التدريب الذاتي: كيف تثبت ذاتك دون معلِّم؟

التدريب
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

شعرت سيلين البالغة من العُمر 37 سنة أنها غارقة في بحر من الأعمال المتراكمة في محيطيها المهنيّ والشّخصي؛ إلا أنها تمكّنت من اكتشاف ذاتها وقول “لا” أمام ما لا يناسبها والمُضيّ بحياتها قدُماً بفضل كتاب تمارين (d’exercices).

المنهجية

“وسط الفوضى التي كانت تعصف بي، لم أكن أعرف إلى أيّ اتجاه أدير دفَّة حياتي” تصف سيلين ما كانت تعيشه وتُكمل: “كنت أرزحُ تحت وطأةِ ضغط هائل واضطراب مُستمرّ وعمل متراكم؛ ما دفع زميلتي في العمل إلى أن تنصحني بالاستعانة بمدرب حياة “لايف كوتش(Life Coach) وصفَتْهُ بأنه “أكثر من ممتاز”. ولأني لم يتوفّر لديّ حينها الوقتِ أو المال الكافي لذلك، فقد أهدتني كتاباً وهي تقول: “ابدئي بهذا!”.

حين تفحّصْتُ الكتاب وجدته عبارة عن دليلٍ لتعلّم قولِ “لا”. لم أبذل جهداً في إخفاء تعابير الخيبة عن وجهي وأنا أردّ عليها: “كما لو أن مشاكلي ستُحلّ بمجرّد قراءة كتاب”. على الرّغم من هذا؛ أخرَجَتْ سيلين الكتاب وهي في المترو وأخذَت تتصفَّحه. شعرتْ أن الرسالة موجّهة إليها منذ الصفحة الأولى حين وقعت عيناها على أوّل فقرةٍ تُفيد بأنّنا غالباً ما نُخبّئ خلف كلمة “حاضر” خوفَنا من أن نُرفَض أو لا نُحَبّ. أخذَ شعورها بأنها معنيّة بمحتوى الكتاب يزيد، حين قرأت أن الاستمرار في قول “حاضر” بغرض إرضاء الآخرين ينتهي بالمرء إلى نسيانه من يكون وفقدانه الصّلة بحياتِه الخاصّة. “شعرتُ بنداء خفيّ يتسرب إليّ من دفتيّ الكتاب، كلّ صفحةٍ من هذا الدليل كانت تُؤجّج فضولي. ولأنّه كان يطرح عدداً من الخطوات التي ينبغي اتّباعها كتدريبٍ ذاتيّ على قول “لا”، فقد باشرتُ فورَ عودتي إلى البيت أداء التمرين الأوّل الذي كان يتطلّب إنشاء لائحة أولويّات تجعل مما أؤمن به المتحكم الوحيد في حياتي.

صحيح أن التفكير وإعادة التفكير في هذه اللائحة أخذ مني قرابة الأسبوع؛ لكنه في المقابل دفعني إلى تحديد ما أريد حقاً فعله”.

هل نحن هنا بصدد الحديث عن تدريبٍ ذاتي أم دورة لتطوير للذات؟ يمكن القول إنه خليط بين الاثنين؛ إذ يقدّم الكتابُ مرافقة شخصية الغاية منها التوصل في النهاية إلى نتيجة ملموسة، على أن “من يقومُ بمرافقتنا في هذه الحالة هي ذاتُنا التي لا تفارقنا”. تشرح مدربة واختصاصية نفسية وعضو مؤسّس لمركز التكوين (Le Dôjô)، جين تورنيه وتستأنف حديثها قائلة:من الممكن إحراز تقدّم في التدريب بمساعدة الكتاب وحده؛ إذ تُخوِّل لنا القراءة بصوت مرتفع الإنصات إلى ما نقول ونحن نتكلّم فتسمَح برؤية الصّورة كاملة وأخذ مسافة كافية ووضعِ الأمور في سياقها”.

موقف جين هذا لا يشاركها فيه كلّ المدربين؛ إذ لا يجد كثير منهم في هذه المقاربةِ ما يحلّ محلّ المرافقة المهنيّة. في المُقابل يرى المُعالج النّفسي جون دوريدو أن بوسع تمارين التدريب الذاتي “أن تكون تمهيديّة أو تكميليّة أو لاحقة للاشتغال مع مُختصّ. فمن مزايا التدريب الذاتي، بالإضافة إلى إيقاعه المُتكيّف مع حاجيات كلّ شخص، إسهامه كذلك في تطوير اعتماد الشخص على نفسه وتعزيز مفهوم العمل على الذات لديه”.

تشرح سيلين بالتفصيل ما قامت به وهي تتبّع المسارَ الذي يقترحه الدليل قائلة: “تركتُ الكتاب يأخذني من اكتشافٍ إلى آخر. توجَّب عليّ في بادئ الأمر تعلّم قول “لا” في وضعيات بسيطة لم تكن تدخل ضمن قائمة أولوياتي؛ ما حتَّمَ عليّ وضع أهدافي دائماً نُصب عينيّ. كان عليّ أيضاً أن أتعلّم كيف أُطعِّم رَفضي بمُبرّرات أستقيها مما أشعر به وأعايشه، وبالفعل كما ذكَر الكتاب؛ كانت كُلّ كلمة “لا” تخرج من فمي بمثابة نجاحٍ يدفعني نحو الأمام للاشتغال على نفسي أكثر. وهكذا بوصولي إلى فصلِ التخلص من الشّعور بالذنب -كإحساسي أنّ قولك “لا” من شأنه أن يتسبَّب في ألم للآخرين- أحسست أنّي تخلَّصت من آخر القيود التي كانت تُكبّلني.

يمكننا الحديث أيضاً في حالة سيلين عمّا يصطلح عليه بـ “العلاج بالقراءة” أو “بيبليوغرافي (Bibliography). ومع أن هذه المقاربة تظلّ قليلة التّداول إذ توضع نجاعة كتبها الإرشاديّة موضع تشكيك؛ إلا أنّها معتمَدة في البلدان النّاطقة بالإنجليزية، فقد أثبتت بعض الدّراسات تقدّماً ملحوظاً عند الأشخاص الذين يدربّون أنفسهم من خلالِ كتب يصحّ وصفها بالعلاجيّة؛ بمن فيهم أشخاص عانوا من أمراض نفسوجسديّة. قاد فريق من الباحثين البلجيكيين دراسة علمية تناوَلت مجموعة تتكوّن مما يقارب مائةَ رجل يعانون من القذف المُبكر، أظهرَت أنَّ باعتمادهم فقط على تتبع تعليمات أحد الكتب، فإن 79% منهم نجحَ في البدء بحلّ مشكلته بل والوصول أحياناً إلى حلّ جذري لها. (علاج القذف المبكر عبر العلاج بالقراءة كمقاربةٍ معرفية سلوكية لـ ب. دي سوتي وآخرون، المنشور بمجلة العلاج السلوكي والمعرفي، 2002).

تختم سيلين الحديث عن تجربتها بقولها: “كنتُ منبهرة بقدرتي على إعادة حياتي إلى نصابها بمساعدةِ كتاب لا غير؛ ما دفعني للتوفير كي أستكمل لاحقاً اشتغالي على ذاتي مع مُدرِّب حقيقيّ”.

النشأة

لم يعُد التدريب أو الكوتشينغ منذ سبعينيات القرن الماضي حكراً على الممارسة الرياضية؛ إذ تحوَّل إلى مهارة مستقلة تندرج ضمن العلوم الإنسانيّة. بدأ الأمر تحديداً مع الاختصاصي النفسي الأميركي مايكل بروان الذي خلص إلى أن أدوات العلاج النفسي لا تُلبّي بشكلٍ ملموس احتياجات الأشخاص الذين يطلبون الإرشادَ في حياتهم العَمليّة أو تطوير مسارهم المهنيّ؛ ما دفع به إلى أن يستحدث -على ضوء رؤى فريدريك هادسون بخصوص دورات الحياة- برنامجاً يستهدف مرافقة الموظفين، سيجعل منه المعالجون النفسيون والأطباء والرياضيّون السابقون فيما بعد تخصّصاً قائماً بذاته، قبل أن تختلف أساليبه ومناهجه بين كوتشينغ الأداء والكوتشينغ البيداغوجي وكوتشينغ الحياة.

مؤخراً وبالتزامن مع الإقبال الذي لاقته كُتب تطوير الذات، أبصر التّدريب الذاتي (الكوتشينغ الذاتي) النّور على يدِ مدربين قرروا وضع منهجياتهم الخاصّة بين يديّ عموم النّاس.