هل تؤثر الحواجز اللغوية في الخدمات الصحية؟

الحواجز اللغوية
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

هل واجهتك صعوبة معينة بسبب صعوبة فهم اللغة التي يتحدث بها طبيبك المعالج؟ كيف تغلبت على الأمر؟

عندما نتحدث عن وجود حواجز لغوية تحول دون تقديم الخدمات الصحية المناسبة، فقد يتبادر إلى أذهان البعض منّا مشاكل تتمحور حول اللاجئين أو المغتربين؛ إلّا أن المعاناة الحقيقية هي تلك التي يواجهها البعض في بلادنا عند بحثهم عن الخدمات الصحية، وخصوصاً النفسية منها!

سنتعرف معاً إلى عدد من الأفكار التي من شأنها تعريفنا على اللغة المُثلى لتقديم الخدمات الصحية.

كيف تصبح اللغة حاجزاً؟ وما تأثير ذلك؟

في مراجعة علمية منشورة عام 2020 في “المجلة الطبية العمانية” (Oman Medical Journal)؛ والتي حللت نتائج 14 دراسة معظمها من الولايات المتحدة الأمريكية بإجمالي مشاركين بلغ نحو ثلاثمائة ألف وتسعمائة شخص.

في هذه المراجعة التي نُشِرت بعنوان “تداعيات حواجز اللغة على الرعاية الصحية: مراجعة منهجية” (Implications of Language Barriers for Healthcare: A Systematic Review)، وجد الباحثون أن الحواجز اللغوية تحمل في طياتها الكثير من التأثير على تكلفة وجودة الرعاية الصحية.

بالإضافة إلى ذلك؛ يتكرر وجود وتأثير الحواجز اللغوية -حتى أنه أصبح أمراً شائعاً حسب تعبير العلماء- بين مقدمي الرعاية الصحية والمرضى عندما لا يشتركان في إجادة اللغة الأم أو أي لغة موحدة.

وفي أحد الأمثلة الحديثة من دولة الإمارات العربية المتحدة، فبحسب تقرير صحفي في صحيفة الرؤية الإماراتية نُشِرَ في شهر أغسطس/آب 2021؛ اشتكى عدد من المرضى لعدم قدرتهم على التواصل مع مقدمي الرعاية لهم نتيجة اختلاف اللغة.

وفي نفس السياق؛ تجاوبت وزارة الصحة ووقاية المجتمع؛ حيث أكدت أن الميثاق الصحي المراعي لحقوق المريض وواجباته يُلزم المنشآت الصحية بتوفير خدمات فورية لجميع المرضى بما يحفظ حقهم الأصيل في العلاج.

ومن الدراسة السابقة مثال آخر من النرويج؛ حيث أبلغ مقدمو الرعاية الطبية عن أنهم واجهوا صعوبة في فهم ما بين 36 – 43% من المرضى الذين لا يتحدثون اللغة المحلية؛ ما استلزم بطبيعة الحال وجود مترجمين.

وفي الواقع؛ أشارت إحدى الدراسات التي استندت عليها المراجعة العلمية السابقة أن 37% من الأطباء قد شعروا أن مرضاهم أخفوا بعض المعلومات نتيجة الحواجز اللغوية. إجمالاً، فهذه الأحداث لا تختص ببلاد أو منشأة صحية معينة؛ إنما هي واسعة الانتشار.

ومن الآثار التي تمّت ملاحظتها في الدراسات التي تمحورت حول الحواجز اللغوية في الخدمات الصحية، هي حقيقة أن المرضى الذين عانوا من حواجز لغوية كانوا أكثر عرضة لمزيد من الأحداث السلبية خلال تجاربهم مع الخدمات الصحية.

وفي نفس السياق، فأولئك المرضى الذين عانوا من حواجز لغوية كانوا أكثر احتمالية لاستهلاك المزيد من الخدمات الصحية!

كيف نتعامل مع حواجز اللغة؟

لعل الحديث عن الحواجز اللغوية في الخدمات الصحية يجعلنا نفكر في الأساليب والحلول العملية والبدائل الحالية المتاحة في بعض المنشآت الصحية.

بحسب دراسة علمية منشورة عام 2021 في ”المجلة الطبية البريطانية“ (British Medical Journal) بعنوان “تفكيك الحواجز اللغوية في الرعاية الصحية: أين نخطئ؟” (Deconstructing language barriers in healthcare: where are we going wrong)؛ وصف العلماء عدداً من الأساليب الحالية المتاحة في بعض المنشآت الصحية.

فعلى سبيل المثال؛ قد يتجه عدد من مقدمي الرعاية الصحية لاستخدام بعض الأساليب لسد حاجز اللغة عند عدم وجود شيء يمكن فعله؛ كاستخدام اللغة المكسورة وإشارات اليد والإيماءات والمعلومات المكتوبة أو الصور.

بالإضافة لذلك، فقد يتجه البعض إلى تطبيقات مترجم الهاتف الذكي أيّاً كانت، أو خدمات الترجمة بمقابل عبر الهاتف؛ مثل شركة “بيغ وورد” (Big Word).

وفي بعض الأحيان؛ قد يتجه مقدم الرعاية الصحية لاستخدام خدمات الترجمة الشخصية، أو الاستعانة ببعض الممارسين الصحيين الآخرين الذين يمكنهم مد يد العون.

وكحلٍّ أخير، فقد يتجه مقدم الرعاية الصحية لاستخدام أقرب الأقارب؛ مثل الابن أو الابنة أو الشريك، ليحل مشكلة اللغة. بالمقابل، فذلك يخلق مشاكل أخرى أكبر تتعلق بالخصوصية وقدرة الشخص الذي يترجم على شرح المفاهيم الطبية، أو حتى رغبته بنقل تلك الأخبار لمن يحب!

وفي الحقيقة، فلكل طريقة مما سبق مزايا وقيود خاصة تجعل استخدامها ذو حدين – سلبي وإيجابي.

هل خدمات أو أساليب الترجمة كافية؟

بشكل عام؛ لا نستغرب أن تفتقد الترجمات المباشرة لبعض من المعنى الكامل الذي تحمله تلك الكلمات المنقولة من لغة إلى أخرى، فبناءً على ما سبق؛ بعض المرضى قد فضلوا إخفاء بعض المعلومات أو عدم ذكرها مثلاً!

في الصحة النفسية والعقلية

تزيد الحاجة الملحّة إلى وجود أساليب وحلول عملية وبدائل فعّالة في المنشآت الصحية المتخصصة في الصحة النفسية والعقلية.

نُشِرت دراسة عام 2013 من جامعة لافال الكندية بعنوان “الحواجز اللغوية في رعاية الصحة العقلية: مسح لممارسي الرعاية الأولية” (Language Barriers in Mental Health Care: A Survey of Primary Care Practitioners)، تحدّث فيها العلماء بإسهاب عن مفهومين هامّين: الدلالة والضمنية.

يشير المعنى المحدد للكلمة إلى الدلالة أو الترجمة، وتتطلب الدلالة أن يكون لدى المترجم إتقان ممتاز للّغتين؛ ما يسهّل جمع المعلومات الموضوعية.

وبشكل عام؛ أضاف الباحثون أنه من الممكن تقييم الأحداث الفيزيولوجية، في مقابل التجارب الشخصية، عن طريق الترجمة الدلالية بطبيعة الحال، مع الحذر من أن الترجمة من كلمة إلى كلمة واحدة ليست ممكنة دائماً؛ ما يتسبب في بعض التناقضات والاختلافات.

في نفس السياق؛ يشير العلماء إلى ضرورة الاهتمام بالضمنية التي تعبّر عن المعنى العاطفي المرتبط بكلمة ما. ومن المهم الانتباه للمعني الضمني كي لا يضيع منّا المعنى الأصلي للكلمة، وكل ذلك طبعاً مع الحفاظ على معناها الدلالي.

وبالتالي، فبالإضافة إلى المعنى الدلالي؛ يجب أن يأخذ التفسير الدقيق في الاعتبار أيضاً المعنى الضمني لما يتم التعبير عنه.

وعلى هذا النحو، فإن “المترجم الثقافي” (Cultural Interpreter) الذي ينشط في المنشآت الصحية المتخصصة في الصحة النفسية والعقلية، هو مشارك أساسي في المقابلة، ولا يقوم فقط بترجمة المعنى الضمني؛ ولكنه يساعد أيضاً في فهم المشاركين للمعتقدات والممارسات الثقافية لبعضهم البعض.

ما اللغة المثلى لتقديم الخدمات الصحية؟

بالنظر للعديد من التجارب العالمية؛ تستحوذ ”الكفاءة الثقافية واللغوية“ (Cultural and Linguistic Competence) على اهتمام المشرّعين والمناصرين لقضايا الحواجز اللغوية في الخدمات الصحية، وذلك نتيجة الاتجاهات الديموغرافية المتغيرة في جميع أنحاء العالم.

وبالمختصر؛ تعني الكفاءة الثقافية واللغوية قدرة مقدمي الرعاية الصحية ومؤسسات الرعاية الصحية، على الفهم والاستجابة بفعالية للاحتياجات الثقافية واللغوية التي يتطلبها المريض خلال حصوله على الرعاية الصحية المناسبة.

جدير بالذكر أن حاجة خطط الرعاية الصحية إلى التغيير من أجل تلبية احتياجات المرضى متعددي اللغات والأعراق تزيد يوماً بعد يوم.

في الختام؛ يجب على البرامج الوطنية والخاصة التي تقدم خدمات الرعاية الصحية، خصوصاً في  مجال الصحة النفسية والعقلية، الانتباه لتحديات الحواجز اللغوية، ومن المهم جداً أيضاً تبنّي الممارسات العالمية التي تزيد من الكفاءة الثقافية واللغوية لمقدمي الخدمات الصحية.