كيف تتعامل مع اكتئاب طفلك؟

اكتئاب الأطفال
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

صحيح ما قرأت، لا يوجد خطأ في عنوان المقالة، فالاكتئاب لا يصيب البالغين فقط؛ إذ تتجلى حالة اكتئاب الأطفال بأعراض خادعة وأحياناً مضللة. أما عن أسباب إصابة الأطفال به فيعد الانتقال إلى سكن أو مدينة جديدة أو انفصال الوالدين أو موت أحد الأحباء أو غيرها أحداثاً تهز كيان الطفل وتزعزع استقراره في معظم الأحيان. ما دلالات اكتئاب الطفل؟ كيف تخفف ألم طفلك؟ سنقدم إليك في هذا المقال بعض النصائح.

لا تنسى لمى عندما أيقظتها ابنتها إيناس البالغة من العمر ثمانية أعوام في منتصف الليل لأنها بللت سريرها، فتروي ما حدث بقولها: “لم يحدث ذلك منذ عدة سنوات، فقد تعلمت دخول المرحاض في سن صغيرة جداً. أول مرة حدث هذا ظننت أنها رأت كابوساً لكن عندما تكرر الأمر بدأت أفكر باحتمال وجود خطب ما”.

فبالإضافة إلى هذا الانتكاس بدأت درجات إيناس في المدرسة تتراجع وصارت تعاني من تقلبات مزاجية ملحوظة وتتصرف بعدوانية مع أختها بالذات. إذا جمعنا تلك الأعراض قد تُشخَّص الفتاة الصغيرة بإصابتها بالاكتئاب.

أعراض الاكتئاب عند الأطفال

كان يُعتقد منذ فترة طويلة أن هذا المرض لا يصيب إلا البالغين لكن تبين أن حالة الإنسان قد تسوء مهما كان عمره. فكما اتفقنا جميعاً على حقيقة أن المراهقة فترة مواتية للإصابة بالعلل النفسية، علينا أن ندرك أن الاكتئاب يمكن أن يؤثر أيضاً في الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 6 و12 عاماً. تتجلى أعراض الاكتئاب عند اليافعين بأشكال متنوعة جداً وأحياناً غير متوقعة، وهذه الأعراض تختلف حتماً عن أعراض الاكتئاب عند البالغين. توضح طبيبة الأطفال النفسية “غابرييلا غوزمان” التي تترأس المؤسسة التعاونية البحثية “ميزون دي سولين” (Maison de Solenn) في باريس، أن “اكتئاب الأطفال يقلق الوالدين لصدور تصرفات غير منطقية واضحة عن الطفل. هو نوع من الكآبة المتخفية متقطعة النوبات، وتحديد ماهيتها عند الطفل أصعب من تحديدها عند الكبار”.

فتحل حِدة الطبع عند الطفل محل المزاج المكتئب عند البالغ، وبدلاً من فقدان الوزن الذي يصيب البالغ تتوقف الزيادة المنتظمة في الوزن عند الطفل المفترض حدوثها في ذلك العمر، وتكون الآلام الجسدية والانسحاب السري في معظم الأحيان من التجمعات الاجتماعية أمراً شائعاً، وتقل رغبة الطفل باللعب ويتراجع أداؤه المدرسي. يوضح المحلل النفسي موسى النبطي الذي ألّف كتاب “لذة أن يكون المرء على سجيته” (Le Bonheur d’être soi): “يواجه الأطفال أحياناً صعوبةً في التعبير عن الضيق الذي يشعرون به، لذا يعبر جسدهم عنه نيابةً عنهم؛ بعضهم سيقل لعبهم وأكلهم ويصبحون شاحبين منهكين. وعلى العكس؛ سيكون البعض الآخر مفرطي النشاط وشديدي الحماس وحتى عدوانيين.

الضيق الدائم

يبلغ براء من العمر 14 عاماً، ويعاني من عسر القراءة والحبسة (فقدان القدرة على الكلام). بدأ خلال الأسابيع القليلة الماضية ينسحب وينعزل عن والديه وأخيه وزملائه في المدرسة. وتتذكر والدته: “قبل ذلك كان يخبرنا دائماً كيف كان يومه، أما في الآونة الأخيرة صار بالكاد يلقي علينا التحية ثم ينعزل في غرفته لأوقات طويلة ولا نراه إلا عند تناول العشاء. أضحى متعباً طوال الوقت وفقد اهتمامه بكل شيء. في الأسبوع الماضي عندما أراد شقيقه اللعب معه على منصة الألعاب حطم قرص الألعاب إلى قطع حرفياً. صار الآن بالكاد يخرج من المنزل على الرغم من أنني أقترح عليه دورياً أن يذهب إلى السينما مع أصدقائه”.

تعد قلة النوم أو الشهية والقلق والتقلبات المفاجئة في المزاج وحتى الأمراض الجلدية أو آلام المعدة مؤشرات على العاصفة العاطفية التي تهز كيان الطفل، يمكننا اعتبارها كذلك على الأقل إذا استمرت على المدى الطويل. أفاد الطبيب النفسي “فلوريان فيريري” في كتابه “مئة سؤال لفهم الاكتئاب وعلاجه” (Depression, 100 questions to understand and heal) أن: “تقلب المزاج من بين أكثر الأعراض الشائعة. لكن لا يوجد ما يدعو للقلق عندما يتماشى تقلب المزاج مع الطاقة المحفوظة أو عند حدوث ظروف معينة، أو عندما لا يؤثر في التحصيل الدراسي للطفل ولا يترافق مع تغير اهتمامه بهواياته وعلاقاته مع أصدقائه. لكن من جهة أخرى؛ إذا استمر هذا الضيق والضجر والكرب والحزن لديه وتعارض مع حياته المدرسية ونشاطاته، فيجب إعادة تقييم أعراضه وقد نعدها نُذراً لاضطراب اكتئابي أو دليلاً واضحاً على الإصابة باكتئاب حقيقي”.

اقرأ أيضا:

إجراء حوار مع الطفل

يجعل اكتئاب الطفل والديه يشعران بالعجز في معظم الحالات وأحياناً بالذنب، خاصةً إذا سبق ومرّا بنوبات اكتئاب وجرّبا معاناته. إذاً من المهم أن يخصص المحيطون بالطفل وقتاً ليتناقشوا معه ويصغوا إليه ويتحدثوا معه.

يقول موسى النبطي: “يجب أن يكون الوالدان حاضرين نفسياً وجسدياً إلى جانب الطفل. لذا يجب عليك مراقبته وإجراء حوار معه حتى يشرح لك ما يشعر به، ولا نغفل أهمية ممارسة نشاطات وقضاء وقت معه لطمأنته”.

يتيح هذا الوفاق العثور على سبب الاكتئاب في معظم الأحيان؛ الذي قد يكون: وفاة شخص أو حيوان أليف عزيز على قلب الطفل، أو الانتقال إلى منزل أو مدينة أو مدرسة جديدة، أو طلاق الوالدين، أو أي حدث يفسد، بطريقة أو بأخرى، الحياة المستقرة للطفل ويزعزع استقراره وتوازنه.

تأثر الطفل بضيق من حوله

توضح فريال: “ظلت ابنتي التي على وشك أن تبلغ 12 عاماً مكتئبةً لبضعة أشهر العام الماضي، وذلك بعد اتخاذها خطوة جعلتها تعيش تجربةً مريرةً وأشعلت جدالات كثيرة بيني أنا زوجي. كانت تعاني من مشاكل في النوم واضطرابات في الأكل وصعوبات في المرحلة الإعدادية، وأخبرنا الطبيب النفسي أن تلك الخطوة كانت هي ما أثارت الاكتئاب في نفسها. كان التعايش مع اكتئابها صعباً جداً علينا أنا ووالدها لكننا حاولنا أن نكون بجانبها دائماً، وكنت كثيراً ما أدعوها للخروج وممارسة أنشطة ممتعة معي، ومنذ ذلك الحين صرنا نطهو الطعام معاً في عطلات نهاية الأسبوع”.

وبالتالي لا يمكن التحدث عن اكتئاب الطفل دون مراعاة بيئته المحيطة التي لا يزال يعتمد عليها عاطفياً؛ إذ يرتبط اكتئابه غالباً بضيق من حوله ولا سيما بالخلافات بين والديه. ويؤكد موسى ذك بقوله: “الطفل كالإسفنجة شديد القلق على أحبائه ويمتص ضيقهم، ويفسر مشاكل والديه الزوجية أو المهنية بأنها تهديد له بتخليهما عنه، وعائقاً يحول دون تدليلها له. لذا يجب ألا يتجادل البالغون أمام الطفل حتى تسود السكينة جو الأسرة من جديد.

ما الرعاية العلاجية الملائمة؟

إذا استمر الاكتئاب، فقد يفيد العلاج النفسي الطفل من خلال دراسة البيئة التي يعيش فيها وتقييم علاقاته مع أسرته وفي مدرسته. تقول “غابرييلا غوزمان”: “تكفي زيارة الطفل للطبيب النفسي مدة ساعة كل أسبوع إذا كانت حالة الاكتئاب خفيفةً. أما إذا كانت شديدةً كأن ترافقها أفكار انتحارية مثلاً فقد نضطر إلى علاج الطفل بالأدوية، وقد تسبب مضادات الاكتئاب للطفل آثاراً جانبيةً مثل الصداع وآلام البطن؛ لكنها لا تسبب الإدمان ومفعولها ليس فورياً، فقد ننتظر بين الأسبوعين وثلاثة أسابيع لنعرف هل كان العلاج فعالاً أم لا، ثم تُقيَّم حالة الطفل وأسرته مرةً في الشهر. في حالة الاكتئاب الحاد يوصى بالإقامة بمستشفى نهاري، خاصةً إذا لم يكن الطفل يرتاد المدرسة.

ماذا عن مجموعات المناقشة؟ مناسبة جداً للأطفال المصابين بالاكتئاب، وخاصة الذين يعانون من مشاكل في التنشئة الاجتماعية. ففي هذه الحالة سيساعدهم تحدثهم مع أقرانهم أكثر من التحدث على انفراد مع شخص بالغ. وآخر وسيلة علاجية هي الانضمام إلى ورشات العمل مثل الورشات الموسيقية أو المسرحية التي تؤدي دور الوسيط لتحفيز إبداع الأطفال ومنحهم زخماً حيوياً.

اقرأ أيضا: