لماذا ينبغي لنا الخروج من منطقة الراحة الخاصة بنا؟

منطقة الراحة
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

سواء كانت مصدراً للرفاهية بالنسبة لنا أو الإرهاق، غالباً ما نواجه صعوبة في مغادرة منطقة الراحة الخاصة بنا، لأننا نعرفها جيداً، فضلاً عن أننا نشعر بقدرتنا على التحكم فيها. ومع ذلك، لدينا الكثير لنتعلمه خارجها. فيما يلي بعض الشهادات والنصائح.
تمتلك لينا البالغة من العمر 34 عاماً، طموحاً عالياً إلى درجة أنها ترغب في أن تقفز من قارة إلى أخرى. تتحمل الشابة موجات ملل سيئة للغاية، لتتكيف مع منطقة الراحة الخاصة بها. بمجرد حصولها على البكالوريا، شعرت بالحاجة إلى اكتشاف العالم. فغادرت موطنها في جنوب غرب فرنسا، لتتحصّل على درجة البكالوريوس في مدينة بواتييه، ثم سرعان ما تهافتت عليها عقود عمل مختلفة في جبال الألب، وفي جربة (تونس).

في سن  24 عاماً انتقلت إلى جنوب المحيط الهادئ، باتجاه نوميا؛ حيث أنشئت مدرسة للتنفس قبل أن تصبح صحفيةً إذاعيةً. اليوم؛ تقضي وقتها بين “المناظر الطبيعية المكسوة بالثلج”، وتقول مؤكّدةً: “أشعر بالحياة عندما أعرّض نفسي للخطر. لقد تركت الرياضات العنيفة؛ لكنني ما زلت أضع نفسي في مواقف تساعدني على التغيير”. وربما هي طريقة جيّدة لمجابهة الحياة على أكمل وجه.

مواجهة مخاوفنا

من جهته، يعرّف نسيم منطقة الراحة على أنها؛ “المنطقة التي نتواجد فيها عندما نتحرك في بيئة نتحكم فيها. في هذه المنطقة يوجد الأشياء المألوفة بالنسبة لنا، سواء كانت ممتعة أم لا”.

وفي الحقيقة؛ يستدعي الخروج من هذه المنطقة المخاطرة، وحتى لينا الشابة الجريئة توافق على هذه الحقيقة. “كانت هناك مخاوف كثيرة على غرار؛ عدم القدرة على الاستقلال والشعور بالذنب لترك عائلتي والخيبة، التي تكبّدها والدايا بسبب فشلي”.

ولكن على عكس لينا؛ فإننا نميل إلى كبح جماح رغبتنا في الغوص في المجهول. كيف نميل إلى البقاء في وضعيات نعرفها، عندما لا تناسبنا تماماً أو حتى عندما نشعر أنها ضارة؟

بالنسبة للمعالج والمدرب جان بول سوزيد: “في كثير من الأحيان؛ لا يفوق الانزعاج من اتخاذ القرار، الانزعاج من الموقف في حد ذاته”. ومن هنا تأتي حقيقة أننا غالباً ما نعتقد بشكل خاطئ مثل؛ آل باتشينو أنه “في بعض الأحيان؛ يكون من الأفضل أن نبقى مع الشيطان الذي نعرفه أفضل بكثير من البقاء رفقة الملاك الذي لا نعرفه”.

ابحث عن القوة للتجرؤ

منذ أن غيرت حياتها، أصبح أداء راما أفضل. ومع ذلك، قبل ستة أشهر لم تكن في حالة جيدة. لقد تم رفضها في وظيفة بسبب معاناتها من رهاب الخلاء واضطراب ثنائي القطب، كانت تشعر بالوحدة، ودائماً ما تتكلم بانتظام مع صديقة لها على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك. حتى قررت يوماً كسر حاجز الوحدة والانطلاق إلى الحياة ومقابلة صديقتها التي تعرفت إليها عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي.

تشجعت راما منذ تلك اللحظة وأخذت بزمام الأمور؛ حيث عبٌرت قائلةً: “تركت كل شيء بين عشية وضحاها لتكوين صداقات جديدة. في المنزل، شعرت حقاً أنني على وشك الموت. منذ ذلك الحين، تعلمت السيطرة على حياتي والخروج من منطقة الراحة. في الحقيقة؛ قبل ذلك، كانت مجرد فكرة وضع قدمي في متجر تدفعني إلى الجنون. وهكذا؛ بدأت أعيش مرة أخرى، لقد وضعتني على المسار الصحيح مرة أخرى”.

في هذا السياق؛ يقول جون بول سوزيد:

“أحياناً تكمن الأهمية في العثور على القوة للتجرؤ! هذه المجازفة هي مصدر حداثة وتسمح لك بالحصول على تجارب جديدة للتكيف. في كثير من الأحيان؛ من المفيد تعريض نفسك للمخاطرة لفرض وجودك”.

من جانبها تؤكد راما البالغة من العمر 50 عاماً، “إنه أمر مخيف ومثير في نفس الوقت!”.

لدينا جميعاً؛ توقعات وطموحات معينة فيما يتعلق بحياتنا المهنية. ومع ذلك، فإننا لا نمنح أنفسنا دائماً الوسائل اللازمة للتحرك في الاتجاه الصحيح. وهذا أمر سيئ للغاية؛ لأن مفتاح التغيير هو العمل، لكن تنفيذه يتطلب القيام بشيء صعب؛ وهو الخروج من منطقة الراحة الخاصة بك.

أحياناً تجبرنا الحياة على الرد والتكيف. هذا هو الحال بالنسبة لجمال؛ سائق سابق لشاحنة نقل بضائع. لم يعد جمال قادراً على تحمل وظيفته وظروف العمل، ونقص الموظفين المعتاد. يقول: “أنا حالياً في إجازة وبصدد تغيير توجهي المهني إلى قسم الطوارئ. كما أنني في انتظار الرد على طلب التدريب من صاحب العمل. أشعر بالحماس؛ لكن الأمر صعب للغاية بالنسبة لزوجتي.

لم نكن مستعدين لتجربة هذا الوضع؛ ما تسبب في تعقيد علاقتنا كزوجين وولّد القلق والشكوك بيننا”. بالنسبة للمعالج؛ “عند إجراء التغييرات يمكننا أن نجد أنفسنا في” منطقة ذعر”، لأننا لم نكن مستعدين لهذا الموقف”. على الرغم من ذلك؛ من الممكن أحياناً رؤية فرصة ما ينبغي علينا اغتنامها. ووفق ما قاله جمال: “تتيح لي هذه الفترة تنظيم حياتي والعثور على نقاط مرجعية جديدة، ومعرفة أي من أصدقائي يمكنني الاعتماد عليه”.

الخروج من منطقة الراحة الخاصة بك

لم ترغب لينا الرحالة، في أن “تتبع نمط الأسرة” وأرادت أن “تخلق فرصة لتجربة شيء آخر”. كما اعترفت بأنها واجهت صعوبات، لا سيما لوجستية واقتصادية. توضح لينا، “لقد أدخلت نظام التشغيل (système D) على حاسوبي.

أنا محظوظة الآن؛ هذا النظام يناسب شخصيتي، لقد توصلت إلى جمع العديد من الوظائف. من ناحية أخرى؛ هذا ساعدني على خلق الفرص. لست نادمة! ولقد تمكنت أيضاً من تطوير مهاراتي لأتمكن من التكيف!”.

قبل التطرق إلى هذا النوع من التغيير، يعد الإعداد الجيد أمراً ضرورياً. طلبت سلمى، البالغة من  العمر 27 عاماً، الانتقال من مقر سكناها واستقرت على بعد 170 كيلومتراً من مدينتها لتتطور بشكل احترافي. وتقول في هذا السياق؛ “لمواجهة الشكوك، كان يرافقني معالج نفسي. إنها رحلة بالفعل. اليوم؛ لا تزال الوحدة صعبة، حتى لو بدأتُ في بناء علاقات، لكنني لست نادمةً على خوض كل هذا!”.

هذا العمل على الذات أمر حتميّ. تشرح ميريام أوجيير، المدرّبة: “يجب عليك أولاً تحديد نقاط قوتك  وضبط حدودك. وبالتالي؛ التعرف على نفسك بشكل أفضل للنظر في التغيير والتحرك من خلال المخاطرة، بما يتناسب مع قدراتك”.

بالنسبة إلى جان بول سوزيد، فإن أهم شيء هو اكتساب الثقة بالنفس؛ حيث يوضح: “هذه هي الطريقة التي يمكننا بها مواجهة مخاوفنا في الواقع، وندرك أنها مجرد خيالات يجب تجاوزها للمضي قدماً”. بالإضافة إلى ذلك؛ كلما خرجنا من منطقة الراحة الخاصة بنا، زادت ثقتنا بأنفسنا؛ إنها دائرة قوية.

من جانبها، تؤكد لينا: “في بيئة غير مألوفة، يجب أن أشير إلى ما أعرفه، إلى المواقف التي مررت بها بالفعل أو إلى الابتكار؛ وهذا ما يجبرني على استخدام ثقتي في قدراتي! بقطع النظر عن التمكن من التكيف ودون أن يكون أمراً قضائياً منهجياً؛ فإن الجرأة على المخاطرة (المحسوبة) تسمح لنا بالتعلم والنمو. “فعندما تسافر، يصبح العالم أصغر؛ لذا فهو أقل رعباً. إنها طريقة جيدة لمغادرة منطقة الراحة الخاصة بك.

قل نعم للمجهول، واجه الاختلاف، واجه التحدي، وخاطر من خلال اختيارك. واجه الكثير من التحديات، لتتفوق على نفسك في رحلة تتطلب بذل المزيد الجهد لتجد  نفسك. في البداية؛ نحن جميعاً مغامرون. فالطفل الذي يسعى في نشوة الحياة  وألغازها  واكتشافاتها، لا توقفه المخاطرة  والمغامرة وتجاوز الحدود.