لم يعجز بعض الأشخاص عن كتمان الأسرار؟

إفشاء الأسرار
(مصدر الصورة: نفسيتي، تصميم: محمد محمود)
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

حالما يطلعهم أحد ما على سره فإنهم يتحرقون شوقاً إلى إفشائه، يعِدون بالتزام الصمت ولكنهم يعجزون عن ذلك، فلمَ يشعر بعض الأشخاص برغبة ملحّة في إفشاء الأسرار التي يؤتمنون عليها؟
تقول كوثر: "أسرَّت إليّ صديقتي لبنى بأن زوجها يخونها منذ فترة وأخبرتني ألا أتفوه بحرف عن ذلك أمام أيٍّ كان لكن الأمر كان أقوى مني وشعرت برغبة ملحّة في إخبار أحد ما بالقصة".

تعلمنا منذ الصغر أن إفشاء الأسرار سلوك مستهجَن، وترى الفيلسوفة ومختصة التحليل النفسي نيكول بريير (Nicole Prieur) أنه أشبه بخيانة نرتكبها بكلامنا وتقول: "ربما ينضج وعينا عندما ندرك أن الخيانة حاضرة ولو افتراضياً في علاقاتنا الشخصية وأنها جزء لا يتجزأ منا". فما الأسباب الكامنة وراء عجز بعض الناس عن حفظ أسرار الآخرين؟

رغبة لا واعية في إفشاء السر

للمفارقة فإن لدى صاحب السر نفسه رغبة لا واعية في أن يفشي الآخر سره، وتقول نيكول بريير: "عندما يُطلع شخص ما آخرَ على سره فإنه يحاول بذلك أن يحرر نفسه من الصراع الداخلي الذي يسببه له ويطلب منه في الوقت ذاته أن يلتزم بالصورة التي قدمها له حول المشكلة أي ألا يطلق أحكاماً عليه. ولكن ذلك في كثير من الحالات يعبر عن رغبة لا واعية لديه في إطلاع الجميع على هذا السر الذي أثقل كاهله؛ وكأنه يحاول منحهم الصلاحية للمشاركة في حل مشكلته".

ربما كانت صديقة كوثر تتوقع منها أن تفشي ما أسرّت به لها ومن ثم كانت تأمل دون وعي منها أن يؤدي ذلك إلى تغيير الوضع الذي يسبب لها المعاناة بعد أن شعرت أنها عاجزة عن فعل شيء حياله.

صراع القيم الشخصية مع خيانة الثقة

في بعض الأحيان قد يتعارض السر الذي يؤتمن عليه المرء مع قيمه الشخصية، فما الذي يمكنه فعله حينها؟ هل يُسكت ضميره أم يخون من أسرَّ له؟ لنأخذ مثلاً ماجد الذي أبلغه مدير الموارد البشرية في الشركة أن الإدارة تفكر في طرد زميله وصديقه هاشم، فاختار أن يكون مخلصاً للأخير وأبلغه بنية الإدارة.

تقول نيكول بريير: "إن دعم الأصدقاء من خلال الكشف عن المؤامرات التي تحاك ضدهم هو التزام حقيقي مدفوع بقناعات راسخة ولكنه يمكن أن يمثل من جهة أخرى طريقة لاستعادة الصورة الذاتية الإيجابية، فالشخص الذي يكرس نفسه للآخر على هذا النحو يشعر بأن له قوة ودوراً إيجابياً فماجد مثلاً يمثل في هذه الحالة منقذاً وسبباً رئيسياً لنجاة صديقه، وهو موقف مرضٍ للذات إلى درجة أنه يدفع بعض الأشخاص إلى تحمل مخاطر كبيرة".

رغبة في جذب انتباه الآخرين

توضح نيكول بريير إنه عندما تصبح حاجة الشخص الملحّة إلى إفشاء الأسرار حالة مزمنةً لديه فإن ذلك يشير إلى أنه يولي نظرة الآخرين إليه أهمية كبيرة ومن ثم فإن جذب انتباههم ولو للحظات يُشعره بوجوده، ولأن إفشاء السر الذي يحتفظ به يمنحه القوة والأهمية التي يطمح إليها فهو مستعد لدفع ثمن باهظ في سبيل ذلك؛ كخسارة مصداقيته وثقة أصدقائه وزملائه إذ إن ذلك لا يساوي شيئاً بالنسبة إليه مقارنة بلحظات "المجد" التي سيحظى بها!

كيف تتعامل مع رغبتك الملحة في إفشاء الأسرار؟

1. لا تقبل سماع السر

إذا كان كتمان السر صعباً عليك فصارح محاورك بذلك وارفض أن يطلعك على سره وحتى لو تفاجأ في البداية فإنه سيقدر صراحتك ولكنه قد يصاب بالإحباط من جهة أخرى عندما يشعر أنه لا يمكنه مشاركتك الحمل الذي يثقل كاهله.

2. تخيل عواقب إفشاء السر

عندما يأتمنك شخص على سره تخيل العواقب التي قد تنجم عن إفشاءه قبل أن تُقْدِم على ذلك ووزان بين إيجابيات الأمر (إزاحة عبء ثقيل عن صدرك أو الحصول على رأي طرف ثالث أو الرغبة في الكشف عن سبق صحفي وغيرها) وسلبياته (فقدان الثقة أو انتهاء الصداقة أو تشويه سمعة صاحب السر).

نصيحة إلى من يرغب في الكشف عن أسراره

عندما تشعر بحاجة ملحّة إلى الكشف عن سر من أسرارك الخاصة لشخص ما فاسأل نفسك قبل ذلك: لمَ أريد فعل ذلك ولمَ اخترتُ هذا الشخص تحديداً؟ هل اخترته معتقِداً أن بإمكانه مواساتك وإلقاء الضوء على الموقف الذي تمر به أم لأنك تعرف في قرارة نفسك أنه لا يحفظ سراً؟

ضع نفسك في مكانه؛ اسأل نفسك كيف سيتعامل هذا الشخص مع سرّك وكيف يمكنك تخفيف عبئه عليه، وفي مقابل الحصول على الراحة المرجوة من إطلاع هذا الشخص على سرك، هل أنت مستعد للمخاطرة باحتمال تداوله بين الناس؟ عندما تفكر في ذلك لربما تجد أن التزام الصمت سيكون أفضل كثيراً.

تقول سمر ذات الـ 34 عاماً وهي مديرة دعاية وإعلان: "خلال الجلسات مع صديقاتي كنا نثرثر كثيراً ونتشارك كل أسرار الآخرين التي نعرفها وبعد كل جلسة كنا نعِد بعضنا بعضاً بألا نتفوه بكلمة مما سمعناه. ذات يوم وجدتُ نفسي مؤتمنةً على سر حقيقي وهو إصابة إحدى صديقاتي بمرض خطير ولكنني لم أتمالك نفسي وأفشيته وعرفت صديقتي بذلك فغضبت جداً ونعتتني بـ "الجوفاء غير الجديرة بالثقة" وظلت هذه السمعة تلاحقني حتى اليوم.

لقد فكرتُ في فعلتي إلى درجة أنني لجأت إلى معالج نفسي وأدركتُ اليوم أنني كنت أختبئ وراء حياة الآخرين لأنني لم أستطع الكلام عن حياتي الشخصية وأسراري الخاصة، لقد كانت حياتي محفوفة بالقلق والخوف إلى درجة أنني كنت أشعر بالراحة عندما أسرد أزمات الآخرين، فعندما أفشيت الأسرار التي ائتمنتُ عليها كنت أحاول بذلك التحدث عن نفسي دون أن أعي".