القدر: هل خلق الصدف السعيدة أمر ممكن؟!

التزامن
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

إنه أمر لا يصدق بالفعل، ما زالت زينب لا تصدق ما حدث لها. بالأمس، قابلت أصدقاءها في المترو وتلقت مكالمة هاتفية من صديق محبط كان بحاجة إلى محامٍ يقدم خدماته بأسعار معقولة، وكانت تفكر في من يمكنه مساعدته من خلال علاقاتها. ثم تذكرت المحامي أحمد الذي فقد بصره منذ خمس سنوات؛ ولكن كيف ستصل إليه! وفي الوقت الذي انغمست فيه بأفكارها، لم تنزل من القطار في الوقت المناسب؛ ما جعلها تبتعد بعض الشيء عن المكان الذي ينبغي أن تنزل فيه. ومع توقف القطار نزلت بسرعة وفجأة حصل ما لم يكن في الحسبان؛ صادفت زينب المحامي أحمد الذي كانت تبحث عن طريقة للوصول إليه وجهاً لوجه.
هل هي الصدفة أم التزامن أم علامات القدر؟ ربما لكن ليس بالضرورة.

وفقاً لمحللي منهجية جونجيان وعلماء النفس الشخصية، فإن هذه الصدفة تسمى “التزامن”؛ أي حدوث متزامن لحدثين مستقلين مرتبطين بالمعنى. في الولايات المتحدة، يقوم المزيد من علماء النفس بدمج هذا المفهوم الغريب في ممارساتهم العلمية وأبحاثهم، وهي طريقة أصبحت اليوم محط اهتمام الفرنسيين. نشرت كريستين هاردي الحاصلة على درجة الدكتوراة في الآداب والعلوم الإنسانية، نموذجاً علمياً باللغة الإنجليزية “للحقول الدلالية” حول التفاعل بين العقل والمادة (شبكات المعنى، برايجر، 1998)، وخصص له جاك سالوم فصلاً في كتابه الأخير “تحلَّ بالشجاعة لتكون نفسك” (إصدارات دار النشر ريليي، 1999). على الجميع أن يعلم أن هناك أمراً مؤكّداً؛ هذه المصادفات من السهل أن تحدث، ولكي تبلغ القدر هناك رحلة ينبغي أن تقوم بها مقسمة على ثلاث مراحل، ولكن ما يحدث مصادفة لا يأتي بالصدفة فحسب. هذا ليس صيحاً دائماً. المصادفات ليست نادرة أو مجرد تخيلات؛ إنها ظاهرة شائعة تمت دراستها علمياً. حتى بداية القرن العشرين، قام البعض مثل عالم الفلك كاميل فلاماريون، بجمع الطوابع البريدية أو الفراشات وملء الألبومات بالقصص الشخصية وروايات الأصدقاء ومقتطفات الصحف التي تروي مثل هذه المغامرات. في كتابة “المجند”، كتب بلزاك: “إن لقاءات الصدفة هذه التي تتجاهل قوانين الفضاء، جمعها هواة المستحيل، ستساعد يوماً ما على إرساء أسس علم جديد يفتقر إلى إبداعات رجل عبقري”.

وسيكون هذا الرجل عالم الأحياء النمساوي الشاب بول كاميرر، الذي بدأ في عام 1900 في إرساء مجموعة أبحاثه الخاصة أو ما يسمى بالترّهات. في الحقيقة إن الأسماء أو الأرقام المتطابقة التي يصادفها خلال اليوم عبارة عن رسائل متشابهة تلقاها مراسلين مختلفين؛ إنها أحلام العديد من الأشخاص الذين يستحضرون نفس المواضيع. ثم يلاحظ بدقة جميع الأحداث المتوافقة ويطور تصنيفاً حسب الجنس وأهمية القواسم المشتركة. مثال على ذلك: في يوم من الأيام بدأت زوجته بقراءة رواية تظهر فيها مدام روهان، وفي نفس المساء زارهم الأمير جوزيف دي روهان بشكل غير متوقع. وهذه سلسلة أحداث بسيطة بنقطة واحدة مشتركة فقط ثم بدأ كاميرر يلاحظ أيضاً أحداثاً أكثر إثارة يصل مجموعها في بعض الأحيان إلى ست نقاط مشتركة. مثال: في عام 1915، تم إدخال جنديين في نفس اليوم إلى مستشفى عسكري في بوهيميا. إلى حد الآن ليس هناك شيء خارج عن المألوف، فيما عدا أن كلاً منهما يبلغ من العمر 19 عاماً وولد في سيليزيا ومتطوع في الجيش، فضلا عن أنهما يعانيان من التهاب رئوي، ويُطلق عليهما “فرانز ريختر”.

يقضي عالم الأحياء ساعات على مقاعد الحدائق العامة لمراقبة المارة وخصوصياتهم وملابسهم والأشياء التي يحملونها، ويبدأ في الكشف عن التجمعات، وهي ظاهرة معروفة أكثر تحت الاسم الشائع “قانون السلسلة”. في عام 1919، بعد أن أصبح عالماً بارزاً، نشر بول كاميرر نتائج ملاحظاته مصحوبة بتحليلات إحصائية ومحاولة نظرية. ووفقاً له ستكون في الكون قوة مثل الجاذبية من شأنها أن تجمع الأمور”المتشابهة” عن طريق الصلات. في هذا السياق أعلن ألبرت أينشتاين بنفسه أن هذا الكتاب “أصلي وليس سخيفاً بأي حال من الأحوال”.

ومن غير المعروف عملياً لعامة الناس ما يستشهد به كاميرر في عمله، ولقد كانت قلة قليلة من المتخصصين مطلعة على ما يقوم به. ومع ذلك، فهم يسلطون الضوء على شيئين أساسيين في حياتنا اليومية: أولاً، من المهم معرفة أن مبدأ التسلسل أو قانون السلسلة الشهيرة “لا يوجد اثنان دون ثلاثة” ليس نتاجاً خالصاً للخيال؛ ولكنه ظاهرة شائعة جداً معروفة جيداً للإحصائيين وشركات التأمين أو نظام لوتو. ومن ثم تظهر تلك الصدف، لا سيما إذا تعلمنا أن ننظر إلى العالم من حولنا. أن تكون منتبهاً للذات والآخرين والبيئة المحيطة هو أحد أسس التطور الشخصي،

وتعلق الأمر حتى ذلك الحين بنهج مادي عزز من ظهور المصادفات. بعد بضع سنوات، دمج كارل غوستاف يونغ هذه الظواهر في مجال علم النفس. وخلال عشرينيات القرن الماضي، عندما بدأ في استكشاف أعمق طبقات اللاوعي لدينا، لاحظ الطبيب النفسي السويسري أيضاً عدداً من الأحداث الغريبة. لكن إلى مدى كان استخدامها مفيداً؟ لقد حصل على خيط أولي للإجابة من خلال رعاية امرأة كان أسلوبها عقلانياً للغاية في الحياة وضيق الأفق لدرجة أن جعل العلاج صعباً بشكل خاص. ذات يوم، أخبرته هذه المريضة بأنها رأت حلماً فيه خنفساء ذهبية، علماً أنها كانت رمزاً للنهضة في مصر القديمة. عرف يونغ هذا وتساءل عما إذا كانت هذه المرأة على وشك إجراء بداية تحول داخلي، ثم فجأة سمع صوت نقرٍ على النافذة، ففتحها وسرعان ما ظهرت خنفساء خضراء ذهبية جميلة ترفرف. أمسكها يونغ وأظهرها للمريضة. بالنسبة لها إنها الصدمة، فالرمز الذي حلُمت به وذكرته للطبيب ظهر للتو. هذه الصدفة هزت قناعاته العقلانية وسمحت لمحادثاتهما بأن تصبح بنّاءة أكثر.

مفتوناً بهذه العلامات المرتجلة؛ صنف يونغ هذه الأحداث تحت اسم “التزامن”، وهي كلمة صاغها لتعيين الأحداث المرتبطة بمعنى وليس لها علاقة بالسبب والنتيجة. بالنسبة له ستكون هناك علاقة وثيقة جداً بين النفس والمادة. في ذات السياق، يوضح مدير مركز الدراسات الرمزية في بيركلي (كاليفورنيا) ومؤلف الكتاب الأكثر مبيعاً “لا توجد حوادث” (كتب ريفرهيد، 1997)، روبرت هـوبك: “لتطبيق هذا المفهوم على الحياة اليومية، يجب أن نبدأ بتحرير أنفسنا من أغلال تعليمنا العقلاني”. كما يوضح هذا المعالج النفسي أن هذه الظواهر ليست مجرد فضول يقلب مفهومنا للزمان والمكان. ويذكر أيضاً أنها ظواهر يمكن أن تقدم لنا فوائد شخصية ومهنية كبيرة،

وإحدى أكثر التقنيات فعالية خلال هذه المرحلة: تطوير الحدس. تروي ليز، وهي فتاة من كيبيك وكاتبة أغاني، تجربة مهمة عاشتها بشكل خاص. بينما كانت طالبة، قررت استثمار كل مدخراتها لفتح مقهى كراوكي في كيبيك. لحفل التدشين، رغبت ليز في إحضار الصحفيين لكن جميعهم اشترطوا حضور شخصية مشهورة جداً مثل المغني فيليكس لوكلير. ولقد حاولت الوصول إليه ولكن دون جدوى. لقد كان الأمر صعباً للغاية تقول ليز: “كنت بحاجة ماسة إلى حضوره الافتتاح فدون وجوده لن تغطي الصحافة الحفل؛ لكنني لم أشعر بالإحباط فقد كانت لدي ثقة في الحياة”. في نفس المساء شعرت الشابة بالحاجة إلى الذهاب في جولة بالسيارة، على الرغم من أن الطقس شتويّ بارد ومظلم. لكنها قادت سياراتها دون وجهة محددة، وفجأة انحرفت السيارة عن المسار واصطدمت بضفة ثلجية. توقفت ليز، ونزل السائق من سيارته، ثم تبين أنه فيليكس لوكلير! وبعد خمسة عشر يوماً افتتح المغني مقهى ليز.

في القرن السابع عشر وصف الكاتب هوراس والْبول هذه الظواهر المتزامنة في قصة “أمراء سرنديب الثلاثة”. باختصار، يجد الأمراء دائماً ما يريدون أو يحتاجون إليه في كل مرة، كما لو كان “حظهم سعيداً”. وهذا ما يساعد على تخطي الظروف الصعبة. سرنديب هو الاسم القديم لجزيرة سيلان. لذلك ابتكر والبول كلمة “الصدفة” للإشارة إلى فرصة الصدفة التي تحدث في الوقت المناسب والقدرة على مواجهة الأشياء الأساسية “كما لو كانت من خلال معجزة”. يوجد مفهوم أكثر “نشاطاً” من مفهوم التزامن، وهو يتطلب القدرة على تمييز الاحتياجات الأساسية للفرد؛ تلك التي تسمح بالتقدم في الحياة من الرغبات البسيطة أو المزيد من الإشباع العابر.

تذهب هذه الخطوة إلى أبعد من التطوير الشخصي لأننا نبدأ العمل “على الذات”. وفقاً لعلماء نفس الشخصية؛ لاكتشاف احتياجاتنا الحقيقية من الضروري أن نتواصل مع ذاتنا العليا وجوهر وجودنا وروحنا وأن نطرح عليها سؤالًا أساسياً: ما معنى الحياة؟ وهكذا يصبح التأمل، على سبيل المثال، أداة ضرورية للسماح للذات بالاستجابة. نظراً لأنه على اتصال دائم بالكون، فهي الطريقة التي تسبب “معجزات” التزامن.

وهل هذا ممكن؟ إذا كنت لا تزال تعتقد أنه يمكن تلبية احتياجاتنا من خلال الحياة، فاسأل أنتوني هوبكنز. ففي عام 1973 وفي لندن بالتحديد، تم التعاقد مع الممثل الشهير لتأدية دور في فيلم “فتاة من بتروفكا”، وهو مقتبس من رواية للكاتب البريطاني جورج فايفر. وللتمكن من أحداث الرواية سعى هوبكنز للحصول على الكتاب، فزار العديد من المكتبات ولكن دون جدوى. وبينما كان يسير في مترو الأنفاق عائداً إلى منزله، مر بجوار مقعد في الحديقة وفجأة رأى نسخة قديمة ومهترئة ومفسرة من الرواية. ويضيف هوبكنز: “ليس هذا فقط، فهناك الجزء الأروع”. بعد عام تقريباً وفي أثناء التصوير في فيينا، أتيحت لي الفرصة لمقابلة جورج فايفر شخصياً. أخبرته عن مدى صعوبة العثور على كتابه، وكيف جعلتني الصدفة أكتشفه. وأجاب بأنه لا يمتلك أي نسخة عن هذا الكتاب ولقد أعار نسخته الوحيدة لصديق سُرقت من سيارته، ثم أخرجت الكتاب من حقيبتي. وكانت هذه النسخة هي نفسها التي أعطاها لصديقه!

هذا النوع من الأحلام يقتصر على النخبة أي قلة قليلة من الأشخاص الذين يحبون الأشياء الغريبة وغير العادية، ثم يعتمد ظهور هذه الصدف على تفكيرنا الداخلي والطريقة التي نتصور بها العالم: هل نراه منطقة مغلقة ومحدودة ولا معنى لها أم نراه متسعاً؟ أم أنه على العكس من ذلك مجال واسع من التجارب والتفاعلات الممكنة؟ هنا الأمر متروك للجميع للاختيار.

كما لو كنت في لعبة؛ راقب العالم من حولك وستجد أن الواقع نفسه يقدم عدداً من “العلامات” غير المتوقعة.

1. احتفظ بدفتر ملاحظات كما هو الحال مع الأحلام، فكلما تعددت المصادفات التي تكتبها، تضاعفت. من خلال مطالبة عقلك بالاهتمام بتفاصيل الوجود، فإنك تدمجها في تجربتك. بعد ذلك، يتسع مجال وعيك وتصبح قادراً على الترحيب بالحدث المتزامن الآخر بسهولة أكبر.

2. لا تحكم سريعاً عندما تلاحظ صدفة ما، تجنب السماح لعقلك العقلاني بالتأثير فيك بأفكار مثل “ليس هذا مهماً بما فيه الكفاية” أو “إنه غير منطقي”. ليست كل الأحداث المتسقة استثنائية بالضرورة لكن لا تستبعد أًياً منها.

3. تواصل مع بيئتك وانسَ المبدأ العقلاني القائل بأن الكون يتكون من عناصر منفصلة. تخبرنا التقاليد الروحية وفيزياء الكم الحديثة بخلاف ذلك. تعتمد التقنيات الشرقية مثل: كي-غونغ أو تاي-تشي أو حتى فانغ-شوي، على مبدأ أن كل شيء متصل.

4. حدد احتياجاتك الأساسية من خلال وضوحك وصدقك مع نفس لتوضيح ما تحتاجه حقاً باستمرار. كلما كان الطلب أوضح كانت الإجابة أوضح.

5. تصور الإجابات وخذ 10 دقائق يومياً من وقتك للاسترخاء، وتخيل أنك تحلّ مشكلتك بأكبر قدر ممكن من التفاصيل. هذا النوع من التمرينات -كأساس للتطور الشخصي- يعطي أحياناً نتائج مذهلة.