الأنا العليا: رقيب أم طاغية؟

استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

تسعد بها وسائل الإعلام، واللغة اليومية أيضاً؛ لكن هل نعرف ماهية الأنا العليا حقًا؟ إنها عرض لمزايا وعيوب هذه الحالة النفسية التي تجمع بين محظوراتنا، وتحدد قدرتنا على التعايش مع الآخرين.
سيكون اختفاؤها بمثابة تهديد لعصرنا، فبدون هذا “الرقيب الداخلي”، قد نصبح حشداً متوحشاً على استعداد لفعل أي شيء لإشباع رغباته الملحة. هل الأنا العليا لدينا – أو غيابها – هي السبب الرئيسي للشرور المعاصرة؟ إن الأشخاص الذين لا توجد لديهم الأنا العليا قد يتصرفون كالمختلين عقلياً، أما أولئك الذين يعانون من الأنا العليا بشكل كبير، فإنهم قد يشعرون بخزي عظيم. وبين الاثنين، هناك طريق وسطي، ففي الواقع؛ يتوقف الأمر على كيفية رؤيتنا للمحظورات التي أملاها علينا آباؤنا وثقافتنا ومجتمعنا، خلال طور الطفولة. وفيما يلي نقدم شروحات من خلال طرح خمس أسئلة.

هل هي أخلاقنا الداخلية؟

في عام 1923، قدّم فرويد هذا المصطلح في نص بعنوان “الأنا والهوية” (مجموعة “المكتبة الصغيرة”، الصادرة عن دار نشر بايو). ويرى فرويد أن كلاً من الهو والأنا والأنا العليا، يرتبط أحدهم بالآخر، فهم يشكلون – في نظره – ثالوثاً بطريقة أو بأخرى. إنها أمثلة، كيانات تمتزج بداخل النفسية، وتشكلها، ويؤثر وجودها على حياتنا وسلوكياتنا اليومية. وقبل تعريف الأنا العليا بدقة، رسم فرويد الخطوط العريضة لها بالحديث عن “الضمير الأخلاقي” للأفراد. وبمرور الوقت ومن خلال ممارسته الطبية؛  صقل المحلل النفسي النمساوي طريقة تفكيره؛ إذ يرى أن الأنا العليا “تنبثق عن الهوية، وتسيطر على الأنا وتمثل محظورات […] الإنسان”، وتجمع الهوية بين غرائز الحياة والموت معاً؛ والتي تتصارع فيما بينها سراً ولاشعورياً بداخلنا. إنها منبع العاطفة الأولية التي تتولّد لدينا تجاه آبائنا و/أو أمهاتنا، أما الأنا فهي الجزء “العقلاني” و”الرشيد” والمنظم من الهوية؛ إنها إسقاطاتها في العالم الواقعي، وهي تشتمل على جزء لا شعوري؛ لكنها تقوم بترتيب الغرائز من خلال تكييفها مع الواقع. تعلو الأنا العليا -كما يوحي اسمها- على الأنا، وهي تحظر رغبات الهوية، وكما يقول فرويد، “فهي لها روابط وثيقة الصلة وقوية بالإرث البالي للفرد”. وينظر المحلل النفسي للأنا العليا والهوية كقوتين رئيسيتين في “عالمنا الداخلي”. وتنشأ هذه التوازنات والاختلالات البشرية بين الحالات النفسية الثلاث من هذه العلاقات، سواء أكان يسودها الانسجام أم لا.

الأنا العليا هي أصل المحظورات الداخلية لدينا، وهي التي تمنعنا من التصرف دون مراعاة الآخرين. وعليه، فهي تحدد “مدى قدرتنا على التعايش مع الآخرين”؛ وذلك وفقاً لما تؤكد عليه المحللة النفسية فيليسي نايرو، وهي تتشبع على حد سواء بالمحظورات العالمية – كزنا المحارم وأكل لحوم البشر … – والمحظورات الثقافية الخاصة بكل حضارة – كالتعري وطقوس الأكل والطقوس الدينية … – والمحظورات الأبوية.

أهي فطرية أم مكتسبة؟

إن الأنا العليا مكتسبة، وهي تستمر في النمو بمرور الوقت، وكما يوضح فرويد أيضاً، فهي “تنبثق عن عقدة أوديب”. ويوضح المحلل النفسي فانسان إستيلون أنها “تبدو واضحةً من خلال تحريم زنا المحارم؛ أي التقرب جنسياً من الوالد أو الوالدة أو الأخت أو الأخ، ومن ثم فإنها تجعل من الممكن التمييز الجيّد بين الأجيال والأجناس، لفهم أن الطفل والبالغ ليسا نفس الشيء – مثلهما في ذلك مثل الرجل والمرأة تماماً”. في البداية؛ يقوم الآباء أو من ينوبون عنهم بصياغة هذه المحرمات الأولى، فهم من سيجعلون هذه الـ “لا” الأساسية مستمرةً، ثم يستتبع ذلك التواجد القوي للرقابة، ثم تُدمج المحظورات التي يفرضها الكبار تدريجياً وتتأصل في داخلنا. قد يكون الحمل ثقيلاً بعض الشيء، لأنه حسبما تخبرنا به المحللة النفسية ماري جان سوريت: “إن الأنا العليا لدينا تنحدر من الأنا العليا لآبائنا”، فمن الواضح أننا نحمل معنا كل المحظورات المنقولة لاشعورياً ضمن عائلتنا ومن خلالها.

ما هي وظيفتها؟

تحدد الأنا العليا الحدود التي لا غنى عنها لتحقيق التوازن العاطفي والنفسي، فهي بمثابة طريقة آمنة للتعامل مع الطفرات الغريزية التي تثيرنا منذ الولادة. وتلك الأخيرة ذات شقين – كما يوضح فرويد: غرائز الحياة (إيروس) وغرائز الموت (ثاناتوس)، فالشق الأول يتعلق بالحب والهوية الجنسية وكل ما يحركنا؛ أما الثاني فيتعلق بالرغبة في التدمير، وفي ذات الوقت بأن يبقى كل شيء على ما هو عليه، دون حركة تُذكر. نحن نتأرجح باستمرار بين هذين الاتجاهين الرئيسيين، واللذين -إذا لم يتم ترويضهما- فسيقوداننا إلى الفوضى. إن فيليسي نايرو مقتنعة تمام الاقتناع بأن “الأنا العليا الجيدة تلعب دوراً وقائياً، فهي تتشكل شيئاً فشيئاً بسبب القيود المفروضة على قدرة الطفل المطلقة؛ والتي تسمح له بالتواصل مع الآخرين. يتكون كل من هذه الحالة النفسية والهدوء الغريزي الذي يمنح الطفل فرصة التعلم بالفعل، خلال المرحلة الأوديبية؛ أي تقريباً في سن 4 أو 5 سنوات. وفي وقت لاحق؛ خلال مرحلة المراهقة، يساعدان في التقليل من الرغبة الجنسية، وعدم الانغماس فيها، وعدم ارتكاب أفعال عدوانية للشعور بالإشباع”. وتسمح هذه الأنا العليا ذات “الجودة الجيدة” حسب فيليسي نايرو: “باستبدال التمتع الفوري الناتج عن تفريغ الغرائز بفوائد الثقافة، ومزايا التسامي، وتحويل الطاقة الجنسية نحو الإبداع الفني، والخطاب الفكري”.

هل هي قاضٍ جيّد؟

يعتمد الأمر على تاريخ عائلة كل شخص وتاريخه الشخصي، وكيفية إدراجه لدى الطفل ثم الشخص البالغ. الأنا العليا ليست جيدةً ولا سيئة، إنها فقط القانون الذي يحكمنا من الداخل. إنها تنظم علاقتنا بما يحيطنا، كما يمكن أن تكون لها آثار مدمرة على الحالة النفسية عندما تتكون بشكل خاطئ. بحسب فرويد، فإن الأنا العليا لدى الذين يعانون من العُصاب، تكون قادرةً على توليد الشعور بالذنب، الكبت، التعنيف والتعذيب، وهي تغذي قلة تقدير الذات لدى السوداويين (أو المصابين بالاكتئاب)، والشعور بالقلق لدى المصابين بالوسواس. باختصار؛ يمكن أن تصبح الأنا كياناً شرساً يحول صاحبه إلى جلاّدٍ لذاته، يقمع الرغبات المختزنة بداخله ويعتبرها من المحظورات. نذكر على سبيل المثال تلك الفتاة الشابة التي تؤذي نفسها عند سن البلوغ كعقاب لها على تغيّر جسدها الذي أصبح مثيراً للرغبة، أو ذلك الأعزب الذي لا يفتأ يقيم سلسلةً من العلاقات الغرامية العابرة التي لا طائل من ورائها بينما قد تمكن منه إدمانه لمعاقرة الخمر، حتى يظل ينعم بوحدته. يحلل فينسان إستيلون الأمر قائلًا: “ما يريده البشر هو أن يحبوا وأن يكونوا محبوبين. وفي حالة إدمان الكحول على سبيل المثال، تعطي الأنا العليا القاسية الأمر بالفشل، ومن ثم، يصبح الرفيق الحقيقي هو الكأس. يحل الكحول محل العاطفة المرغوبة، ربما لأن الاستمرار في الفشل من شأنه حماية أحد الوالدين أو أخ أو أخت أي شخص أحببناه  بشغف”.

هل يمكن تطويرها؟

أجل، لحسن الحظ! تقول ماري جان سوريت: “أحياناً يخبرني بعض المرضى أنهم بصدد الابتعاد كثيراً عن والديهم ليتمكنوا أخيراً من الإفلات منهم؛ لكنهم لا يدركون أنه “بفضل” الأنا العليا، فإنهم يأخذون والدهم ووالدتهم معهم في كل مكان! فخلال التحليل النفسي؛ نحاول تحديداً إحداث بعض التغييرات، عندما تؤدي إلى الجمود وتتسبب في الكثير من المعاناة”. وحتى لو كانت الأنا العليا الموروثة عن آبائنا غارقةً في المحظورات السيئة، وحتى لو تشكلت على أنقاض عقدة أوديب السيئة أو التي لم تتم معالجتها – فلازلنا نحب والدنا أو والدتنا بينما نكره أنفسنا لذلك – فالوضع ليس ميؤوساً منه أبداً. فالأنا العليا تتطور وتتفاعل مع البيئة الخارجية، ويؤكد فينسان إستيلون “أنها تتسم بالنشاط المستمر، وتنمو من خلال تحديد الهويات المتتالية واللاشعورية تماماً للأشخاص الذين نعجب بهم ونضعهم في منزلة المثل الأعلى؛ كالعم والعمة والجدة، ثم الرفيق في الرياضة والزميل في العمل ومدرس البيانو ومعلم الفلسفة أو الحبيب الجديد… “. إننا نتحلّى بسمات على إثر علاقتنا الجديدة، كما نتخذ أيضاً بنفس الحدود، وهذا من شأنه أن يسمح لنا برسم حدود وطيدة جديدة، أقل تدميراً وشعوراً بالذنب.