متى تصبح الجرأة تهوراً؟

4 دقيقة
الجرأة
(مصدر الصورة: نفسيتي، تصميم: إيناس غانم)
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

ملخص: حينما تقرأ مؤلفات التنمية الشخصية، قد يتولد لديك انطباع بأنك تفتقر إلى الشجاعة، فالمؤلفون كلهم يحاولون حثنا على العمل، وعلى الرغم من ذلك فإنهم لا يشيرون إلى الشجاعة التي نراها في الحياة اليومية لدى أولئك الذي ينهضون كل يوم للذهاب إلى العمل الصعب أو يضمنون أمن الأسرة على حساب راحتهم، أو يكرسون أنفسهم لأحبائهم الذين يواجهون صعوبات، وما إلى ذلك. لا أحد يطلب من هؤلاء منهم التحلي بالجرأة لقول “لا” أو للتخلي عن كل شيء، فهذه الإملاءات الجديدة لا تتناول إلا ذلك الجانب من أنفسنا الذي يتقاعس عن فعل المطلوب، وتؤكد لنا أن الشجاعة تتمثل في فعل ما نخافه.

تمثل أساليب التنمية الشخصية عودة للأخلاقيات التي قادت الجيوش في أرض المعركة قديماً؛ إذ كان المقاتلون ينحون خوفهم جانباً ويؤمنون بأنه لا مستحيل مع الشجاعة التي يحملونها داخلهم؛ ولذلك فإن القدرة المطلقة لرغبتنا يجب أن تكون لها الأسبقية على عقولنا وترددنا ومخاوفنا.

هل علينا الخروج من منطقة الراحة؟

تنطوي حياة الإنسان منذ بدايتها على المخاطرة، فالطفل يجازف حينما يترك يد والده أو والدته ويحاول المشي بمفرده، وحينما يتخلى عن العجلتين الصغيرتين المساعدتين في الدراجة الهوائية، وحينما يحاول استكشاف العالم من حوله وتجربة الأشياء، وأخيراً حينما يغادر المنزل. كان علينا التحلي بالشجاعة لدخول فصل لا نعرف فيه أحداً، سواء في روضة الأطفال أو في الجامعة، وللاقتراب من الآخر الذي عرف كيف يجذبنا أو لنقرر الابتعاد عنه. كيف سنكون لو لم نتحلَّ بهذه الشجاعة؟ تقول الفيلسوفة آن دوفورمانتيل (Anne Dufourmantelle) التي توفيت في أثناء محاولتها إنقاذ طفلين من الغرق: “يخاطر المرء بحياته في المقام الأول ليتجنب الموت؛ الموت وهو على قيد الحياة الذي يتمثل في الزهد والاكتئاب والتضحية بمختلف صورها”.

نعم، علينا أن نتجرأ دائماً على التشكيك في خياراتنا، ونخاطر لنرى ما يمكن أن تجلبه الحياة لنا؛ لكن دون تسرّع. من منا لم يذرف دمعة في نهاية فيلم “جسور مقاطعة ماديسون” (The Bridges of Madison County) ، عندما رفضت الشخصية التي تجسدها ميريل ستريب الاستمرار في رحلتها مع كلينت إيستوود؟ لا شك في أن مدرب مهارات الحياة الحسن النية سينصحك بأن تتحلى بالجرأة وتغير حياتك؛ لكن هل أضاعت شخصية ميريل ستريب حياتها دون أن تتجرأ على إجراء أي تغيير فيها، أم إنها أعطت أولوية لقيمها بوصفها امرأة وأماً؟ هل ثمة تعبير مزعج أكثر من ذلك الذي شاع لفترة وهو: “عليك الخروج من منطقة الراحة”؟

ينبغي أن نشكك دائماً فيما “علينا” فعله، وتتبادر إلى الذهن هنا على الفور صورة فكاهية جرى تداولها على الشبكات الاجتماعية، يظهر فيها مصور حبس نفسه في قفص تحت الماء لالتقاط صور لأسماك القرش الخطِرة في أعماق البحار، في حين أن قرشاً يسبح حول القفص ويقول للمصور: “هيا، استجمع شجاعتك واخرج من منطقة راحتك”. يثير هذا التعبير لدى المرء شعوراً بالذنب عندما يرسخ في ذهنه أن عليه الانتقال إلى منزل جديد أو تغيير وظيفته أو شريك حياته، فيدعوه إلى تغيير حياته كلها، ويشعر بالتقصير إذا لم يتمكن من فعل ذلك ظناً منه أن عدم الراحة أفضل دائماً من الراحة! ومن ناحية أخرى، فإن هذا التعبير يدفع المراهقين إلى السلوكيات المحفوفة بالمخاطر، مُظهرين أنهم لا يهابون الموت.

ومع ذلك، يقول عالم الاجتماع ديفيد لو بريتون (David Le Breton): “تنطوي المخاطرة على قدر كبير من الإرادة والثقة بالنفس؛ وهو ما يميزها عن التهور الأعمى أو الرغبة المؤكدة في الموت”.

حدد رغباتك الحقيقية

ما يميز الشجاعة عن التهور هو أن الأولى تتطلب تفكيراً متمعناً في حين أن الثاني يعني التصرف دون تفكير، فقبل التحلي بالجرأة، ينبغي قياس المخاطر حتى لو كان يعني ذلك التراجع. يتحدث الغواص الحاصل على المركز الثاني في بطولة حبس النفس تحت الماء، غيوم بورديلا (Guillaume Bourdila)، بطريقة رائعة عن حب المخاطرة؛ إذ تدفعه نشوة الأعماق (حالة غياب الوعي الجزئي الناجمة عن زيادة الضغط على الغازات الموجودة في الأسطوانة) إلى القول إن بإمكانه الغوص أعمق في كل مرة. لكن هناك اختلافاً بين حس المخاطرة وحب المخاطرة، فالأول يتطلب التفكير ثم التحلي بالجرأة، أما الثاني فينطوي على التهور؛ أي إدمان الخطر أكثر من الفعل في حد ذاته. يقول الغواص المحترف: “يجب أن تمنح نفسك الحق في الاستسلام والتخلي”.

الجرأة لا تعني أن ترمي نفسك في المجهول؛ بل إنها تتطلب التحلي بالمنطق قبل كل شيء، ومواجهة مخاوفك وتحديد التجربة السابقة التي أدت إليها. بعد ذلك، عليك أن تحدد رغباتك الحقيقية، فمخاوفنا مثل رغباتنا؛ قد تتعلق بالآخرين أحياناً وليس بنا؛ لكننا غرسناها في أنفسنا إلى درجة أننا صرنا نؤمن أنها تخصنا. وإذا كان خوفنا حقيقياً وينبع من أعماقنا، فلمَ نقاومه؟ هل يرجع ذلك إلى ضغط خارجي يحثنا على تحقيق نتيجة لسنا متأكدين من أننا نريدها؟ أم قوة داخلية ترشدنا إلى التغلب على ذواتنا؟ وإذا كانت الحال كذلك، ما غاية هذه القوة الداخلية؟

كتب ألبير كامو؛ الذي تعد شجاعته في مواجهة عبثية الحياة فكرة أساسية في هذا الشأن: “الشجاعة هي أن تبقى متيقظاً للحياة كما تتيقظ للموت. اختلافك عن الآخرين ليس أمراً حسناً ولا سيئاً؛ بل يعني أنك شجاع بما فيه الكفاية لتكون نفسك”. ويتابع ديفيد لوبريتون قائلاً إن الجرأة تتطلب منك تقييم مواردك قبل الإقدام على خطوة ما، وحساب احتمالات النجاح؛ لكنها تتضمن أيضاً رهاناً مربكاً يجمع بين مهارتك في التعامل مع هذا النوع من المواقف و”حظك”؛ هذه الموهبة التي تجنبك الأسوأ، وتمثل الظروف المواتية المحيطة بالإنسان.

وقد أشار الفيلسوف فلاديمير يانكليفيتش (Vladimir Jankélévitch) إلى هذه الظروف المواتية بكلمة “kairos” (كايروس) التي تعني لدى اليونانيين القدماء “اللحظة المناسبة”، فشبه هذه اللحظة بشاب يجري بسرعة، ولديه خصلة شعر كبيرة. عندما يمر بجانبنا، قد لا نراه، أو نراه ولكن لا نفعل شيئاً، أو نوقفه من خلال الإمساك به من خصلة شعره تلك. اللحظة المناسبة هي تلك التي تمنحنا الفرصة الأمثل للانتقال من التفكير إلى التنفيذ الفعلي.

لتكن جرأتك مدروسة

يقول يانكليفيتش: “لا يكفي أي من الحظ والظروف الخارجية لاغتنام اللحظة المناسبة؛ بل يتطلب الأمر التحلي بالشجاعة، وحينها فقط سنتمكن من تغيير أنفسنا ويصير التمسك بالفرص ضرورياً لنا”. وفي حين أن الجرأة مهمة، فإنها يجب أن تكون مدروسة؛ أي أن نفهم العقبات التي تواجهنا ودلالاتها ونعرف كيف نغتنم اللحظة المناسبة لاتخاذ الخطوة الأولى نحو التغيير.

إذا تمكنا من التحكم في المخاطرة وفهمها، سنبذل قصارى جهدنا لإيجاد المعنى وتذوق الحياة واكتشاف ذواتنا. خلاف ذلك، لن تكون المخاطرة أكثر من تكرار للتجارب المتهورة السابقة العديمة الفائدة. يقول الكاتب ماتيو ترينيس (Mathieu Terence): “نحن نعتقد أن الحداثة التي نشهدها ستقلب حيواتنا رأساً على عقب، وتُظهرنا بمظهر مختلف وتعيد إحياء ما كان ميتاً في دواخلنا؛ لكننا نكتشف في الواقع أن ما جذبنا إلى الحداثة هو ما تحمله من عناصر قديمة نعرفها بالفعل”، تجرأ لفعل ما تريده أنت، لا ما يريده الآخرون.

حصد مقطع فيديو على يوتيوب يحكي قصة نسر الكوندور الصغير لوراكاتاو، 30 مليون مشاهدة. بعد أن تعرض إلى إصابة، عاش لوراكاتاو في مركز رعاية يديره البرنامج الرسمي للحفاظ على نسور الكندور الأنديزية، وبعد عام صار جاهزاً للتحليق مجدداً ويُظهر مقطع الفيديو هذه اللحظة: مدة 5 دقائق، كان الطائر يخرج من قفصه ويسبر الفراغ ويفتح جناحيه ويغلقهما، ثم يعود إلى الخلف، ويتكور على نفسه، لقد تردد وقتاً طويلاً قبل أن يطير وينضم إلى نسور أخرى. هذا مثال مؤثر يشير إلى أننا ينبغي أن نراعي مخاوفنا ونمنح أنفسنا الحق في أن نتردد، ونعي أن هذا لن يمنعنا من التحليق في النهاية.

اقرأ أيضاً:

المحتوى محمي !!