل يُعَدّ هذا النشاط إيجابياً أم سلبياً؟

زن هي تجن: للشرود الذهني جوانبه الإيجابية والأخرى السلبية، فهو مفيد من جهةٍ؛ إذ يطلقُ الذهن العنان للخيال والإبداع، ويربط بين الأفكار ويبني المشاريع، ويعود إلى الماضي بهدف تحسين المستقبل أثناء لحظات الانغماس الجوّاني هذه. وسلبي من جهة أخرى، فعلى المستوى المعرفي مثلاً؛ نجد الشرود الذهني يُقلّل من قدراتنا على إنجاز مهمّة ما بسبب خفْضِه مستوى الانتباه المطلوب. وإلى جانب ذلك، فهو يعيق ويُنغِّص قابلية التعلم. أما على الصعيد العاطفي، فقد ثبُتت عدم سعادة الذهن الشارد؛ إذ لا تعاود الذكريات المُفرِحة الظهور إلا في ثلث الحالات فقط، أما في ما تبقى منها فإن الباب يُفتح على مصراعيه للأفكار المحايدة أو المُقلقة كي تتفشى في الذهن. ومع سيطرة هذا النزوع إلى التذكر، يبدأ الأشخاص بالميل إلى الشرود في ذكريات حزينة بعينها واستخدام مسارات الدماغ ذاتها. هذا الاجترار الذهني الذي يأخذ شكل أفكار هوسية متعلقة بذكريات كئيبة حصلت في الماضي، غالباً ما يأتي مشحوناً بمشاعر مؤذية، كما يتغذّى عليه الاكتئاب المزمن ويمهد الطريق أمام الانتكاسات. ويحدث أيضاً في حالات اضطرابات ما بعد الصدمة؛ إذ تعاود ذكريات الصدمة النفسية مساورة النفس فور أن يبدأ الذهن في الشرود، مُخلِّفةً تغيّراً في المزاج.

أثناء الشرود الذهني والتيّقظ، في كلّ واحدةٍ من هاتين الحالتين؛ ما الذي يحصل داخل أدمغتنا؟

زن هي تجن: يعكس الشرود الذهني نشاط شبكة الخلايا العصبية المسماة “شبكة الوضع الافتراضي” (Defaut mode network DMN)، لقد اكتُشف هذا النظام عن طريق الصدفة سنة 2001 من طرف عالم الأعصاب الأميركي ماركوس رايكل (Marcus Raichle) وفريقه؛ إذ اكتشفوا من خلال قياس نشاط دماغ يبدو في وضعية راحة؛ وجود مناطق مُفرطة النشاط تستهلك كمية أكبر من الأوكسجين والطاقة بالمقارنة مع تلك المستهلكة لدى انهماك الشخص بالقيام بمهام حسية أو حركية أو عقلية محددة. أثبتوا كذلك أن هذه الشبكة كانت الداعم لوظيفة أخرى تُسمَّى “المعالجة بالإحالة إلى الذات”، أو بتعبير أبسط “الوعي بالذات” أو “تأمل الذات” أو “الانشغال بالذات”، وهي ما يطلق عليه الأنجلوساكسونيون “نظرية العقل” (Theory of mind) والتي تتلخص في قدرة المرء على تخيل نفسه مكان الآخرين. ومع أن الانتباه بدوره وظيفة من وظائف الدماغ المهمة؛ إلا أنه مرتبط بنشاط شبكة أخرى من الخلايا العصبية يُصطلح عليها بـ “شبكة المهام الإيجابية” (TPN) بحيث يُكلف الدماغ حين يكون وضعية في اليقظة بمعالجة كمية هائلة من المعلومات، كما يستقبل عدداً من المثيرات الخارجية والداخلية. وفي لحظة معينة، يقوم الانتباه باختيار واحدة من تلك المعلومات المُستلَمة، وفقاً لإحدى هذه المعايير الثلاثة الأساسية: التهديد والمتعة والجِدّة. وهكذا فإن من ضمن وظائف الانتباه نجد توجيه الانتباه والحفاظ عليه وتحويل التركيز.

ما العلاقة بين الشرود الذهني والانتباه؟

زن هي تجن: ثمة تضاد بين هاتين الحالتين الذهنيتين؛ إذ بظهور إحداهما تختفي الأخرى، والعكس صحيح. فحين يشرد ذهن شخص ما أثناء إنجازه لمهمة محددة، يتداعى انتباهه وبالتالي تتضاءل فعالية هذا التركيز في المهمة المعهودة إليه. إن ثانية واحدة فقط من عدم الانتباه أو ضعف التركيز كفيلة بالتسبب في خسارة مباراة أو فشل عَرْض أو وقوع حادثة سير أياً كانت درجة خطورتها، وعلى النقيض من ذلك فإن من شأن صبَّ التركيز وتوجيهه نحو مهمّة محددة أن يحدّ من التشتت الذهني. وقد بُرهن على هذا التضاد من زاويةٍ عصبية من خلال العلاقات النشطة المتقابلة لهاتين الشبكتين العصبيتين (DMN) و(TPN)؛ والتي تم رصدها عبر التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفيّ للراحة.

ما آليات تأثير التأمل في هاتين الحالتين الذهنيتين؟

زن هي تجن: لن أبوح بسرّ إن قلت الآن أن مفتاح التأمل يكمن في كلمة واحدة وهي الانتباه، “فالانتباه السويّ” أو “اليقظة الذهنية” تُعدّ واحدة من تعاليم طريق بوذا الثماني، وقد عرَّفَ “اليقظة الذهنية” الأب المؤسس لمنهجية (MBSR) التي جاءت اختصاراً لـ (Mindfulness-Based Stress Reduction)، كابات-زن، بوصفها “حالة وعي تنتج عن صبّ التركيز بشكل قصدي في اللحظة الحاضرة، متجردين من إطلاق الأحكام على التجربة التي تحصل لحظةً بلحظة”. بفضل علوم الأعصاب صرنا نفهم اليوم آلية عمل التيقظ الذهني، فالتركيز المُنصبّ مثلاً على التنفس أو الضوضاء أو ما يضطرم داخل رأس المرء، يباشر بتفعيل (TPN) وإلغاء تنشيط (DMN)؛ أي أنه يقود في النهاية إلى الشرود الذهني. يتكِّئُ الشرود الذهني في عمله على التضاد الحاصل بين الانتباه والشرود الذهني، وتم إثبات ذلك من خلال التصوير التشخيصي الطبي الذي خضع له عدد من المُتأمّلين أياً كان نوع التأمل الذي يمارسون أثناء ذلك. وهكذا، نخلص إلى أن التيقظ الذهني يُفضي إلى مشاعر إيجابية مثل السلام والفرح والسكينة؛ بل ومن شأنه أن يقضي على “الانشغال بالذات” الذي يُمثّل عاملاً من عوامل التشتت الذهني.