5 فوائد نفسية للتضامن مع ضحايا الحروب

التضامن
(مصدر الصورة: نفسيتي، تصميم: إيناس غانم)
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

ملخص: أوجد العديد من الأشخاص من حول العالم طرائق مبدعة وفريدة للتعبير عن تعاطفهم مع الفلسطينيين، فقد اجتاحت منصات التواصل الاجتماعي مقاطع الفيديو التي يعبّر من خلالها الناس عن تضامنهم المطلق بصور مختلفة. تعرّف في هذا المقال إلى التأثير الإيجابي الخفيّ لممارسة التعاطف والتعبير عن التضامن.

يصادف 29 من نوفمبر/تشرين الثاني من كل عام اليوم الدولي للتضامن مع الشعب الفلسطيني؛ الذي شهد هذه السنة بالتحديد تفاعلاً عالمياً غير مسبوقٍ من جرّاء موجات التضامن المطلق والتعاطف الشديد مع ما يعانيه أهالي غزة. لقد أبانت مئات المظاهرات الداعمة أن القضية الفلسطينية ما زالت حيّة في الضمير العربي، وحاضرة في المحافل والفعاليات الدولية. غير أن التعبير عن التضامن النابع من صمِيم التعاطف مع حقوق المستضعفين لم يقتصر على المظاهرات التي اجتاحت الشوارع في تونس، ومصر، وتركيا، والعراق، وعددٍ كبير من بلدان العالم؛ بل أخذ أشكالاً مختلفة ومتنوعة منذ بدء الحرب في غزة في أكتوبر/تشرين الأول الماضي.

فمن خلال التعبير عن التضامن، يحاول العديد من الأشخاص من حول العالم التغلّب على شعور العجز الذي يعتريهم بعد مشاهدة الصور المأساوية ومقاطع الفيديو المؤلمة التي توثّق أهوال الحرب في غزة. وفي هذا الشأن، يوضّح الأكاديمي والكاتب المغربي، أحمد عصيد، إن التضامن الإنساني يشمل البشر كلهم بغضّ النظر عن العقيدة واللون والعرق؛ وهو ما يجعلنا نتعاطف ونتضامن مع كلّ إنسان مظلوم أو مقموع.

إن التعبير بشتّى الطرق؛ الرسم، الجداريات، المظاهرات، وحتى الرقص؛ هذه الطرائق المبتكرة والأصلية في التعبير عن التضامن مع الفلسطينيين هي من جهة تنتصر للمظلومين معنوياً على الأقلّ، ومن جهة أخرى تخفّف إحساس قلّة الحيلة والتوتّر النفسي الناتج من مشاهدة التجارب المؤلمة.

مئات الأشخاص من حول العالم يعبّرون عن تضامنهم

منذ بداية الحرب في غزة، باتت منصات السوشيال ميديا، وبخاصة إنستغرام (Instagram)، وتيك توك (TikTok)، تعجّ بأحداث الحرب والمشاهد الدموية المؤلمة؛ لكنّها ما فتئت تمتلئ أيضاً بمنشورات لأفرادٍ من أنحاء العالم يعبرون عن تفاعلهم الإنساني التلقائي مع تلك الأحداث. وخارج العالم الافتراضي، عبّر مئات الأشخاص من حول العالم عن تضامنهم أيضاً بصور متنوعة.

جداريات للتعبير عن التضامن وجمع التبرعات 

من إندونيسيا، عبّر الفنان إيوان سفيان عن دعمه للفلسطينيين بوساطة جدارياته التي يرى أنها طريقته الوحيدة للتعامل مع إحساسه بالعجز أمام ما يحصل، وجمع التبرعات عبر أعماله الفنية تلك.

الطفلة ريم “روح الروح” لجدّها

تأثّر أشخاصٌ كثر بمقطع فيديو الجدّ خالد نبهان وهو يودّع حفيدته ريم ذات الـ 3 سنوات التي راحت ضحية للقصف في غزة. حيث ظهر في المقطع وهو يحاول فتح عينيها لتقبيلهما ويعانقها واصفاً إياها بـ “روح الروح”؛ وهي العبارة التي علقت بأذهان الكثيرين وتجاوزت حدود اللغة والجغرافيا، فتفاعل عشرات الأشخاص بالبكاء الشديد وعبّروا عن آلامهم وعجزهم التام عن نسيان ذلك المشهد.

وكتب أحد مستخدمي منصة ميديوم (Medium): “لقد لامس قلبي بعمق، وكانت تلك لحظة سأتذكرها دائماً”. بينما عبّر آخرون عن دروسٍ في الحبّ والتربية والصبر تعلّموها من ذلك الموقف، وقرّر شخص جمع التبرّعات باسم الطفلة ريم.

رقصة “أصحاب الأرض”

بعد تسجيله هدفاً، عبّر لاعب كرة القدم الجزائري، يوسف البلايلي عن تضامنه مؤدياً رقصة خاصةً يبدو أنها اجتاحت منصات التواصل الاجتماعي مؤخراً؛ حيث عبّر من خلال ما أطلق عليه “رقصة أصحاب الأرض” أو “رقصة الحرية” عن أسلوب تضامني آخر مع القضية الفلسطينية. وتعود الرقصة إلى مشهد شاب فلسطيني قبل 5 سنوات رأى الكثيرون أنها تشبه رقصة الحرية لسكان أميركا الأصليين. أدى رقصة الأرض كذلك العديد من المتظاهرين في المسيرات الداعمة لفلسطين.

“الراب” دعماً لغزة

اغتنم مغني الراب المصري، ويجز، حفله بكندا ليطلب من جمهوره الهتف بحرية فلسطين؛ كما ظهر في منابر إعلامية عديدة ليعبّر بقوة عن رأيه ويغيّر بعضاً من معالم سردياتٍ إعلامية مغلوطة عن الواقع الفلسطيني.

وهو بذلك ينضم إلى مجموعة من الفنانين العرب والأجانب الذين استخدموا حساباتهم على منصات السوشيال ميديا للتعبير عن التعاطف والتضامن، ومنهم من استخدم مهاراته الفنية لتحقيق ذلك؛ مثل ما قام به ويجز والإعلامي المصري الساخر، باسم يوسف.

كيف يجعلك التضامن أكثر مرونة في مواجهة الشدائد؟

أوضحت الباحثة من قسم علم النفس بجامعة لندن (University of London) في المملكة المتحدة، هانا زغفكا (Hanna Zagefka)، في الدراسة التي نُشرت نتائجها للمرة الأولى في عام 2021، إن الشعور بالتضامن والتواصل مع الآخرين خلال الأوقات الصعبة، سواءٌ كان عالمياً أو على المستوى الوطني، له آثارٌ إيجابية في الصحة النفسية والسلوك الاجتماعي الإيجابي تجاه أفرادٍ آخرين.

وقد شملت الدراسة 250 شخصاً يحملون الجنسية البريطانية تتراوح أعمارهم بين 18 و70 عاماً؛ حيث هدفت إلى قياس مدى تأثير التضامن خلال الفترة ما بعد الأزمة الصحية العالمية في 2020؛ إذ خلصت النتائج إلى أنه عندما يدرك الناس أنهم يشتركون في المصير نفسه مع الآخرين على مستوى العالم، فإن ذلك يمكن أن يعزّز رفاهيتهم بصفة عامة؛ حيث يمكن أن يسهم الشعور بالمسؤولية المشتركة والدعم في تكوين عقليةٍ أكثر إيجابية ومرونة عاطفية (Emotional Resilience) في مواجهة الشدائد.

اقرأ أيضاً: ما هو قلق الحروب؟ وكيف تتعامل معه؟

المصير المشترك والتجربة التاريخية والإنسانية المتشابهة 

بالفعل، إن إدراك أن ثمّة مصيراً مشتركاً أو تجربة مشابهة يعيشها أفراد آخرون على بُعد أميالٍ فقط أو في الطرف الآخر من الأرض يحفّز الكثير من مشاعر التعاطف التي تدفع أولئك المتأثّرين إلى التعبير عن تضامنهم المطلق. وعلى سبيل المثال؛ لقد رأينا كيف عبّر العديد من الأشخاص من الناشطين السياسيين والمؤثّرين الرقميين والناس العاديين من أيرلندا عن تضامنهم مع الفلسطينيين.

ويمكن أن يُعزى ذلك إلى عوامل تاريخية وثقافية وجيوسياسية متمثّلة في الخلفية التاريخية الفريدة لأيرلندا في التمرّد ضد الاحتلال البريطاني الذي استمرّ مدة 700 عاماً. إن التزام هذا البلد يتجاوز السياسة، ويتردّد صداه مع الشعور بالإنسانية والمصير المشترك كما أوضحت الدراسة المذكورة سابقاً؛ وهو ما جعل من الأيرلنديين مدافعين شرسين عن حقوق الفلسطينين ومتعاطفين حدّ التضامن غير المشروط مع القضية الفلسطينية.

وهذا ما يؤكّده الدبلوماسي الأيرلندي المتقاعد، نيال هولوهان (Niall Holohan)، بقوله: “نشعر بأننا كنّا ضحايا على مرّ القرون. إنه جزء من نفسيتنا، وضمنه نقف إلى جانب المستضعفين”.

التضامن نابع من التعاطف، فكيف يخدم هذا الأخير صحتك النفسية؟ 

إن التضامن نابع من التعاطف والقدرة الكبيرة على التفهّم، فهو يتطلّب التواصل على نحو حقيقي والانفتاح والاستعداد للشعور بآلام الآخرين ولو قليلاً. ووفقاً للفيلسوف وعالم الاقتصاد الاسكتلندي المعروف، آدم سميث (Adam Smith)، يسمح لنا التعاطف باختبار أمورٍ قد لا نكون قادرين على الشعور بها على نحو كامل. ذلك يعني أنه من المرجّح أن ينخرط الأفراد في سلوكياتٍ اجتماعية إيجابية تعود بالنفع على الآخرين عندما يشعرون بالتعاطف؛ لكن المنافع لا يحصد ثمارها الآخرون فقط.

5 فوائد نفسية واجتماعية لممارسة التعاطف

تفيد المختصة وأستاذة العمل الاجتماعي بجامعة ولاية أريزونا (Arizona State University) الأميركية، إليزابيث سيغال (Elizabeth Segal)، إن ممارسة التعاطف مع الآخرين يمكن أن تعزّز الصحة الجيّدة، وتخفّف التوتّر، بالإضافة إلى فوائد نفسية واجتماعية أخرى نلخّصها كالتالي:

  • ممارسة التعاطف يمكن أن تنقذ حياتك: فهم الآخرين يساعدك على اتخاذ القرارات الجيّدة خلال المواقف التي تتّسم بالخطر؛ إذ يمكنك التقاط إشارات الخوف أو الذعر لدى الآخرين لا شعورياً؛ ما يجعلك يقظاً ومستعدّاً للاستجابة المناسبة مثل الهرب من خطرٍ وشيك.
  • ممارسة التعاطف تبني جسور التواصل مع الآخرين: يبني الفهم الجيّد لتجارب الآخرين وتبادل المشاعر جسور التواصل الفعّال معهم، لذا؛ تستطيع من خلال ممارستك للتعاطف تغذية تلك الحاجة الإنسانية المهمة إلى التواصل والارتباط.
  • ممارسة التعاطف يمكن أن تخفّف التوتّر: يساعد الانخراط الكامل في عملية التعاطف على توظيف مهارات تنظيم العواطف (Emotion Regulation) التي تساعد بدورها على التحكّم في المشاعر المُرهقة والضغوط النفسية الناتجة منها. مهارة تنظيم العواطف ضرورية للتواصل مع الآخرين بطرائق إيجابية كما تساعد على التخلّص من التوتّر بصفة عامة.
  • ممارسة التعاطف ترياقٌ ضدّ الاحتراق الوظيفي: كلما زادت مهارات التعاطف، انخفضت احتمالية الإصابة بالاحتراق الوظيفي ( Job Burnout)؛ هذا يعني أن تكوين قدراتنا التعاطفية، يمكّننا كذلك من تكوين مهارات التعامل مع مواقف العمل الصعبة، والتواصل وفهم الآخرين بطريقة أكثر فعالية؛ ما يُفسح المجال للتعاون بأسلوب جيّد في بيئة العمل.
  • ممارسة التعاطف تعدّل ميزانك الأخلاقي: التعاطف هو حجر الأساس للسلوكيات الأخلاقية التي تكوّن علاقات صحيّة وآمنة لنا وللآخرين؛ إذ تساعدنا ممارسة التعاطف على تحديد ما نعدها سلوكيات مقبولة أو مرفوضة، ووضع القواعد التي تجعلنا آمنين، وتحمينا من أولئك الذين قد يُسيئون إلينا أو إلى مَن هم ضعفاء.

وعلى الرغم من مزاياه النفسية والاجتماعية المذكورة سابقاً، فالمغالاة في الشيء تأتي بنتائج عكسية في الأغلب؛ إذ يوضّح الاستشاري النفسي، أحمد يوسف، إن ثمة حدّاً فاصلاً يجب إدراكه ذاتياً في تعاطفنا مع مع الآخرين، فالتعاطف الذي يُلبّي احتياجات الآخر على حساب احتياجاتنا، قد يصبح سلبياً ومؤذياً. ويؤكّد المختص من جهة أخرى كون التعاطف صفة متأصّلة في الإنسان، وهي ضرورية في العلاقات كلها.

اقرأ أيضاً: التراحم قيمة إنسانية سامية: تعرف إلى كيفية تعزيزها

أخيراً، تشير الكاتبة والناشطة الإنسانية العراقية الأميركية، زينب سلبي، إن ثمّة لحظات تاريخية تقتضي التضامن الإنساني المطلق واللامشروط بغض النظر عن الجنسيات أو العرق؛ لأنها لحظات إنسانية تجمعنا كلّنا. وربّما خلقت أحداث الحرب في غزة تلك اللحظة التاريخية التي لن تُنسى من أذهاننا؛ إذ أوجد الناس في كلّ مكان على وجه المعمورة طرائقهم الخاصة والمبتكرة لممارسة التعاطف والتعبير عن الروح التضامنية نصرة للمظلومين وتخفيفاً لوطأة الألم والتوتّر الذي سبّبته مشاهد الحرب لنا جميعاً.

المحتوى محمي !!