3 أسباب وجيهة تدفعك لتدخل في جدال مع الآخرين

الجدال مع الآخرين
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

يُعتقد أن تجنب المواجهة يحافظ على التناغم؛ لكن كي تبني علاقات قائمةً على الثقة مع الآخرين يجب أن تعرف كيف تناقَش الخلافات بينكم. سنتناول ثلاثة أسباب وجيهة تدفعك إلى الجدال مع الآخرين والدخول إلى حلبة المواجهة.

جادل حتى لا تفوت عليك أمراً في حياتك

ما الحياة إلا صراع مرير، وقد أبدع البعض في تلخيصها بعبارة “تتمحور مختلف مراحل الحياة حول اتخاذ الخيارات. تبدأ بالاختيار بين “الرضاعة الطبيعية أم الرضاعة من الزجاجة؟” وتنتهي بالاختيار بين تابوت من خشب “البلوط أم التنوب؟” مقتبسة من (بيير ديبروج، تاريخ الكراهية المعتادة، مستندات بوينتس). تتمثل حالتنا تلك بعاصفة أفكار نحملها ضمن جمجمتنا. يعد مفهوم الصراع العقلي حجر الزاوية في التحليل النفسي أكثر من اللاوعي، فعندما سعى “فرويد” إلى فهم أساس أعراض مرضاه اكتشف أنها كانت نتيجة أفكار متضاربة من قوى غريزية معارضة. وحتى يجد المرضى الذين تجرَى عليهم الدراسة حلاً وسطاً بينها قمعوا تلك الأفكار المعارضة على أنها تعد من الممنوع، فصارت تظهر هذه الرغبة المكبوتة على هيئة أعراض غامضة ومرضية (من “نوبات الصداع النصفي والسعال التي تصيب دورا الصغيرة” (The migraines and coughing fits of the young Dora)، من كتاب”5 حالات من التحليل النفسي” (Five Psychoanalyses)، إصدار “بايوت”). تتنازع في مشهد يدور داخلنا مختلف المطالب المتضادة: زخم أمانينا، وقمع تعليمنا وقيود الواقع، جميعها تلزمنا بالوصول إلى الحالة التي نقول فيها: “أود أن أفعل ذلك الأمر لكنني سأكتفي بالإشارة إلى رغبتي بفعله فقط”، فيتحقق التوازن بين: الرضا والسرور من ناحية والزهد وكراهية الذات من ناحية أخرى. إن تعمّد تجاهل كل ما يتعلق بهذه الصراعات يفضي إلى تعريض صحتنا لعدة مخاطر منها قلة النوم أو الشهية والإدمان واجترار الأفكار والاكتئاب. حتى نطور أنفسنا لا مفر من اعتلاء حلبة الصراع في إحدى مراحل حياتنا والفصل بين المتنازعين ودعوتهم إلى طاولة الحوار، فالخوض في صراع مع أنفسنا هو اختبار لنضجنا، وهو الرهان الذي نواجهه في أزمة منتصف العمر. يمكن أن نستعين بالعلاج النفسي؛ يعود الأمر لنا ولحريتنا في الاختيار وسعادتنا. هل تود أن تكافح لتعثر على رغبتك وتحققها رغم خوفك وما ستتعرض له من استنكار؟ لا مانع من أن تراعي الآخرين والواقع لكن دون أن تتخلى عن نفسك بعد الآن.

جادل حتى لا تفوت عليك أمراً في الحياة العاطفية

تابع “بيير” بقوله “نكون في الحب دائماً أحد الطرفين: إما الطرف الذي يشعر بالملل أو الطرف المستاء”، وقد كان يعد الفكاهة: “الطريقة الوحيدة التي يتبعها الإنسان لتمويه الحقيقة الواضحة دون ذكرها”، ونضيف على هذا الصراع الذي سلف ذكره. لأن الأزواج لديهم طريقتان فاشلتان للتعامل مع الصعوبات التي تواجههما: سياسة النعام (يتصرفان كأن شيئاً لم يكن)، أو نهاية العالم (يتصرفان كأن كل شيء قد دُمِّر). يقول العالم النفسي “إيفون دالير” أنه إذا كنت تجد الكثير من الأزواج الذين يعانون من الأزمات فاعلم أن ذلك لأنهم لم يتعلموا الجدال، وفي نهاية المطاف ستؤثر هذه المهارة التي يفتقر الزوجان إليها سلباً على ارتباطهما العاطفي ببعضهما. وبين التناغم المزيف بينهما وانفصالهما يكون الصراع حول مناقشتهما الخلافات الدائرة بينهما وتنازعهما حولها إلى أن يصلا إلى تسوية. لكن احتداد الجدال بينهما ورفع صوتهما على بعضهما ليس لمجرد التناحر والصراخ؛ وإنما الهدف من مواجهة بعضهما بسلام وهدوء هو الوصول إلى ما يسميه “إيفون دالير” الاتفاق المربح للطرفين؛ وهو تسوية تحقق مصلحة الطرفين. يعد الصراع علامة على الالتزام بين الزوجين أو بين أفراد الأسرة أو بين الأصدقاء، فنحن نكافح لحل المشاكل وتجاوزها لتحقيق ما نتطلع إليه لأنفسنا وللطرف الآخر والعلاقة معه. لا تخشَ آثار هذه المواجهة إذ يقول المعالج النفسي: “ليست الكراهية هي نقيض الحب؛ وإنما نقيضه هو اللامبالاة”، فأحبوا بعضكم وكافحوا من أجل حبكم. الصراع هو شرط ليتمكن الجميع من تحقيق وجودهم في العلاقة بعواطفهم وقناعاتهم، ويبشر وجوده بإضفاء مصداقية وتلاحم أكبر على العلاقة، ويمنح جميع أطرافها شعوراً بقوة أكبر من جهة ويوطد الروابط بينهم من جهة أخرى.

“إيفون دالير”: مؤلف “كيف تدار الخلافات والنزاعات بين الزوجين؟” (Conflits et disputes dans le couple, comment les gérer ?) (كوبيك ليفر-Québec-Livres)

جادل حتى تتعايش بصورة أفضل مع الآخرين

من إحدى العبارات القصيرة الأخرى لـ “بيير”: “أكنّ احتراماً عميقاً للازدراء الذي أشعر به اتجاه للإنسان” (كتاب “سمك الشك” (The Salmon of Doubt)، “بوينتس”) (اسم الكتاب نسبة إلى المخلوق الأسطوري الحكيم الذي تحول إلى سمكة سلمون وفق الأساطير الأيرلندية) هذا مضحك، كل هذا العمل الخيري وكل هذا التعاطف هو تمثيل جميل لما أسماه “كَنت”: “اختلاطنا الاجتماعي الانطوائي”(1). بالنسبة إلى الفيلسوف الألماني فإن ما يميزنا نحن البشر هو نزعتنا إلى “الخوض في الحياة الاجتماعية” على التوازي مع “نفورنا العام من ذلك”، وأكد أنه لا يمكننا تجنب مواجهة الآخرين ولا تجنب تعلم التعايش السلمي معهم. كان التوتر الناتج عن هذا الصراع بالنسبة له هو شرط لتقدم الإنسان؛ إذ يضيف على ذلك بقوله: بينما تنمو الشجرة الوحيدة مائلةً ترتفع أشجار الغابات باستقامة نحو السماء؛ لاحظ أن هذا التناغم الجميل لا يمكن إلا أن ينتج عن صراع الفروع والجذور التي يكافح كل منها ليجد مكانه ويتركه لغيره. لا تزال فكرة أن الصراع شرط لتحقيق السلام الاجتماعي حاضرة حتى يومنا هذا؛ إذ تدعو “أنييس مير بول”(2) المدربة والأستاذة الجامعية في الإدارة، أفراد الشركات التي تتراجع فيها النقابات العمالية حيث تكبت ثقافة دماثة الخلق الصراعات، أن يجرؤوا على “الوقاحة البنّاءة“: وهي أن تجرؤ على مخالفة مديرك أو إبراز عدم جدوى عقد اجتماع ما أو تطلب منه الكفّ عن سلوك بغيض. يستخدم “شارل روجزمان” مخترع العلاج الاجتماعي الصراع علاجاً للعنف؛ إذ يعقد مجموعات مناقشة في الأحياء مدقعة الفقر والمؤسسات التي تمر بأزمات والمناطق التي تستشري فيها التفرقة والكراهية، بين الأفراد الذين يقابَلون بالمعارضة على كل شيء، ويتيح لهم بعد تبادل تجاربهم المريرة اكتشاف أو إعادة اكتشاف تآخيهم واكتساب أو إعادة اكتساب القدرة على التعاون مع بعضهم. أحبوا بعضكم وكافحوا في سبيل القضايا التي تعني أخاكم الإنسان وإخوانكم وأخواتكم، في سبيل كوكب الأرض والحيوانات، والاحترام والعدالة، في سبيل إحلال السلام؛ وبهذا تحققون الانتصار المنشود.

  1. “إيفون دالير”: من مقالة “فكرةعن تاريخ عالمي لتحقيق غاية عالمية “غاليمارد، مجموعة فوليو” (Gallimard, Folio).
  2. “أنييس مير بول” مؤلفة “أطروحة صغيرة عن الوقاحة البنّاءة” (Little Treatise on Constructive Impertinence-PUG).

هل تصنَّف شخصيتك من نوع الشخصيات كثيرة المجادلة؟

يتسبب بعض الأفراد في إشعال جدالات لا يمكن إطفاؤها. طوّر الأميركي “بيل إيدي” المحامي والمعالج والخبير في الوساطة الأسرية في عام 2003 مفهوم “الشخصيات كثيرة المجادلة” (high conflict personalities) ويُشار إليه بالاختصار (HCP)، ويصف أصحاب هذه الشخصيات بالسمات التالية:

  • تفكيرهم المنطقي قائم على “كل شيء أو لا شيء”.
  • لا يتحكمون في عواطفهم.
  • تصرفاتهم متطرفة وخطرة.
  • يلومون الآخرين على مشاكلهم، ويسعون إلى البحث عما يغيظهم ويجدونه، ويجب أن يسيطروا عليه أو يستبعدوه أو يدمروه.
  • أي نقد يوجَّه إليهم يزيد ممانعتهم للتغيير ويفضي إلى تصرفهم بسلوك أكثر تطرفاً.

يعتقد رئيس فريق “مؤسسة الجدل المفرط” (High Conflict Institute) أنك ستجد أن هذه الشخصيات المتفجرة طرفاً في معظم حالات العنف المنزلي أو النزاعات في الأحياء. في أوروبا لا يعترف الطب النفسي بهذه الفئة من الشخصيات (بل نفضل التحدث عن الاعتلال الاجتماعي أو الاضطراب العقلي)؛ لكن لا مهرب من الاستفادة من مزايا الصراع هذه بالتأكيد. “كريستيا بيليه دويل”