العلاج بمراسلة النفس: اكتبوا خطابات لتتحرروا من همومكم

الخطابات
shutterstock.com/Billion Photos
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

ليس من شأن الخطابات توطيد العلاقات وزيادة فرص التواصل فحسب، بل هي تنطوي أيضاً على قدرة علاجية خارقة. هذا ما تذهب إليه إليزابيث هورويتز، التي كرست كتابها الأخير للحديث بهذا الشأن. وللاستفادة من منافعها، كل ما يتطلبه الأمر هو القليل من الوقت وبعض الورق.

تعمل إليزابيث هورويتز منذ سنوات على الأفعال الرمزية، “إنها تلك الأفعال البسيطة، التي لا تكلف شيئاً والعفوية، التي تجعل بالإمكان تجسيد مشكلة ما، وبالتالي التنفيس عنها، من أجل التخلص منها على نحو أيسر بكثير”. ترى المعالجة المختصة بعلم نفس الأنساب وبالعلاج المختصر المتمركز حول الحل، أن العلاج بالتراسل، وهي منهجية من ابتكارها، يتماشى وهذا المنظور. إذ تقول: “إن كتابة الخطابات هي بحد ذاتها فعل رمزي”.

حيث تنطوي هذه الممارسة العلاجية بالتراسل بالفعل على فوائد غير متوقعة؛ إذ قد تهدئ العديد من الأعراض، مثل الاكتئاب ونوبات القلق، وحتى الآلام المزمنة. إن سرد موقف ما، أو إفراغ مشاعرك على الورق، سيوفر وقتاً ثميناً لجميع من يمر بتلك المشاعر أو المواقف الصعبة. من المهم أن تكتب بيدك، فهي تعد شكلاً أقوى من أشكال الالتزام مقارنة بالكتابة على الحاسوب، التي تتيح حذف نص ما دون ترك أي أثر له. كما تختلف كتابة خطاب عن كتابة اليوميات. فبالتعريف، يكون الخطاب موجهاً لشخص آخر، مما يجعلنا على اتصال مباشر به (كأن يكون قريباً وافته المنية، أو صوتنا الناقد)، حتى ولو تم ذلك بشكل رمزي، ويجعلنا كذلك نتولى زمام الأمور وفي ذات الوقت نعيد تقييم الأمور فيما يتعلق بالمشكلة والانفعالات التي تتمخض عنها. يعتبر الوعي واستجلاء الأمر والتباعد العاطفي وتقليل التوتر والتأثيرات غير المريحة أو المؤلمة، بعضاً من فيض المنافع التي تعود بها هذه الطريقة العلاجية “سهلة التنفيذ والفعالة والمجانية”، وفقاً لما تؤكده إليزابيث هورويتز.

الخطاب هو المورد [الخطاب الأصل]

الهدف: الغرض من هذا الخطاب هو مد يد العون لك، عندما تكون معنوياتك في أسفل سافلين، وتكون بحاجة ماسة لتلقي الدعم والتشجيع.

كيفية ذلك: اكتب هذا الخطاب عندما تشعر بالرضا عن ذاتك، إلى جانب الشعور بالثقة والتركيز. يُفضل اختيار ورقة ترى أن ملمسها ولونها سيشعرك بالرضا في اليوم الذي ستكون بالفعل في حاجة إلى الراحة. بادئ ذي بدء، اسرد جميع خصالك الشخصية الإيجابية وقدراتك ومهاراتك الشخصية، من أصغرها لأكبرها. ثم كل نجاحاتك، من الأقل أهمية إلى أهمها على الإطلاق، ومن الأحدث إلى الأبعد زمنياً. ثم تحدث عن اللحظات الرائعة التي شعرت فيها بالسعادة (سواء بمفردك، أو مع شريك الحياة، أو مع العائلة، أو مع أصدقائك…). وأخيراً، اسرد الأنشطة والعلاقات التي تجعلك تشعر بالرضا حقاً. بعد الانتهاء من كتابة خطابك، ضعه في مظروف وأغلقه بإحكام. ثم ضعه جانباً. لا تفتحه سوى عند الحاجة له. عندها، سوف تقرؤه عدة مرات وبصوت عالٍ.

المكافأة: استفد من عيد ميلادك لتكتب لنفسك خطاباً خاصاً. بوسعك اختيار بطاقة لطيفة حقاً (وورقة من نفس اللون) حتى يتسنى للأنا القوية لديك إسداء النصائح الثاقبة للأنا الضعيفة. وبعد الإسهاب في توجيه الإطراء لنفسك، يمكنك إسداء سيل من المشورة لنفسك (على أن تكون ملموسة وفعالة في نظرك)، بحيث تبدد الشعور بالاستياء، وتتخلص من التوتر، وتعزز من ثقتك بنفسك، وتضفي السعادة على روحك أيضاً.

خطاب من الأنا الطفل

الهدف: تحديد مشاعر الاستياء والإحباط وخيبات الأمل الأخرى التي تشعر بها تجاه أحد والديك أو كليهما (لاحظ أن الأمر لا يتعلق هنا بالعنف الجسدي أو الأخلاقي) وتحرير نفسك منها. دائماً ما يكون الحب متناقضاً، فيمكنك أن تتعلق بأبيك وأمك وفي ذات الوقت تحمل لهما بعض الضغينة لكونهما لم يتواجدا بقربك ولم يدعماك بما يكفي. يتيح لك هذا التمرين توضيح مشاعرك، وإدراك التناقض لديك و”التعامل” معه، وذلك بجعل الفرصة سانحة “للأنا الطفل” لإطلاق العنان لمكنون نفسها.

كيفية ذلك: اختر صورة لأحد والديك (أو لكليهما) تم التقاطها خلال طفولتك أو مراهقتك، وبينما تطالعها اطرح على نفسك هذا السؤال: أياً من احتياجاتك لم تُلبى. اختر ورقة ووجهها إليهما (أو لوالدتك أو لوالدك)، واشرح لهما ما افتقدته، أو ما الذي جعلك تشعر بخيبة الأمل، أو ما الذي آلمك جراء سلوكهما معك، سواء حدث ذلك مرة واحدة أو تكرر حدوثه. دع الطفل الذي بداخلك يتكلم عن الأمر بحرية دون تحفظ عليه من جانبك أو سخرية منه. فهو يعبر فيه اليوم عن الاحتياجات والمشاعر التي لم يكن قادراً على التعبير عنها حينذاك. ثم، يمكنك قراءة رسالتك بصوت مرتفع بينما تنظر لصورة والديك. كما يمكنك إرسالها بشكل رمزي (اخترع ألقاباً لوالديك أو حور اسمهما الأول أو ألقابهما، ثم اخترع عنواناً خيالياً على أن يكون ذا مغزى بالنسبة لك).

المكافأة: بوسعك كذلك كتابة خطاب أو بطاقة لدعم وطمأنة الأنا الطفل لديك، أي للشخص الذي كنت عليه في السن الذي عانيت فيه من هذا السلوك أو ذاك من والديك. على سبيل المثال: “أنت صبي صغير رائع، والداك محظوظان جداً بوجودك…”.

خطاب الاستشفاء

الهدف: إن الغرض من هذه المراسلات هو معاونتك على تحرير نفسك من المواقف الصعبة والمؤلمة التي مررت بها في حياتك المهنية أو الخاصة، عن طريق التخلص من عبء المشاعر السلبية (كالشعور بالذنب، والغضب، والحقد، وغير ذلك)، وتلك المشاعر السامة بالضرورة التي تمخضت عنها.

كيفية ذلك: سيشمل ذلك صياغة رواية بخط يدك للمحنة. ثم اكتب نفس النص مرة ثانية باليد الأخرى. يسمح هذا التمرين غير المريح لجميع مشاعرك بالظهور، خاصة تلك الأكثر تناقضاً (مثل: الاستياء الممزوج بالحنين إلى الماضي أو التعلق الذي ينطوي على الرغبة في الانتقام). تتمثل الخطوة الثالثة، بعد معاودة القراءة عدة مرات بصوت مرتفع، في نطق جميع الكلمات دون غضب أو حزن، محاولاً أن تكون محايداً قدر الإمكان، كما لو كنت تقرأ نصاً لكاتب آخر غيرك.

تخلص من الشعور بالذنب: وقوعك ضحية لظلم ما أو لضربة قاسية من ضربات القدر، لا تعفيك من الشعور بالذنب. كما أن العبارات التقليدية، مثل: “كان يجب علي أن أتصرف بطريقة مغايرة” وغيرها مثل: “لو أنني فعلت كذا وكذا…”، تنقل ببراعة شعورنا بالذنب. فمهما كان الأمر الذي يبعث على هذا الشعور بالذنب، اكتب لنفسك رسالة موجزة وإيجابية في ذات الوقت. على سبيل المثال، إذا حدث وتعرضت للطرد من العمل: “لطالما كنت شخصاً يقظ الضمير وذا كفاءة، ودائماً ما كنت أقوم بعملي على الوجه الأكمل”. عندما ترى المشاعر السلبية تحيطك من كل جانب (كالخزي والغضب والحزن والاستياء)، ارجع لرسالتك وأعد قراءتها بصوت مرتفع ثم انسخها ثلاث مرات باليد الأخرى.

فرغ المشاعر العدائية: في هذا الخطاب، ستعبر دون الخوف من المحظورات، وبطريقة مباشرة وحتى بلغة فجة، عن كل ما تشعر به حيال موقف ما أو شخص ما قد يكون السبب في الأمر… وكلما كانت الكلمات “سلبية”، كلما ازداد التطهر من العواطف السلبية. بعد كتابة رسالتك، يمكنك حرقها ومشاهدتها وهي تتحول إلى رماد، بينما تنظر في انتباه للاختفاء التدريجي للحبر والورق. أو أرسلها بطريقة رمزية (كأن ترسلها لكوكب المريخ، أو للجحيم، أو للمكتب المختص بدفع المظالم الكبرى…). أو حتى تمزيقها لقطع صغيرة. أو دعها تذوب وتتفتت في الماء…

خطاب موجه لصوتك الناقد

الهدف: إسكات ذلك الصوت الداخلي السلبي النابع من المعتقدات والمحظورات المحفورة في وجدانك منذ الصغر، والتي تتنبأ لك بالفشل، وتشكك في صفاتك الحسنة ومهاراتك، كما تقلل من شأن انتصاراتك ونجاحاتك…

الكيفية: بالنسبة لهذه الرسالة، يمكنك اختيار ورق أبيض وقلم حبر لإضفاء طابع أكثر مهابة على هذا العمل. تساعدك الكتابة الموجهة لصوتك الناقد على الاعتراف الرسمي بوجوده، حتى يتسنى لك أن تصبح أكثر وعياً بآثاره المؤذية. في رسالتك، التي قد تبدأها بعبارة “عزيزي الصوت الناقد بداخلي”، يمكنك سرد جميع الطرق التي أثر بها سلباً على حياتك – ولا تتردد في توضيح عباراتك بإعطاء بعض الأمثلة عليها. ثم بإدراج كافة التفاصيل عما قد يحدث إذا ما قرر هذا الصوت الكف عن الحديث للأبد، وذلك قبل أن تطلب منه ألا يظهر مجدداً إلا إذا أراد الحديث لصالحك وليس لإضعافك.

خطاب العرفان بالجميل

الهدف: استفد من التأثير الإيجابي للعرفان بالجميل على معنوياتك وعلاقاتك. يعد العرفان بالجميل أحد المكونات الرئيسية لتحقيق الرفاه العاطفي. فهو يبدد المشاعر التي تشوبها المرارة أو الاستياء، ويجعلك تشعر بمعاملة الآخرين الجيدة لك وبالحياة، لذلك في النهاية تشعر بتحسن إزاء نفسك وبالمزيد من الثقة.

الكيفية: اختر بعض الأوراق الجميلة، واتخذ وضعاً مريحاً جلوساً، ثم فكر في ثلاثة أشخاص تود شكرهم على ما قدموه لك من إسهامات إيجابية. واكتب لكل منهم على حدة ما مثله بالنسبة لك، وكيف أثرى حياتك (وما جعلك تحققه أو تتجنبه). وقدم الشكر لكل شخص من ضمنهم على ما نفعك به. اكتب من قلبك دون أن تكون رقيباً على نفسك، ودون الخوف من أن تصبح محطاً للسخرية. وبعد الانتهاء من كتابة خطاباتك، دس كل واحد منها في مظروف وأرسلها بالبريد. إما بطريقة رمزية (عن طريق اختراع عنوان خيالي أو يقع في الطرف الآخر من الأرض) أو بالطريقة المعتادة.

كونوا على استعداد (تأهبوا)

الأدوات المطلوبة منك: بطاقات، ورق تقليدي أو فاخر لكتابة الخطابات، على أن يكون سميكاً أو رفيعاً، أبيض أو ملوناً، وأقلام حبر أو حبر جاف، وأقلام رصاص ملونة للكتابة على الورق… إن اختيار الأدوات لا حدود له تقريباً. إذا كنت تنجذب للألوان، فابحث عن الألوان الأكثر حيوية على الأخص عند كتابة خطابات التشجيع، وألوان الباستيل عندما تسرد حكايا تتسم بالسكينة وتبعث على التأمل.

الإطار الخاص بك: اختر مكاناً يوفر لك بيئة مستقرة تساعد على التعبير عن المشاعر. ودع مشاعرك تقودك، فهي التي ستخبرك أيضاً بأفضل الأوقات لتنغمس في العلاج بالمراسلة. سواء في الصباح أم في المساء، فالأمر متروك لك.